نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع{[29991]} ، لا آلهتهم التي زعموا أنها{[29992]} شفعاؤهم ولا غيرها ، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواه لا ينفع شيئاً ولا يضر ، فكان في غاية التبكيت لهم{[29993]} قوله : { قل } أي بعد ما أقمت{[29994]} من الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر ، منكراً عليهم موبخاً لهم { أندعوا } أي دعاء عبادة ، وبين حقارة معبوداتهم فقال : { من دون الله } أي{[29995]} المنفرد بجميع الأمر .

ولما كان السياق لتعداد النعم{ الذي خلق السماوات والأرض }[ الأنعام : 73 ] { خلقكم من طين }[ الأنعام : 2 ] { يطعم ولا يطعم }[ الأنعام : 14 ] { ويرسل عليكم حفظة }[ الأنعام : 61 ] { من ينجيكم من ظلمات البر والبحر }[ الأنعام : 63 ] { الله ينجيكم منها ومن كل كرب }[ الأنعام : 64 ] قدم النفع في قوله : { ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أي لا يقدر على شيء من ذلك ، ليكونوا على غاية اليأس من{[29996]} {[29997]} اتباع حزب{[29998]} الله لهم ، وهذا كالتعليل لقوله{ إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله }[ الأنعام : 56 ] .

ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم ، أشار إلى وجود الخسارة في رجائهم فقال : { ونرد } أي برجوعنا{[29999]} إلى الشرك ، وبناه للمفعول لأن المنكر الرد نفسه من أيّ راد كان{[30000]} { على أعقابنا } أي فنأخذ{[30001]} في الوجه المخالف لقصدنا فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود { بعد إذ هدانا الله } أي الذي لا خير إلا وهو عنده ولا ضر{[30002]} إلا وهو قادر عليه ، إلى التوجه{[30003]} نحو المقصد ، ووفقنا له وأنقذنا من الشرك .

ولما صور حالهم ، مثَّلَه فقال : { كالذي } أي نرد من علو القرب{[30004]} إلى المقصود إلى سفول البعد عنه رداً كرد الذي { استهوته } أي طلبت مزوله عن درجته{[30005]} { الشياطين } فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه ، شبه حاله بحال من سقط من عال في{[30006]} مهواة مظلمة{[30007]} فهو في حال هويه{[30008]} في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن الخلاص { في الأرض } حال{[30009]} كونه { حيران } تائهاً ضالاً ، لا يهتدي لوجهه ولا يدري كيف يسلك ، ثم استأنف قوله : { له } أي هذا الذي هوى{[30010]} { أصحاب } أي عدة ، ولكنه لتمكن الحيرة منه لا يقبل { يدعونه إلى الهدى } وبين دعاءهم بقوله : { ائتنا } وهو قد اعتسف المهمة تابعاً للشياطين ، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه ، وحيل{[30011]} بينه و{[30012]} بين العبر والنزوان .

ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مراراً ، وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه له{[30013]} في غاية النصيحة والخير ، وأنه إن تبعهم نجا ، وإلا هلك هلاكاً لا تدارك له ، فكان جوابهم : إن دعاء أصحابه به{[30014]} له لهدى ، بين أنه مضمحل تافه جداً بحيث{[30015]} أنه يجوز أن يقال : ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه ، بقوله : { قل إن هدى الله } أي المستجمع لصفات الكمال { هو } أي خاصة { الهدى } أي لا غيره كدعاء أصحاب المستهوي ، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من الهلاك إلى{[30016]} جنب هذا الهدى كلا شيء ، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد .

ولما كان التقدير : فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل{[30017]} ما عداه ، عطف عليه أمراً عاماً فقال : { وأمرنا لنسلم } أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل هوى ، وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى{[30018]} بفعلها أشرف حلى { لرب العالمين * } أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه ؛


