ولما كان ربما قيل : كيف يوصفون بالإعراض وهم{[43007]} يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات ، بين أن إشراكهم مسقط لذلك ، فقال : { وما يؤمن أكثرهم } أي الناس { بالله } أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به ، لأنه المختص بصفات الكمال { إلا وهم مشركون * } به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية ، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره ، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران ، وكذا أهل الكتابين{[43008]} يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل ، وهو محض تقليد لمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه{[43009]} به من الشرك ، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي{[43010]} أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " الشرك أخفى في أمتي من{[43011]} دبيب النمل " وهو شرك الأسباب التي قدر{[43012]} الله وصول{[43013]} ما يصل إلى العبد بواسطتها ، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها ! قال الرازي في اللوامع : وقال الإمام محمد بن علي الترمذي : إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب ، ومنه ثوب مشكوك ، والشرك تعلق القلب / بالشيء ، وإنما يوسع الصدر نور اليقين وإنما يتخلص من الشرك بنور التوحيد ، فعند هذا يتولاه الله تعالى ، وقال الواسطي : إلا وهم مشركون : في ملاحظة الخواطر والحركات .
قوله : { مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } نزلت في المشركين الذين أقروا بأن الله خالقهم وخالق كل شيء لكنهم مع إيمانهم هذا يعبدون مع الله آلهة أخرى كالأوثان ونحوها . هكذا قال أكثر المفسرين . وهذا ضرب من الإيمان المضلل المرفوض . الإيمان الذي يخالطه الإشراك بالله ، أو تتخذ معه الأنداد والآلهة المصطنعة لتكون شركاء لله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
ذلك أن الإيمان الصحيح لا يحتمل أيما صورة من صور الإشراك أو الازدواجية في الخضوع أو الخشوع أو الامتثال الذليل . فما من صورة من صور التوجه أو الاستسلام لغير الله مع الله إلا كان ذلك ضربا من ضروب الإشراك الذي لا يقام معه للإيمان وزن أو قيمة .
ويأتي في جملة الذين يؤمنون وهم مشركون ، أهل الكتاب الذين يجحدون رساله الإسلام أشد جحود ويكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم أيما تكذيب ، فضلا عن إشراكهم مع الله آلهة أخرى كعزيز والمسيح .
وكذلك المشركون الوثنيون الذين لا يجحدون الإيمان بالله البتة ، إلا أنهم مع إيمانهم هذا يعبدون مع الله آلهة أخرى كالذين يعبدون الصنم أو النار أو البقر أو غير ذلك من الطواغيت والجبابرة من الملوك ، أولئك جميعا مشركون لا يقيم الله لإيمانهم وزنا .
وكذلك المنافقون الذين يراءون الناس ؛ فإنهم يندرجون في الذين يؤمنون بالله وهم مشركون ؛ فليس لإيمانهم أو أعمالهم أيما اعتبار . روي الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : ( الرياء ، يقول الله تعالى يوم القيامة- إذ جازى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا عل تجدون عندهم جزاء ؟ ) .
وعن أبي موسى الأشعري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : ( يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك ؛ فإنه أخفى من دبيب النمل ) فقال له من شاء الله : فكيف نتقه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : ( قولوا : اللهم إنا نعوذ بك من أن تشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.