فلما فرغ من محاوراتهم{[44827]} ، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء ، ضرب لهم في{[44828]} ذلك مثلاً فقال : { مثل } وهو مستعار هنا للصفة التي فيها غرابة { الذين كفروا } مستهينين { بربهم } مثل من قصد أمراً ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن{[44829]} جار به عن الطريق{[44830]} ، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام ، ولا يتأتى منها{[44831]} الرجوع فهلك ضياعاً .
ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل ، ذكر ما علم منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال : ما مثلهم ؟ فقال : { أعمالهم } أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء{[44832]} الأسرى والجود ونحو ذلك ، في يوم الجزاء ، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانياً - كما قال الحوفي وابن عطية{[44833]} . وهو وخبره خبر المبتدأ الأول ، ولا يحتاج{[44834]} إلى رابط لأنه{[44835]} نفس المثل الذي معناه الصفة { كرماد } وهو ما سحقه الاحتراق{[44836]} سحق الغبار { اشتدت به الريح } أي أسرعت بالحركة على عظم القوة ؛ والريح : جسم رقيق مثبت{[44837]} في الجو من شأنه الهبوب ، والرياح خمس : شمال وجنوب وصباً ودبور ونكباء{[44838]} { في يوم عاصف } أي شديد الريح ، فأطارته في كل صوب ، فصاروا بحيث { لا يقدرون }{[44839]} أي يوم الجزاء ؛ ولما كان الأمر هنا متمحصاً للأعمال ، قدم قوله{[44840]} : { مما كسبوا } في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم { على شيء } بل ذهب هباء منثوراً لبنائه على غير أساس ، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد ، بل { ذلك } أي الأمر الشديد الشناعة { هو } أي خاصة{[44841]} { الضلال البعيد * } الذي لا يقدر صاحبه على{[44842]} تداركه .
قوله تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد } في إعراب ( مثل ) عدة وجوه ، أهمها اثنان هما : الأول : أن ( مثل ) مبتدأ أول . و ( أعمالهم ) مبتدأ ثان . ( كرماد ) ، خبر المبتدأ الثاني . والمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول .
الثاني : أن ( مثل ) مبتدأ . ( أعمالهم ) بدل منه . و ( كرماد ) خبره{[2385]} . هذا مثل لأعمال الكافرين في الدنيا ؛ فإنها يمحقها الله في الآخرة ؛ إذ يأتي عليها الحبوط فلا تجديهم أيما نفع . مثل ضربه الله لأعمال الكافرين الجاحدين الذين يحادون الله ورسله ويستنكفون عن دعوة الله ومنهجه الحكيم . فبين الله في هذا المثل أن أعمال هؤلاء الجاحدين الخاسرين التي كانوا يعملونها في حياتهم كصلة الأرحام وإنفاق المال في الخير والإعمار وغير ذلك من وجوه الإصلاح والبر . كل ذلك مآله الحبوط لصدوره عن كافرين بالله ورسوله وكتابه أو لابتغائهم بذلك غير وجه الله ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) .
قوله : ( أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) ( يوم عاصف ) ، أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية . والعصف معناه شدة الريح . عصفت الريح عصفا وعصوفا : اشتد هبوبها فهي عاصف وعاصفة{[2386]} ؛ أي أن أعمال الكافرين باطلة كلها ؛ فهي مثل رماد عصفت ( اشتدت ) الريح عليه في يوم ريح عاصف فنسفته وذهبت به . فكذلك أعمال الكافرين يوم القيامة ، لا تنفعهم عند الله ولا تنجيهم .
قوله : ( لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من الثواب يوم القيامة على أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، كعدم قدرتهم على الإمساك بالرماد إذا عصفت به الريح عصفا في يوم شديد الهبوب . قوله : ( ذلك هو الضلال البعيد ) أي الخسران الكبير . أو الإشارة إلى التيه البعيد عن الحق والصواب والجزاء الحسن{[2387]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.