[29991]:زيد بعده في ظ: منهم.
[29992]:زيد بعده في ظ: زعموا.
[29993]:سقط من ظ.
[29994]:في ظ: أفهمت.
[29995]:سقط من ظ.
[29996]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[29997]:في ظ: إيقاع الحرب.
[29998]:في ظ: إيقاع الحرب.
[29999]:من ظ، وفي الأصل: رجوعنا.
[30000]:زيد من ظ.
[30001]:من ظ، وفي الأصل: فيأخذ.
[30002]:من ظ، وفي الأصل: أمر.
[30003]:من ظ، وفي الأصل: التوجيه.
[30004]:في ظ: القرآن.
[30005]:زيد من ظ.
[30006]:من ظ، وفي الأصل: مهول فظلمه.
[30007]:من ظ، وفي الأصل: مهول فظلمه.
[30008]:في ظ: مهوية- كذا.
[30009]:في ظ: حالة.
[30010]:في ظ: هو.
[30011]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30012]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30013]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30014]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30015]:من ظ، وفي الأصل: تحسب- كذا.
[30016]:زيد من ظ.
[30017]:سقط من ظ.
[30018]:في الأصل: فيحلى، وفي ظ: فيتحلى.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

قوله تعالى : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقبنا بعد إذ هدنا الله كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العلمين ( 71 ) وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون } .

قيل : نزلت في المشركين ، إذ قالوا للمسلمين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فأنزل الله هذه الآية { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } يعني أنعبد من دون الله آلهة مصطنعة اختلقتموها أنتم من أوثان وأنداد موهومة لا تضر ولا تنفع ؟ أتدعوننا أن نترك عبادة الله الأحد الصمد خالقكم وخالق كل شيء لننتكس مرتدين سفهاء عن دين الله الحق إلى شرككم وباطلكم وهوان أحلامكم ؟ !

قوله : { ونرد على أعقبنا بعد إذ هدانا الله } الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم{[1200]} والمراد بذلك الرجوع إلى الضلال والشرك والجاهلية . والتعبير بالأعقاب فيه تقبيح وإنكار للارتداد عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر . وذلك بعد أن من الله على المؤمنين فهداهم إلى توحيد الإسلام وما يؤول إلى النجاة والفوز برضى الله ونعيمه في الآخرة .

قوله : { كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران } الكاف في الاسم الموصول في محل نصب نعت لمصدر محذوف . أي أنرد ردا مثل رد الذي استهوته الشياطين . وقيل : في موضع الحال ، واستهوته بمعنى هوت به إلى أسفل . وهو من الفعل هوى أي سقط ونزل من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة السحيقة من قعر الأرض . وهذا تشبيه لحال هذا المنتكس الضال بحال الساقط من العلا إلى حيث الهبوط والتردي مع السافلين .

وقيل : استهوته من الهوى والجنوح . أي أغوته وسولت له الكفر والباطل . وحيران ، منصوب على الحال . وهو من الحيرة بمعنى التردد في الأمر{[1201]} وهذه حال المنتكس الساقط الذي استزلته الشياطين فهوى من العلو حيث الهدى والإيمان ، إلى السفل حيث الضياع واليأس والاضطراب . فمن كان حاله هكذا لا جرم أنه يهيم في التردد والحيرة والجزع .

قوله : { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } قيل : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر ، وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره أن يعرض عن الجهالة إلى الهداية وعن ظلام الباطل إلى ضياء الحق .

والمقصود أن ذلك فيمن أطاع الشيطان وعمل في حياته بالمعصية وضل عن طريق الله وله أصحاب يدعونه إلى الحق وإلى المحجة المستقيمة البيضاء ، محجة الإسلام . لكنه أبى وأعرض مستكبرا .

قوله : { قل إن هدى الله هو الهدى } هذا إعلان من الله للبشرية على أن هدى الله الذي هو دين الإسلام لهو الهدى وحده دون غيره من السبل والطرائق . فما من ملة ولا شرعة ولا منهاج غير دين الإسلام لا جرم أنه مخالف للمحجة السليمة المستقيمة ومغاير للحق الذي بينه الله للناس تفصيلا . ومن أجل ذلك أمرنا الله باتباعه دون غيره من الملل المحرفة القائمة على الإفراط والشطط . فقال سبحانه : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } أي أمرنا الله أن ننقاد له مخبتين مطيعين وأن نستسلم لأمره بالامتثال والعمل .


[1200]:- مختار الصحاح ص 443.
[1201]:- القاموس المحيط ج 2 ص 16.