النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (94)

قوله عز وجل : { فَإن كُنتَ في شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } هذا خطاب من الله لنبيه يقول : إن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك ، وفيه وجهان :

أحدهما : في شك أنك رسول .

الثاني : في شك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل .

{ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكَتَابَ مِن قَبْلِكَ } فيه وجهان :

أحدهما : أنه أراد مَنْ منهم مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، قاله ابن زيد .

الثاني : أنه عنى أهل الصدق والتقوى منهم ، قاله الضحاك .

فإن قيل : فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكاً ؟ قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لاَ أَشُكُ وَلاَ أَسْأَلُ "

وفي معنى الكلام وجهان : أحدهما :

أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من أمته ، كما قال تعالى :

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ{[1346]} } الآية .

والثاني : أنه خطاب ورد على عادة العرب في توليد القبول والتنبيه على أسباب الطاعة . كقول الرجل لابنه : إن كنت ابني فبرّني ، ولعبده إن كنت مملوكي فامتثل أمري ، ولا يدل ذلك على شك الولد في أنه ابن أبيه ولا أن العبد شاك في أنه ملك لسيده .

{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } أي من الشاكّين .

قوله عز وجل : { إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } يحتمل وجهين :

أحدهما : إن الذين وجبت عليهم كلمة ربك بالوعيد والغضب لا يؤمنون أبداً .

الثاني : إن الذين وقعت كلمته عليهم بنزول العذاب بهم لا يؤمنون أبداً .


[1346]:آية 1 الطلاق.