ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة{[34260]} التي هي أمهات مطالب القرآن ، مبيناً ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبلدهم{[34261]} في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله : { يسئلونك } أي مكررين لذلك { عن الساعة } أي عن وقتها سؤال استهزاء { أيان مرساها } أي أيّ وقت ثبات ثقلها واستقراره{[34262]} ، والمرسى يكون مصدراً وزماناً ومكاناً ، من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة ، وإنما كان هذا بياناً لعمههم فإنهم{[34263]} وقعوا بذلك{[34264]} في الضلال من وجهين : السؤال عما غيره لهم أهم ، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة ، وسيكرره في هذه السورة ، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة .
ولما كان السؤال عن الساعة عاماً ثم خاصاً بالسؤال عن وقتها{[34265]} ، جاء الجواب عموماً عنها بقوله : { قل إنما علمها } أي علم وقت إرسائها وغيره { عند ربي } أي المحسن إليّ بإقامتها لينعم على من تبعني وينتقم ممن{[34266]} تركني ، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه ، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي ، وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب ، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة ، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيراً إلى أن لها أشراطاً{[34267]} تتقدمها : { لا يجليها } أي يبينها غاية البيان { لوقتها إلا هو } .
ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء ، وكان الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل ، قال : { ثقلت } أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم عليّ{[34268]} شأنها ، ولذلك عبر بالظرف فقال : { في السماوات والأرض } أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء ، وله أن يفعل ما يشاء{[34269]} - ثم قرر خفاءها على الكل فقال : { لا تأتيكم } أي في حالة من الحالات { إلا بغتة } أي على حين غفلة .
ولما كانوا قد ألحفوا{[34270]} في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها ، وكانت صفة الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعاً في تعرفها{[34271]} من المحسن إليه ، قطع الأطماع بقوله مؤكداً{[34272]} للمعنى : { يسئلونك } أي عن الساعة مطلقاً في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من{[34273]} شدائدها ، أي ويلحفون{[34274]} في سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها {[34275]}إلا الله{[34276]} { كأنك حفيٌّ } أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال { عنها قل } أي قطعاً لسؤالهم { إنما علمها عند الله } أي الذي له{[34277]} جميع العزة والعظمة والكبرياء فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه ، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق { ولكن أكثر الناس } أي الذين{[34278]} غلبت عليهم صفة الاضطراب { لا يعلمون } أي ليسوا من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون ، ولو كانوا من أهله ما كذبوك ، فواقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت ، وتركوا ما ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال وهم يهيمون في أودية الضلال .
قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولاكن أكثر الناس لا يعلمون 187 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون }
جاء في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس قال : قال : حمل بن أبي قشير وشموال بن زيد من اليهود : يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم متى هي ، فأنزل الله هذه الآية . قال قتادة : فقالت قريش لمحمد : إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة ؟ فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الساعة } {[1593]} .
الكاف ، في { يسألونك } في موضع مفعول به أول . و { عن الساعة } ، في موضع نصب مفعول به ثان . و { أيان مرساها } ، مبتدأ وخبر . { مرساها } ، مبتدأ و { أيان } ، خبره{[1594]} . لقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين عن الساعة وذلك من باب الإحراج والتحدي والمكابرة إذ قالوا له { أيان مرساها } أي متى مثبتها ووقوعها . و { مرساها } بمعنى قيامها . من قول القائل : أرساها الله فهي مرساة . وأرساها القوم إذا حبسوها . ورست ترسو رسوا . فأجابهم أنها علمها مما استأثر الله به في علم الغيب عنده ولم يوقف عليه أحدا { لا يجليها لوقتها إلا هو } أي لا يظهرها في وقتها إلا هو سبحانه .
قوله : { ثقلت في السموات والأرض } أي ثقل علم الساعة على أهل السموات والأرض ؛ فقد عز عليهم أن يعرفوا وقتها ومجيئها لخفائها عنهم واستئثار الله بعلمها ، وبذلك لا يعرف متى تقوم الساعة لا نبي مرسل ولا ملك مقرب . وقيل : ثقلت بمعنى كبرت ، فلا تطيقها السموات والأرض . ذلك أن الساعة إذا جاءت انشقت السماء ، وانكدرت النجوم ، وانتثرت الكواكب ، وكورت الشمس ، وسيرت الجبال . لا جرم أن ذلك هائل ومخوف ومزلزل ، وفيه من الثقل على أهل السموات والأرض ما يخلع القلوب خلعا . وكذلك فإن الساعة إنما تأتي فجأة من حيث لا يشعر بها أحد فهي تبغت بقيامها الناس إذ تأتيهم على غفلة وفي الخبر : ( إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقيم سلعته في السوق ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه . وذلك تأويل قوله : { لا تأتيكم إلا بغتة ) وبغتة ، منصوب على المصدر في موضع الحال{[1595]} .
قوله : { يسألونك كأنك حفي عنها } الحفي ، معناه العالم المستقصي ، الملح في السؤال{[1596]} ؛ أي يسألك المشركون عن الساعة يا محمد ، كأنك عالم بها كثير السؤال عنها . وقيل : يسألونك عنها كأنك صديق بهم أو قريب منهم وتخفي عليهم ، أو كأنك حفي بهم ؛ أي كأنك فرح ومسرور بسؤالهم . نقول : احتفى به : بالغ في إكرامه وأكثر السؤال عن حاله ؛ فهو حاف وحفي . وحفا الله به حفوا ، أكرمه . والحفاوة ، الإلحاح{[1597]} .
قوله : { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي أبلغهم يا محمد مبينا لهم بجلاء ووضوح أن علم الساعة خفي عن العالمين وقد استأثر الله به ولا علم لأحد في المخاليق بالساعة أو متى تقوم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي أكثر الناس لا يعلمون أن الله وحده مستأثر بعلم الساعة ، وأن الخلق جميعا لا يدرون متى تفجأهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.