ولما كان التقدير : فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها ، عطف عليه قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة{[21870]} مفروضة { إن اقتلوا أنفسكم } أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة{[21871]} ، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة ، هم{[21872]} فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها { أو اخرجوا } كما فعل المهاجرون - {[21873]}رضي الله تعالى عنهم{[21874]} - الذين الزبير من رؤوسهم { من دياركم } أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم { ما فعلوه } أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم ، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا ، فاستحقوا القتل{[21875]} .
ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه ، قال : { إلا قليل منهم } أي وهم{[21876]} العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير{[21877]} لهم من أنفسهم ، وأن حياتهم إنما هي في طاعته{[21878]} ؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس{[21879]} رضي الله تعالى عنه ، قال : أما والله ! إن الله ليعلم مني الصدق ، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها ! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما ، وروي عن{[21880]} عمر رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا ! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك . ولا ريب في أن التقدير : ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا{[21881]} بهذه الحنيفية السمحة .
ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف{[21882]} ، قال مرغباً : { ولو أنهم } أي هؤلاء المنافقين { فعلوا ما يوعظون } أي يجدد لهم الوعظ في كل حين { به لكان } أي فعلهم{[21883]} ذلك { خيراً لهم } أي مما اختاروه لأنفسهم { وأشد تثبيتاً * } أي مما ثبتوا{[21884]} به أنفسهم بالأيمان الحانثة{[21885]}
قوله تعالى : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ) ورد في سبب نزول هذه الآية أن ثابت بن قيس بن شماس قد تفاخر هو وأحد اليهود . فقال اليهودي : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا وبلغت القتلى سبعين ألفا . فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا . وفي رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية قال فريق من الصحابة منهم عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وثابت بن قيس : لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو أن نخرج من ديارنا لفعلنا فقال النبي ( ص ) : " للإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي " {[784]} ، ذلك امتحان عسير يفتن به المؤمنون فلا يكادون يتجاوزونه بمنجاة من السقوط أو التداعي وهو امتحان لا جرم أن يضيق به الناس ذرعا لقلة صبرهم وضعف احتمالهم للأهوال والشدائد . إنه امتحان شاق وكؤود لا ينجو منه غير الصابر من الأشداء من الناس ، أو الأتقياء الأوفياء من أولى العزائم القوية والهمم العالية أولئك الذين يمضون سراعا لأمر الله فيبادرون بالطاعة من غير تثاقل أو عجز أو اضطراب .
وبعد ذلك يحض الله عباده على العمل بما يوعظون به والمبادرة للعمل بأوامره سبحانه ، ثم الوقوف عند حدوده من غير اعتداء أو تجاوز ولسوف يجزيهم الله خير الجزاء في الحياة وبعد الممات . في الحياة حيث الرخاء والأمن والطمأنينة والنعيم المقيم ، وبعد الممات حيث النجاة من العذاب الأليم الواصب .
قوله : ( وأشد تثبيتا ) أي على الإيمان والحق . وقيل : أشد تصديقا والتثبيت كلمة جامعة تتناول كل صور التمكين والاستقرار والقوة ، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة ، فإن أولي العقيدة الصحيحة المكينة لا تثنيهم النوازل والأهوال والمحن عن منهج الله وعن دينه القويم ، ولكنهم دائما ثابتون أقوياء يغمرهم برد اليقين ليكونوا في هذه الحياة آمنين ثابتين مطمئنين ، وهم في الآخرة ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وكذلك فإنهم حينئذ ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.