لقد أرسلنا رسلنا أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى الأمم بالبينات بالحجج والمعجزات وأنزلنا معهم الكتاب ليبين الحق ويميز صواب العمل والميزان لتسوى به الحقوق ويقام به العدل كما قال تعالى ليقوم الناس بالقسط وإنزاله إنزال أسبابه والأمر باعداده وقيل أنزل الميزان إلى نوح عليه السلام ويجوز أن يراد به العدل ليقوم الناس بالقسط لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد فإن آلات الحروب متخذة منه ومنافع للناس إذ ما من صنعة إلا والحديد آلاتها وليعلم الله من ينصره ورسله باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله بالغيب حال من المستكن في ينصره إن الله قوي على إهلاك من أراد إهلاكه عزيز لا يفتقر إلى نصرة وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه .
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطْ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) }
أرسلنا رسلنا : أرسلنا الأنبياء إلى الأمم .
الكتاب : أريد به الجنس ، أي : كتب الشرائع كالتوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، والصحف .
وأنزلنا الحديد : خلقناه ، وأخرجناه من المعادن .
بأس شديد : قوة نافعة متعددة ، تتخذ منه آلات الحرب والصناعات الثقيلة ، والمباني الضخمة ونحو ذلك .
منافع للناس : يدخل في صناعات كثيرة مفيدة للناس .
وليعلم الله : علم مشاهدة ووجود في الخارج .
من ينصره ورسله : من ينصر دينه وينصر رسله ، باستخدام الأسلحة وآلات الحرب من الحديد في مجاهدة الكفار .
بالغيب : ينصرونه ولا يبصرونه بعيونهم .
أرسل الله الرسل ، وأنزل معهم كتب السماء ، وهي في جملتها كتاب واحد يحثّ على الفضائل ، وينهى عن الرذائل ، ويوضح العقيدة في الإلهيات والنبوات ، ويوضح الشريعة في العبادات والمعاملات ، وأمر الله بالعدل في القضاء ، وأنزل الحديد لتأديب الخارجين على دين الله أو شريعته ، وهذا إشارة إلى أن الكتاب يمثل سلطة التشريع ، والعدل يمثل سلطة القضاء ، وإنزال الحديد يمثل السلطة التنفيذية .
25- { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطْ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز } .
تالله لقد أرسلنا رسلنا لهداية الناس وإرشادهم إلى توحيد الله تعالى ، واتباع مكارم الأخلاق ، واجتناب الرذائل والمنكرات ، وأعطينا الرسل المعجزات التي تؤيدهم وتصدّقهم ، فهي بمثابة قول الله تعالى لعباده : صدق عبدي في كل ما يبلّغ عني ، وقد أعطى الله كل نبي معجزة مناسبة له ، مثل ناقة صالح ، وعصا موسى مع تسع آيات بينات ، كاليد والجراد والطوفان ، والضفادع والدم والسنين ، وغرق فرعون وملئه ، وأعطى عيسى إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله ، وإحياء الموتى بإذن الله ، وأعطى محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز المتحدّى به ، المهيمن على الكتب السابقة ، ومعه معجزات أخرى ، كما أمر الله الرسل بالعدل في الأحكام ، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل والإنصاف ، وتقوم حياتهم على ذلك ، فيتعاملون مع بعضهم البعض بالعدل والإنصاف والقسط ، في جميع أمورهم الدينية والدنيوية ، فهم الحراس على تنفيذ الأحكام ، واحترام الشرائع ، واتباع الرسل .
{ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ . . . }
أراد الله لعباده أن يكونوا حماة لدينه ، مدافعين عنه بكل سلاح وبكل قوة ، والسورة تسمى بأهم شيء فيها ، أو أغرب شيء فيها ، لذلك سميت هذه السورة بسورة الحديد ، وكأن الله تعالى يرشد عباده إلى تسخير الحديد في صناعاتهم الثقيلة والخفيفة ، وأدوات الطعام ومرافق المنازل ، وأساس المباني والعمارات ، ومرافق الحياة الاقتصادية ، وآلات الزراعة ، والأسلحة المتعددة ، والقطارات والبواخر ، والطائرات والسيارات ، فالحديد معدن متفاوت الثمن ، متفاوت المنافع ، ما بين حديد التسليح ، وتروس الساعة ، وهو وسيلة الدفاع عن الدولة ضد المعتدين ، ومن الإعجاز أنك تجد الحديد مستخدما في البندقية والرشاش والرادار والدبابة والغواصة والطائرة ، وأدوات كشف الألغام ، وما يكتشف في المستقبل عن مزايا هذا المعدن ، والنواحي المتعددة التي لم تكن تخطر على بال القارئ لهذه الآية وقت نزول القرآن ، مما يدل على اشتمالها على الإعجاز الغيبي ، لأن الذي أنزلها هو العليم بعباده .
وفي الآية دعوة للمؤمنين إلى التحصن بالقوة لحماية دينهم ولإرهاب أعدائهم .
كما قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } . ( الأنفال : 60 ) .
{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } .
ليشاهد الله ، ويعلم علم مشاهدة ووجود ، من ينصر الله باتباع أمره ، والمسارعة إلى الجهاد في سبيل الله ، وينصر رسله بإخلاص ونية صالحة ، تقصد وجه الله بعملها ، متيقنة بوجود ربها ورقابته ، وإن لم تبصره بعينها ، ولكنها تراقبه بقلوبها ويقينها .
{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } .
فهو سبحانه قوي قادر ، عزيز قاهر غالب ، يستطيع دفع عدوان الظالمين ، ولكنه حث عباده على الجهاد والتضحية والفداء ، وبذل النفس والنفيس في مرضاة الله ونصرة الرسل ، وإحقاق الحق والعدل ، لينالوا شرف الدنيا وسعادة الآخرة .
روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له ، وجُعل رزقي تحت ظلّ رمحي ، وجعلت الذّلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبّه بقوم فهو منهم " 24
ما أحوج المسلمين إلى قراءة كتاب ربهم ، قراءة تفهم ووعي ، ليتخذوا منه زادا نافعا مفيدا ، يأخذ بأيديهم إلى العزة والمنعة ، والتفوق الديني والدنيوي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.