نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا} (71)

ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته ولو في قتل نفسه ، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين المخادعين ، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ارتقابها{[21927]} ؛ التفت إلى المؤمنين ملذذاً لهم بحسن{[21928]} خطابه{[21929]} نادباً إلى الجهاد مع الإرشاد إلى الاستعداد له {[21930]}مما يروع{[21931]} الأضداد ، فقال سبحانه وتعالى - منبهاً بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على مثل هذا - : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان .

ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز{[21932]} من الخوف ، فكان {[21933]}كالآلة له{[21934]} ، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له ، فكان كأنه قد ترك آلة{[21935]} كانت منه ؛ قال سبحانه وتعالى : { خذوا حذركم } أي من الأعداء الذين{[21936]} ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم : المشاققين{[21937]} منهم والمنافقين{[21938]} { فانفروا } أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين { ثبات } أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية . لا تملوا ذلك أصلاً{[21939]} { أو انفروا جميعاً * } أي عسكراً واحداً ، ولا تخاذلوا{[21940]} تهلكوا ، فكأنه قال : خففت عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم ، ولم آمركم إلا{[21941]} بما تألفونه وتتمادحون به{[21942]} فيما بينكم وتذمون تاركه ، من موارد القتال ، الذي{[21943]} هو مناهج الأبطال ، ومشارع فحول الرجال ، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل{[21944]} المغنم ، وللماضي أحب المحبوب ، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة النبوة ، مع أنه لم ينقص من أجله شيء ، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل{[21945]} في غيره في ذلك الوقت .


[21927]:في ظ: ارتهابها.
[21928]:في ظ: حسن.
[21929]:من ظ ومد، وفي الأصل: خطابة.
[21930]:في ظ: من يردع.
[21931]:في ظ: من يردع.
[21932]:من ظ ومد، وفي الأصل: التحرر.
[21933]:من ظ ومد، وفي الأصل: كالأدلة ـ كذا.
[21934]:من ظ ومد، وفي الأصل: كالأدلة ـ كذا.
[21935]:في ظ: آله.
[21936]:في ظ: الذي.
[21937]:من ظ ومد، وفي الأصل: المسافقين.
[21938]:سقط من ظ.
[21939]:سقط من ظ.
[21940]:في ظ: لا تجادلوا.
[21941]:زيد من ظ ومد.
[21942]:زيد من ظ.
[21943]:في ظ: التي.
[21944]:في ظ: على.
[21945]:في ظ: للقتل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا} (71)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) .

ذلك توجيه من الله لعباده المؤمنين أن يأخذوا حذرهم عند لقاء العدوّ في المعركة حيث الصراع والتقحم الشديدان في حين يشتد فيه القتال المحتدم . وهو حين يستلزم مزيدا من الحرص والعناية الفائقين ومزيدا من التنبيه لمكائد العدوّ كيلا يأخذهم على غرّة فينال منهم نيلا فادحا .

إن الله سبحانه يأمر المؤمنين أن يكونوا على غاية اليقظة والحيطة وأن لا يلهيهم شيء عن المعركة والإعداد لها . وإذا لم يكن المسلمون على هذا النحو من الحذر والانتباه فلسوف يميل العدو عليهم ميلة واحدة ليقوّضهم تقويضا ويدمرهم تدميرا لا رحمة فيه ، علما بأن العدو دائم التربص بالمسلمين ليحس منهم جانب ضعف أو ثغرة أو يدرك فيهم شيئا من غفلة أو لهو فيبادرهم الضرب الصارم القاصم . مع أن المؤمن الحقيقي لا يكون مغفلا أو لاهيا ولا هو بالمتطيش الأرعن أو المختال في خفة وغرور . فتلك حماقة هوجاء يستعلي عليها المؤمن استعلاء . لا ينبغي أن يأخذ المسلمين العجز والتثاقل أو يعميهم اللهو والغفلة وقد علموا أن أعداءهم كثيرون يريدون أن يصطلموهم اصطلاما وليستأصلوا الإسلام من الأرض استئصالا . وهذه حقيقة ماثلة للعيان ما كان ينبغي أن تغيب عن أذهان المسلمين ولو برهة من زمان .

قوله : ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) انفروا من النفور أو النفر أو النفار وهو الإسراع للقتال{[787]} . وثُبات مفردها ثبة وهي الجماعة أو العصابة من الناس . والثبات يعني الجماعات المتفرقة . وأصلها من : ثبت الشيء أي جمعته . وجميعا ، أي مجتمعين{[788]} .

يأمر الله المؤمنين أن ينفروا لقتال العدو على الهيئة التي يرونها مناسبة ومثلما تقتضيه حال المعركة . فإما أن يخرجوا جماعة بعد جماعة أو كتيبة بعد كتيبة ، وإما أن يخرجوا مجتمعين بغير تخلف . وذلك أمر يقرره التخطيط للحرب من ذوي الاختصاص من العسكريين أولي الخبرة في القتال . فأولئك يضطلعون بمهام التخطيط للمعركة في حذر ودهاء وبراعة من أجل أن يتحقق لهم النصر وتقهقر قوى الشر والعدوان .


[787]:- المصباح المنير جـ 2 ص 287.
[788]:- تفسير الرازي جـ 10