نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (73)

ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله : { ليقولن } أي في غيبتكم ، واعترض بين القول ومقوله تأكيداً لذمهم بقوله : { كأن } أي كأنه { لم } أي مشبهاً حاله حال من لم{[21956]} { يكن{[21957]} بينكم وبينه مودة } أي بسبب قوله : { يا ليتني كنت معهم فأفوز } أي بمشاركتهم في ذلك { فوزاً عظيماً * } وذلك لأنه لو كان ذا مودة لقال حال المصيبة : يا ليتها لم تصبهم{[21958]} ! ولو كنت معهم لدافعت عنهم ! وحال الظفر : لقد سرني عزهم ، ولكنه لم يجعل محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي ، ولعله خص الحالة الثانية بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب ، وأما الحالة الأولى فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصداً للبقاء لأخذ الثأر{[21959]} ونكال الكفار ، وذكر المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة للمؤمنين .


[21956]:زيد من ظ ومد.
[21957]:قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتاء الفوقانية لتأنيث لفظ المودة ـ كما هي في مصاحفنا المتداولة؛ وقرأ الباقون بالياء للفصل ولأنها بمعنى الود.
[21958]:من مد، وفي الأصل: لم نفسهم، وفي ظ: لم نضيم ـ كذا.
[21959]:في الأصول: النار.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (73)

قوله : ( ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة . . ) وذلك كشف آخر لحقيقة المنافقين فيما تنطوي عليه أفئدتهم من خواء العقيدة ، وهم يترقبون نتيجة المعركة بين المؤمنين والمشركين . فإذا ما كتب للمسلمين فضل من الله كأن يكون ذلك نصرا أو غنيمة حزن المنافقون وجهدتهم الندامة ؛ إذ لم يكونوا مع المسلمين في الجهاد يكون لهم نصيب في الغنيمة .

ومما يثير الانتباه في هذه الآية قوله : ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) ذلك أن المنافق وهو يتمنى أن لو كان مع المسلمين ليغنم نصيبه من الغنائم إنما يزجي بهذا التمني اللئيم رغبتهم اللحاحة في مجرد المال دون غيره . وهم في مثل هذا التمني يقطعون أية وشيجة من وشائج الإيمان والتقوى تربطهم بالمسلمين . وكأن شيئا من مودّة أو صلة لم يكن بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه فهم غرباء في أنفسهم وتصورهم وقناعاتهم عن الناس من حولهم ؛ إذ لم يكن ثمة رباط من المودة في العقيدة تشدّهم إلى هذا الدين وأتباعه .

وكذلك قوله سبحانه : ( فأفوز فوزا عظيما ) أفوز منصوب بأن المضمرة بعد الفاء ( السببية ) . يكشف عن طبيعة النفس للمنافقين فهم صنف من البشر الشهوان الذي يركن للشهوة والهوى تمام الارتكان ويغلو في حب المال غلوا يدنو دونه أي حب . فالمال لدى المنافقين هو المعبود المألوه الذي يتخذونه إلها من دون الله سبحانه . وهم إذا ما أدركوا غايتهم المنشودة في المال بلغوا أقصى ما يتمنون وهو عندهم الفوز العظيم . وذلك اهتمام خسيس هابط ينحدر فيه المنافقون ليكونوا في الأذلين .

ومعلوم أن المسلم لذو اهتمام رفيع أكرم يعلو على السفاسف والدنايا ويستعلي على القصود الوضعية التي تتلهف للمال وكفى ! فهو إنما يجد نفسه مشدودا بحبل الإيمان والمبدأ ليكون هواه ومبتغاه رضوان الله أو إعلاء كلمة الله . وفي ذلك يقول النبي الكريم ( ص ) : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " وكذلك ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أنس أن النبي ( ص ) قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " ولكن المنافقين لا يعبأون بغير المال ذلك المطلب الأساسي الأول أو الغاية التي يكد المنافقون من أجلها حتى إذا بلغوها فازوا فوزا عظيما كما يتصورون . فتلكم هي الغاية وذلكم هو المقصود لا أكثر ولا أقل ! !