نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما{[10358]} اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل{[10359]} الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو{[10360]} غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك {[10361]}بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه{[10362]} : { ولا تجعلوا الله{[10363]} } أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله { عرضة } أي معرضاً { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن{[10364]} ويبتذل {[10365]}فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء{[10366]} على الكذب فجر{[10367]} إلى أقبح الأشياء . قال الحرالي : والعرضة{[10368]} ذكر الشيء وأخذه{[10369]} على غير قصد له ولا صمد نحوه{[10370]} بل له صمد غيره { أن } أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى وغيرها{[10371]} مما تقدم الأمر به أو النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى { وتصلحوا بين الناس } {[10372]}فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك{[10373]} الأشياء فإن من لا ينقاد{[10374]} إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة ، وفي الأمثال : فرس لا تجري{[10375]} إلا بمهماز بئس الفرس .

ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله جليل عظيم عطف{[10376]} عليه قوله : { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } لجميع{[10377]} ما يكون من ذلك وغيره { عليم{[10378]} * } بما أسر منه وما أعلن ، فاحذروه في جميع ما يأمركم به و{[10379]}ينهاكم عنه ، ويجوز أن يكون{[10380]} الجملة حالاً من واو { تجعلوا } فلا يكون هناك مقدر {[10381]}ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام{[10382]} .


[10358]:زيد من ظ.
[10359]:في م: ذلك
[10360]:في م: و.
[10361]:في ظ: في جملة من واو اعلموا بقوله تعالى
[10362]:في ظ: في جملة حالية من واو اعلموا بقوله تعالى
[10363]:قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته وجعل يقول: حلفت بالله فلا يحل إلا بر يميني...ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمر بتقوى الله تعالى وحذرهم يوم المعاد نهاهم عن ابتذال اسمه وجعله معرضا لما يحلفون عليه دائما لأن من يتقي ويحذر تحب صيانة واسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير عظيم أو حقير لن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمخاوف به، وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من الخمر والميسر وإنفاق العفو وأمر اليتامى ونكاح من أشرك وحال وطئ الحائض أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال – البحر المحيط 2 / 176.
[10364]:في ظ: يمهن.
[10365]:العبارة من هنا إلى "أقبح الأشياء" سقطت من ظ، وقد أخرها في مد مع ما بعدها إلى "صمد غيره" عن "وتصلحوا بين الناس".
[10366]:من م ومد، وفي الأصل: الاحتوا – كذا.
[10367]:من م ومد وفي الأصل: فجرا.
[10368]:قال الأندلسي: العرضة فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول كالفرقة والقبضة، يقال: فلان عرضة لكذا، والمرأة عرضة للنكاح، أي معرضة له...قال حبيب: متى كان سمعي عرضة للوائمي وكيف صفت للعاذلين عزائمي ويقال: جعله عرضة للبلاء، أي معرضا....وقيل: هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الغناء فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا، وقيل: أصل العرضة القوة ومنه يقال للجمل القوى: هذا عرضة للسفر، أي قوى عليه، وللفرس الشديد الجرى: عرضة لارتحالنا – البحر المحيط 2 / 174.
[10369]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أخذة.
[10370]:في م: له.
[10371]:في م: غيره.
[10372]:العبارة من هنا إلى "الأشياء" ليست في ظ.
[10373]:زيد من م.
[10374]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الانتقاد.
[10375]:في مد وظ: لا يجري.
[10376]:زيد من م ومد وظ.
[10377]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بجميع.
[10378]:ختم هذه الآية بهاتين الصفتين لأنه تقدم ما يتعلق بهما، فالذي يتعلق بالسمع الحلف لأنه من المسموعات، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح إذ هو شيء محله القلب فهو من المعلومات فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم كما قدم الحلف على الإرادة – البحر المحيط 2 / 179.
[10379]:زيد في ظ: ما.
[10380]:في م ومد: تكون، وفي ظ: يكون.
[10381]:سقطت من ظ.
[10382]:سقطت من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم )

قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق إذ حلف ألا يأكل مع الأضياف . والمعنى : لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والطاعة والإصلاح بين الناس ، بل عليكم أن تكفّروا عن أيمانكم ثم تفعلوا الخير من بر وطاعة وإصلاح . فإنه خير للمؤمن أن يكفّر عن يمينه ، ثم يفعل الخير بدلا من امتناعه عن فعل الخير ؛ لأنه حلف ألا يأتيه . وفي هذا روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ( ص ) قال : " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " أي آتي العمل الذي حلفت ألا آتيه ، ثم أقوم بالتكفير تحلّة لما حلفت من يمين .

وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " . وروى أبو دود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ( ص ) قال : " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم ، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليدعها وليأت الذي هو خير ، فإن تركها كفارتها " .

وقوله في الآية : ( عرضة ) أي نصبا . نقول : فلان عرضة للناس ، أي نصبا لهم : بمعنى أنه معترض لهم فلا يزالون يقعون فيه . جعلت فلانا عرضة لكذا أي جعلته نصبا له أو نصبته له . وقوله في الآية : ( أن تبروا وتتقوا وتصلحوا . . . ) أي كيلا تفعلوا البر والطاعة والإصلاح كصلة الرحم وغيرها . وعلى هذا فالمقصود هو ألا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم بأن تكثروا من الحلف باسمه ؛ لئلا ( تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) أو لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم والإصلاح بين الناس إذا حلفتم على ترك ذلك . وقيل : ألا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتكون هذه الإيمان حاجزا لما حلفتم عليه ومانعا منه ، بل افعلوا ما حلفتم عليه وكفروا عن يمينكم .

قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما يقوله العباد وما يدور على ألسنتهم من كلام كالأيمان وغيرها ، وهو سبحانه عليم بما تخفيه صدروهم من نوايا ومكنونات{[304]} .


[304]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 265 والكشاف جـ 1 ص 362 وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا جـ 2 ص 265-