نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (19)

ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله ، بين أن هذا الدين الباطل حادث ، وبين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولاً مجتمعين على طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم على ما سبق في علمه ومضى به قضاءه فقال تعالى : { وما كان الناس } أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب { إلا أُمة } ولما أفهم ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال : { واحدة } أي{[37761]} حنفاء متفقين على طاعة الله { فاختلفوا } في ذلك على عهد نوح عليه السلام - كما{[37762]} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما - عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب { ولولا كلمة } أي عظيمة { سبقت } أي في الأزل { من ربك } أي{[37763]} المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم ، وبين التأكيد {[37764]}بما دل على القسم{[37765]} لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال : { لقضي بينهم } أي عاجلاً بأيسر أمر { فيما } ولما لم يبين الكلام على الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن ، لم يذكر الضمير بخلاف الزمر فقال{[37766]} : { فيه } أي لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه : { يختلفون* } وأشار ذلك إلى أن هذا الأمر الذي دعوا إليه ليس أمراً طارئاً حادثاً فيكون بحيث يتوقف فيه للنظر{[37767]} في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده ، بل هو - مع ظهور دلائله واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما كان العباد عليه ، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور فساده ووضوح سقمه ، وهو ناظر إلى قوله تعالى { أكان للناس عجباً } لأن قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } دال على أنهم قسمان : كافر ومؤمن ؛ والأمة : الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئاً واحداً{[37768]} ؛


[37761]:زيد من ظ.
[37762]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[37763]:تأخر في الأصل عن "برحمة أمتك" والترتيب من ظ.
[37764]:في ظ: باللام.
[37765]:في ظ: باللام.
[37766]:زيد من ظ.
[37767]:سقط من ظ.
[37768]:في ظ: واحد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (19)

قوله : { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } الأمة هنا بمعنى الطريقة والدين ، وفي الآية { كنتم خير أمة } أي كنتم خير أهل دين{[1955]} .

واختلفوا في تأويل هذه الآية فقيل : كان الناس أهل دين واحد وملة واحدة وهي ملة الإيمان والتوحيد . فكانوا جميعا على الدين الحق ، دين الفطرة وهو الإسلام . واختلف القائلون بهذا أنهم متى كانوا كذلك . فقال ابن عباس : كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده إلى أن قتل أحد ابنيه أخاه .

وقيل : بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح حيث الطوفان وكانوا عشرة قرون ، ثم اختلفوا على عهد نوح ؛ فبعث الله لهم نوحا .

وقال بعض المفسرين في المراد بأنهم كانوا أمة واحدة : إنهم خلقوا على فطرة الإسلام ، ثم اختلفوا في الأديان وهو ما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه ) وقيل غير ذلك .

قوله : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } أي لولا ما سبق في حكم الله إنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه قيل يوم القيامة لقضي بينهم في الدنيا فيما اختلفوا فيه ، لكنه سبحانه لم يفعل ، وذلك من أجل كلمته التي سبقت والتي لا تتخلف{[1956]} .


[1955]:مختار الصحاح ص 26.
[1956]:تفسير الرازي جـ 17 ص 65، 66 وفتح القدير جـ 2 ص 433 وتفسير النسفي جـ 2 ص 157.