{ الذين يستحبّون الحياة الدنيا على الآخرة } يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره . { ويصدّون عن سبيل الله } بتعويق الناس عن الإيمان . وقرئ { ويصدون } من أصده وهو منقول من صد صدودا إذا تنكب وليس فصيحا ، لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة . { ويبغونها عوجا } ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحق ليقدحوا فيه ، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره . { أولئك في ضلال بعيد } أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل ، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة ، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته .
ويصدون عن سبيل الله : يمنعون غيرهم عن دينه الذي يوصل إلى مرضاته وثوابه .
ويبغونها عوجا : أي : ويطلبونها . والضمير عائد على السبيل ؛ فإنها مؤنثة ، أي : ويطلبون لسبيل الله العوج .
{ الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة . . . } .
وصف سبحانه هؤلاء الكافرين بصفات ثلاث هي :
( أ ) إيثار الدنيا وشهواتها وآثامها وموبقاتها ، على الأعمال الصالحة ، التي تقربهم من الله زلفى ، وينسون يوما تجازى فيه كل نفس بما كسبت ، يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا .
( ب ) { ويصدون عن سبيل الله } . يصنعون العراقيل في طريق دعوة الحق ؛ حتى يبتعد الناس عنها ، ويمنعون من تتجه عزائمهم إلى الإيمان بالله ورسوله ، من السير في طريق الإيمان ، وذلك بسبب الكفر والطغيان ، الذي ران على قلوبهم بما كانوا يكسبون .
( ج ){ ويبغونها عوجا } . ويطلبون لطريق الله ودعوته وسبيله : الميل والعوج ؛ لتوافق فجورهم ونزواتهم ، وسبيل الله أبعد ما تكون عن العوج والاضطراب ؛ لأن سبيل الله صراط مستقيم قويم ، وبعض الناس يدعي : أن أحكام القرآن وآدابه ، وتشريعاته وقوانينه ، تناسب أمة البدو العربية ، ولا تناسب الشعوب المتحضرة المتقدمة ، ونقول لهؤلاء : إن أحكام هذا القرآن ، وهدى هذه الشريعة ، غيرت وجه البسيطة ، وصنعت خير أمة أخرجت للناس ، آمنت بالله وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر ، وكانت مضرب الأمثال في العدل وترك الجور ، وثلث عروش الأكاسرة والقياصرة وامتلكت بلادهم ، إلى أن غير أهلها معالمها ، فأركسهم الله بما كسبوا ، فبدل عزهم ذلا ، وسعادتهم شقاء ، وتلك سنة الله ؛ أن الأرض يرثها عباده الصالحون ؛ لاستعمارها .
ثم حكم سبحانه على الكافرين بما يستحقون فقال : { أولئك في ضلال بعيد } .
أي : أولئك الموصوفون بإيثارهم الدنيا وزهرتها ، وصدهم عن الدين ، وابتغائهم له الزيغ والعوج أولئك في ضلال بعيد عن الحق ، لا يرجى لهم والحالة هذه ؛ هداية ولا رشاد .
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة ، التى أردتهم وأهلكتهم فقال - تعالى - : { الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً . . . }
ويستحبون : بمعنى يحبون ، فالسين والتاء للتأكيد ، أى : يختارون ويؤثرون ولذا عداه بعلى . أى : يختارون شهوت الحياة الدنيا ، ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات . .
" ويصدون " من الصد ، وهو صرف الغير عن الشئ ومنعه منه يقال : صد فلان فلانا عن فعل الشئ ، إذا منعه من فعله .
وسبيل الله : طريقه الموصلة إليه وهو ملة الإِسلام .
ويبغون من البغاء - بضم الباء - بمعنى الطلب . يقال : بغيت لفلان كذا ، إذا طلبته له ، وبغيت الشئ أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته .
والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج - كتعب . إلا أن بعضهم يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال والعقائد ، وأن مفتوحها يكون فى المرئيات كالأجساد والمحسوسات .
