ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما{[10358]} اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل{[10359]} الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو{[10360]} غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك {[10361]}بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه{[10362]} : { ولا تجعلوا الله{[10363]} } أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله { عرضة } أي معرضاً { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن{[10364]} ويبتذل {[10365]}فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء{[10366]} على الكذب فجر{[10367]} إلى أقبح الأشياء . قال الحرالي : والعرضة{[10368]} ذكر الشيء وأخذه{[10369]} على غير قصد له ولا صمد نحوه{[10370]} بل له صمد غيره { أن } أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى وغيرها{[10371]} مما تقدم الأمر به أو النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى { وتصلحوا بين الناس } {[10372]}فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك{[10373]} الأشياء فإن من لا ينقاد{[10374]} إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة ، وفي الأمثال : فرس لا تجري{[10375]} إلا بمهماز بئس الفرس .
ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله جليل عظيم عطف{[10376]} عليه قوله : { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } لجميع{[10377]} ما يكون من ذلك وغيره { عليم{[10378]} * } بما أسر منه وما أعلن ، فاحذروه في جميع ما يأمركم به و{[10379]}ينهاكم عنه ، ويجوز أن يكون{[10380]} الجملة حالاً من واو { تجعلوا } فلا يكون هناك مقدر {[10381]}ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام{[10382]} .
قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم )
قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق إذ حلف ألا يأكل مع الأضياف . والمعنى : لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والطاعة والإصلاح بين الناس ، بل عليكم أن تكفّروا عن أيمانكم ثم تفعلوا الخير من بر وطاعة وإصلاح . فإنه خير للمؤمن أن يكفّر عن يمينه ، ثم يفعل الخير بدلا من امتناعه عن فعل الخير ؛ لأنه حلف ألا يأتيه . وفي هذا روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ( ص ) قال : " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " أي آتي العمل الذي حلفت ألا آتيه ، ثم أقوم بالتكفير تحلّة لما حلفت من يمين .
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " . وروى أبو دود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ( ص ) قال : " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم ، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليدعها وليأت الذي هو خير ، فإن تركها كفارتها " .
وقوله في الآية : ( عرضة ) أي نصبا . نقول : فلان عرضة للناس ، أي نصبا لهم : بمعنى أنه معترض لهم فلا يزالون يقعون فيه . جعلت فلانا عرضة لكذا أي جعلته نصبا له أو نصبته له . وقوله في الآية : ( أن تبروا وتتقوا وتصلحوا . . . ) أي كيلا تفعلوا البر والطاعة والإصلاح كصلة الرحم وغيرها . وعلى هذا فالمقصود هو ألا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم بأن تكثروا من الحلف باسمه ؛ لئلا ( تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) أو لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم والإصلاح بين الناس إذا حلفتم على ترك ذلك . وقيل : ألا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتكون هذه الإيمان حاجزا لما حلفتم عليه ومانعا منه ، بل افعلوا ما حلفتم عليه وكفروا عن يمينكم .
قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما يقوله العباد وما يدور على ألسنتهم من كلام كالأيمان وغيرها ، وهو سبحانه عليم بما تخفيه صدروهم من نوايا ومكنونات{[304]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.