ولما جعل عدم إيمانهم{[29243]} في هذه{[29244]} بشيء من الآيات موصلاً لهم إلى غاية من الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار ، وهي مجادلتهم له صلى الله عليه وسلم ، وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ردهم إلى الله تعالى والكشف لهم عما{[29245]} هددوا{[29246]} به ، فأعلم{[29247]} نبيهم صلى الله عليه وسلم أن حالهم إذ ذاك الإيمان ، حيث يسر غاية السرور تصديقهم له ، وتمنيهم متابعته{[29248]} لما يركبهم{[29249]} من الذل ويحيط بهم من الصغار ، ولا يزيدهم ذلك إلاّ ضرراً وعمى وندماً وحسرة ، فكأنه قيل : فلو رأيت حالهم عند كشف الغطاء - وهو المطلع - لرأيتهم يؤمنون : { ولو ترى إذ } أي حين { وقفوا } في الحشر ، و{[29250]} بني للمجهول لأن المنكىّ{[29251]} الإيقاف ، لا كونه من معين { على النار } أي عندها ليدخلوها{[29252]} مشرفين{[29253]} على كل ما فيها من أنواع النكال ، وذلك أعظم في النكاية أو على الجسر وهو على{[29254]} الصراط وهي تحتهم ، أو عرفوا حقيقتها ومقدار عذابها من قولك : أوقفته على كذا - إذا عرفته إياه { فقالوا } تمنياً للمحال{[29255]} { يا ليتنا نرد } أي إلى الدنيا .
ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جواباً للتمني - أو{[29256]} أحدهما : فنطيع ، عطف على الجملة قوله : { ولا } أي والحال أنا لا ، أو ونحن لا { نكذب } إن{[29257]} رددنا { بآيات ربنا } أي المحسن إلينا{[29258]} { ونكون من المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان ، والتقدير عند ابن عامر في نصب الثالث : ليتنا نرد ، وليتنا لا نكذب فنسعد{[29259]} وأن نكون{[29260]} ، وعلى قراءة حمزة والكسائي وحفص بنصب الفعلين : ليتنا نرد فنسعد ، وأن لا نكذب وأن نكون{[29261]} ، والمعنى : لو رأيت إيقافهم{[29262]} ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً ومنظراً{[29263]} كريهاً شنيعاً ، ولكنه حذف تفخيماً له لتذهب{[29264]} النفس فيه كل مذهب{[29265]} ، وجاز حذفه للعلم به في الجملة .
قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئيت ربنا ونكون من المؤمنين ( 27 ) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون ( 28 ) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( 29 ) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .
لو أداة امتناع لامتناع . وقيل : بمعنى ( إن ) الشرطية . وإذ بمعنى إذا فإن العرب قد تضع إذ مكان إذا . وتضع إذا مكان إذ . أما جواب لو فهو محذوف . والتقدير : لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا . وحذف الجواب أبلغ في التخويف ، لأن السامع بذلك تذهب نفسه كل مذهب . فلو صرح له بالجواب لكان قد وطن نفسه عليه فلم يخش كثيرا منه{[1145]} .
وقوله : { وقفوا } مبني للمجهول ، يعني حبسوا . وقوله : { على النار } أي فوقها . قيل : على تعني الباء . أي وقفوا بقرب النار وهم يعاينونها . وشبيه بذلك أنهم جمعوا على أبوابها . وهو ما نختاره . فإن الكافرين يوقفون يوم القيامة قريبا من النار تجمعهم الملائكة جمعا كاثرا متراكما مجردين من كل كرامة أو اعتبار وهم واجمون شاخصون وجلون أمام جهنم يعاينون شواظها واستعارها معاينة ، وقد غشيهم الرعب المريع وأحاطت بهم كل ظواهر اليأس والشقوة وانقطاع الرجاء . لا جرم أن ذلك مشهد مرعب لا يطيقه كائن من الكائنات بل لا تطيقه الجبال الشم الشواهق . أعاذنا الله منه عوذا .
قوله : { فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا } نكذب منصوب بأن بعد واو المعية . كقوله : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . وقيل : منصوب بإضمار أن على جواب التمني . وقيل غير ذلك كلام طويل . لكن الأول أصوب{[1146]} .
والمراد أن هؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم بشركهم وكفرهم يتمنون يوم القيامة أن لو يردهم الله إلى الدنيا ثانية حتى يتوبوا أو يبادروا الطاعة لله ، وأن لا نكذب بما أنزل الله من الدلائل والآيات قوله : { ونكون من المؤمنين } أي نكون من المصدقين بالله وآياته ورسالاته والمتبعين لدينه وشرعه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.