ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة ، بين تعالى حكمة ذلك و{[27723]} أنه كما جعل الحرم والإحرام سبباً لأمن الوحش والطير جعله سبباً لأمن الناس وسبباً لحصول السعادة دنيا وأخرى ، فقال مستأنفاً بياناً لحكمة المنع في أول السورة من استحلال{[27724]} من يقصدها للزيارة : { جعل الله } أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة { الكعبة } وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه ، وبيّنها مادحاً بقوله : { البيت الحرام } أي الممنوع من كل جبار دائماً الذي تقدم في أول السورة أني منعتكم من استحلال من يؤمّه { قياماً للناس } أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد الذي يقوم به البيت ، فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار والحجاج{[27725]} والعمّار فهو عماد الدين والدنيا .
ولما ذكر ما به القوام من المكان ، أتبعه ذلك من الزمان فقال : { والشهر الحرام } أي الذي يفعل{[27726]} فيه الحج وغيره{[27727]} يأمن فيه الخائف . {[27728]}
ولما ذكر ما به القوام{[27729]} من المكان والزمان ، أتبعه{[27730]} {[27731]} ما به{[27732]} قوام الفقراء من شعائره فقال : { والهدي } ثم أتبعه أعزَّه وأخصه فقال : { والقلائد } أي والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ، وفي الآية التفات إلى{[27733]} ما في{[27734]} أول السورة من قوله{ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله{[27735]} ولا الشهر الحرام{[27736]} }[ المائدة : 2 ] - فقوانينُها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له أحد ولو كان قتل ابنه{[27737]} ، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم يكن معه هدي وقلد نفسه من لَحاء{[27738]} شجر الحرم{[27739]} لم يعرِض له أحد{[27740]} حتى أن بعضهم يلقي الهدي وهو مضطر فلا يعرض له{[27741]} ولو مات جوعاً ، وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن{[27742]} الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها ، لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ليفتح بهم البلاد شرقاً وغرباً ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات ، وعلم أن ذلك إن دام بهم شَغلَهم عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم ، فأدى إلى فنائهم ، فجعل بيته المكرم وما كان من أسبابه أماناً يكون به قوام معاشهم{[27743]} ومعايشهم{[27744]} ، فكان ذلك برهاناً ظاهراً على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة .
ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس ، ذكر علة{[27745]} ذلك الجعل فقال : { ذلك } أي الجعل العظيم الذي تم{[27746]} أمره على ما أراد جاعله{[27747]} سبحانه { لتعلموا } أي بهذا التدبير المحكم{[27748]} { أن الله } أي{[27749]} الذي له الكمال كله الذي جعل ذلك { يعلم ما في السماوات } فلذلك رتبها ترتيباً فصلت به الأيام والليالي ، فكانت من ذلك الشهور والأعوام ، وفصّل من ذلك ما فصل للقيام المذكور { وما في الأرض } فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش ، فيؤدي ذلك من له عقل رصين وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما حرم من الشراب وغير ذلك .
ولما ذكر هذا العلم العظيم ، ذكر ما هو أعم منه فقال : { وأن } أي ولتعلموا{[27750]} أن { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً الذي فعل ذلك فتم له { بكل شيء عليم * } وإلاّ لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان ، ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة الهشامية{[27751]} وغيرها - طواغيت ، وهي بيوت{[27752]} جعل لها{[27753]} سدنة وحجاباً وهدايا أكثروا منها ، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم{[27754]} وطافوا به فلم يبلغ شيء{[27755]} منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب ، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له .
قوله تعالى : { جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً للِنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالهَدْيَ وَالقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 98 ) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } .
الكعبة من التكعيب وهو التربيع ، وسميت بذلك ؛ لأنها مربعة . أو من التكعب وهو الارتفاع . فسميت كعبة لكونها مرتفعة . ومن ذلك كعب الإنسان لنتوئه وارتفاعه . والكعب معناه العظم الناشز فوق القدم ، والناشزان من جانبيها والجمع أكعب وكعوب وكعاب . ويقال للجارية إذا نتأ ثديها كاعب . واصطلاح الكعبة للشرف والمجد . فهي لما سما ذكرها في الدنيا وشاع أمرها في العالمين سميت بهذا الاسم( {[1078]} ) .
والبيت الحرام ، عطف بيان على جهة المدح والتعظيم . سمي حراماً لتحريم الله إياه أن يصاد صيده أو يختلى خلاه أو يعضد شجره . والحرم والحرام ما لا يحل انتهاكه . والمحرم الذي يدخل في عمل حرم عليه به ما كان حلالاً( {[1079]} ) والمراد بالكعبة هنا الحرم كله .
والمعنى أن الله جلت قدرته خلق البيت الحرام { قِيَاماً للِنَّاسِ } أي قواماً لهم ، من قام يقوم . وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح . أي أن البيت الحرام خلقه الله للناس ليكون لهم موطن صلاح ومعاش إذ يطمئنون فيه ويسكنون . ليكون بذلك مأمناً وملجأ ، لأنفسهم وتجارتهم إذ يأتون إليه من كل فج عميق . وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو ابنه فلا يصيبه بسوء .
قوله : { وَالشَّهْرَ الحَرَامَ } الهدي : اسم جنس . والمراد به الأشهر الحرم الأربعة وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، ثلاثة سرد ، وواحد فرد( {[1080]} ) وهذا سبب آخر يضاف إلى السبب الأول وهو البيت الحرام في كونه مدعاة لقيام الناس وصلاح أمرهم وعيشهم آمنين مطمئنين ، وهو أن العرب كانوا يقتتلون في سائر الأشهر حتى إذا دخل الشهر الحرام ذهب الخوف وعمّ الأمن فزاولوا أسفارهم وتجاراتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم . وكانوا يستحصلون من الأقوات والأرزاق في الشهر الحرام ما يكفيهم السنة كلها . فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة والضيق .
قوله : { وَالهَدْيَ وَالقَلاَئِدَ } الهدي : ما يُهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكاً للمهدي وقواماً لمعيشة الفقراء وذلك سبب آخر لقيام الناس وصلاح حالهم ومعاشهم .
والقلائد : ذوات القلائد من الهدي . وهي المقلدة من لحاء شجر الحرم . فقد كان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد ولا يتعرض له أحد بسوء . وكان الناس يهرعون في الأشهر الحرم إلى معايشهم طلباً للرزق والاكتساب ولا يخشون أحداً . وقيل : إنهم توارثوا ذلك من دين إسماعيل عليه السلام .
قوله : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } اسم الإشارة ذلك في محل نصب بفعل مقدر . والتقدير : فعل ذلك لتعلموا . وقيل : في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر كذلك( {[1081]} ) .
والإشارة هنا إلى ما سبق ذكره من تشريع لأسباب الأمن وتحصيل الخير والرزق والمعاش الحسن للناس ، بما يحقق لهم السعادة والحياة الآمنة الراغدة والعيش الكريم المطمئن . وذلك يزجي بالدلائل الوافية على أن صاحب هذا التشريع لهو صاحب الحكمة البالغة وأنه العليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم ، وأنه يعلم ما في السماوات والأرض . وهو جل وعلا عليم بكل شيء .