أى : أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها ، ولا يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل فى طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها ، ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم ، مع أنها أقوم طريق ، وأعدل سبيل ، والضمير المنصوب فى قوله " يبغونها " يعود إلى سبيل الله ، أى يبغون لها العوج ، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير ، كما فى قوله { وَإِذَا كَالُوهُمْ . . . } أى : كالوا لهم .
وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى " يبغونها " وهو الهاء هو المفعول ، وجعل " عوجا " حال من سبيل الله أى : ويريدونها أن تكون فى حال اعوجاج واضطراب .
وقوله : { أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } بيان الحكم العادل الذى أصدره - سبحانه - عليهم .
أى : أولئك الموصوفون بما ذكر فى ضلال بعيد عن الحق .
والإِشارة بأولئك الدالة على البعد ، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال ، وأبشع الرذائل .
وعبر بفى الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم ، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف .
قال الآلوسى : وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم منهم ، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف .
قال الآلوسى : وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم ما لا يخفى ، حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده . . .
ويجوز أن يقال : إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به ، بناء على أن البعد فى الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده ، وسبب بعده ضلاله ، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه ، فيكون كقولك : قتل فلانا عصيانه ، والإِسناد مجازى وفيه المبالغة المذكورة أيضا .
قوله : ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ) الاستحباب هو طلب محبة الشيء . والمعنى : أن الكافرين يختارون الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها على الآخرة . أو أنهم يستبدلون الدنيا من الآخرة . وهؤلاء هم الأخسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة فباءوا بالعذاب والخزي .
قوله : ( ويصدون عن سبيل الله ) الكافرون الظالمون مجانبون بأنفسهم عن دين الله . وهم لا يكتفون بمجانبتهم ونأيهم عن منهج الله ؛ بل يبادرون في هوس مريض ، ونشاط ماكر ، وخبث فظيع ، وضغينة عاتية مركوزة ؛ لصد الناس عن دين الله والحيلولة بين البشرية وهذا الدين العظيم الحكيم . وأنكى من ذلك كله أنهم كما وصفهم الله بقوله : ( ويبغونها عوجا ) ( عوجا ) ، منصوب على المصدر في موضع الحال . وقيل : مفعول ثان للفعل يبغون{[2367]} ؛ يعني يطلبون لسبيل الله وهو دينه ، الزيغ والاعوجاج ؛ أي يبتغون أن يروا في دين الله الزيغ عن الاستقامة والتنكب عن الحق والصواب . وذلك هو شأن الكافرين الحاقدين المضلين وديدنهم في كل زمان ؛ فإنهم يريدون للإسلام التشويه والزيغ ؛ ليصير دينا مقلوبا آخر ، دينا محرفا مبدلا وقد أتت عليه ظواهر التغيير والتشويه والتمسيخ ؛ كيلا يكون بعد ذلك الدين الحقيقي الذي أراده الله للعالمين .
هكذا يريد الظالمون في عصرنا الراهن من استعماريين ووثنيين وصليبيين وملحدين وصهيونيين وعملاء ! ! يريدون للإسلام التشويه والزيغ والاعوجاج ؛ لينقلب إلى دين يرضون هم عنه ، دين غير دين الله ، دين تغشاه ظواهر شتى من السلبية والانطوائية والانمياع والترقيع والضعف .
وذلكم هو العوج الفادح الوبيل الذي يندد الله به وبالذين يتنادون لإظهاره وتثبيته متذرعين بذرائع في غاية الزور والتهافت والافتراء والخداع .
قوله : ( أولئك في ضلال بعيد ) ذلك إخبار من الله عن هؤلاء الذين اختاروا الحياة الدنيا ؛ إذ آثروها على الآخرة ، والذين يصدون الناس عن دين الله الحق ويبتغون له الزيغ والاعوجاج وذلك بتغييره أو تبديله وتشويهه ؛ فإنهم بعيدون عن الحق بعدا عظيما وسادرون في الظلام والغي حتى يلاقوا مصيرهم الأليم{[2368]} .