ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم{[29341]} ، وأطال في الحث على مجادلتهم ، وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي{[29342]} بخسارته منهم لا يؤمنون لآية{[29343]} من الآيات ، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة ، وأنه لا جواب لهم إلا التبعة{[29344]} والبذاءة كما هو دأب المعاند المغلوب ، وأن ذلك يحزنه{[29345]} صلى الله عليه وسلم لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة{[29346]} ، كان الحال محتاجاً إلى التسلية فقال تعالى : { قد نعلم } والمراد بالمضارع وجود العلم من غير نظر إلى زمان ، وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به ، فالمراد تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال { إنه ليحزنك } أي يوقع على سبيل التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها { الذي{[29347]} يقولون } أي من تكذيبك ، فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون{[29348]} من تنزيهنا ، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك ، وعلمنا أنه يبلغ منك ، فلا تحزن{[29349]} لأن من علم{[29350]} أن ربه يرضي المطيع له ويجزي عاصيه ، وهو عالم بما ينال{[29351]} المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر ، وهو كقوله تعالى في سورة يس ( فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون{[29352]} }[ الآية : 76 ] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء{[29353]} من طبع البشر الذي لا يقدر على الانفكاك عنه ، فالنهي عنه إنما هو{[29354]} نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي ، فهو من النهي عن السبب للمبالغة في النهي عن المسبب ، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير{[29355]} أن الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين ، ومن المعلوم أنهما ضدان ، {[29356]} فلا تنال إحداهما{[29357]} إلاّ بضد ما{[29358]} للأخرى ، فلا تنال{[29359]} الآخرة إلا بضد ما لأهل الدنيا من اللعب واللهو ، وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها الخوف كما روي في حديث قدسي " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي{[29360]} " .
ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك ، سبب عنه قوله : { فإنهم } أي فلا يحزنك ذلك فإنهم { لا يكذبونك } بل أنت عندهم الأمين ، وليكن علمنا بما تلقى منهم سبباً لزوال حزنك ، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك ، بل أنت عندهم في نفس الأمر أمين{[29361]} غير متهم{[29362]} ولكنهم لشدة عنادهم{[29363]} ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب يبرد غللهم{[29364]} ويشفي عللهم{[29365]} ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها{[29366]} ، فليخفف{[29367]} حزنك لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك ، والآية من الاحتباك : حذف من الجملة الأولى - إظهاراً لشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأدباً معه - سبب الحزن ، وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه ، ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة الأولى عليه ؛ روى الطبري{[29368]} في تفسيره عن السدي أنه لما{[29369]} كان يوم بدر{[29370]} قال الأخنس بن شريق لبني زهرة{[29371]} : إن محمداً ابن أختكم ، وأنتم أحق من كف عنه ، فإنه إن{[29372]} كان نبياً لم تقاتلوه{[29373]} اليوم{[29374]} ، وإن كان كاذباً كنتم{[29375]} أحق من كف عن{[29376]} ابن أخته ، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غَلِب محمد{[29377]} رجعتم سالمين ، وإن غَلَب محمد{[29378]} فإن قومكم{[29379]} لن يصنعوا{[29380]} بكم شيئاً ، فيومئذ سمي " الأخنس{[29381]} " ، وكان اسمه " أبي " ، فالتقى{[29382]} الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس به فقال : يا أبا الحكم ! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك{[29383]} يسمع كلامنا ، فقال أبو جهل : ويحك ! والله إن محمداً لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا{[29384]} ذهب بنو قصي{[29385]} باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما نتهمك{[29386]} ولكن نتهم{[29387]} الذي جئت به ، فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل قوله تعالى : { ولكن } ، وقال : { الظالمين } في موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ، اي الذين كانوا في مثل الظلام { بآيات } أي بسبب آيات { الله } أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله { يجحدون * } قال أبو علي الفارسي في أول كتاب الحجة : أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك ، وعلق باء الجر{[29388]} بالظالمين كما هي في قوله وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها{[29389]} }[ الإسراء : 59 ] ونحوها ، وقال ابن القطاع{[29390]} في كتاب الأفعال : جحد الشيء جحداً وجحوداً : أنكره وهو عالم به . هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلا إنكار{[29391]} الآيات إلا{[29392]} بالتكذيب ، أو ما يؤول إليه ، وأنت تعلم أن الذي أرسلك على كل شيء قدير ، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ، فاقتضت قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف ، واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفاً لك وتكثيراً لأمتك .
قوله تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون ( 33 ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا ولا مبدل لكلمت الله ولقد جاءك من نبإى المرسلين ( 34 ) وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجهلين ( 35 ) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } .
{ قد } هنا حرف تحقيق . وهو لتأكيد الشيء وتصديقه . ونعلم ، بمعنى علمنا .
وكسرت إن لدخول اللام . وفي هذا الآية تسلية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم . وذلك في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه وصدهم عن دينه فأصابه بذلك من الحزن ما أصابه .
كقوله سبحانه : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } .
وجاء في سبب نزول الآية عن أبي زيد المدني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه فقال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟ فقال : والله إني أعلم إنه لنبي ولكن متى كنا لبني عبد المناف تبعا ؟ فنزلت الآية { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون } .
وذكر أنه التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس ههنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا . فقال أبو جهل : ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجارة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فنزلت الآية{[1155]} .
والمراد هنا أن المشركين ما كانوا يكذبونك أنت يا محمد . بل إنك عندهم لصادق . ولكنهم يكذبون ما جئتهم به من تنزيل ويجحدون الوحي النازل إليك من السماء . فما ينبغي لك أن تحزن عليهم أو تأس وتغتم لأجلهم فقد كذب كثير من المرسلين من قبلك فاحتملوا الأذى والضر وصبروا على البلاء والإساءة . وهو مقتضى قوله تعالى : { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا } .