ثم شرع يخبر عن أشياء تقع منهم عند الرجوع دلالة على أن هذا كلامه وأنه عالم بالمغيبات كليها وجزئيها ، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان{[37093]} يكون ، فقال مبيناً لعدم علمهم : { يعتذرون } أي يثبتون الأعذار لأنفسهم : وأشار إلى بعدهم بالقلوب بقوله : { إليكم } أي عن التخلف { إذا رجعتم إليهم } أي من هذه الغزوة ، كأنه قيل : فماذا يقال في جوابهم ؟ فقال للرأس الذي لا تأخذه في الله لومة لائم : { قل لا تعتذروا } أي فإن أعذاركم كاذبة ، ولذلك علل النهي بقوله : { لن نؤمن لكم } أي نصدقكم في شيء منها ، ثم علل عدم تصديقهم بما أوجب{[37094]} لهم القطع بذلك فقال : { من نبأنا الله } أي أعلمنا الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء إعلاماً جليلاً { من أخباركم } أي التي ظننتم{[37095]} جهلاً بالله أنها تخفى فقد علمناها ؛ ثم هددهم بقوله : { وسيرى الله } أي لأنه عالم بكل شيء وإن دق قادر على كل شيء { عملكم } أي بعد ذلك أتتبينون{[37096]} أم تثبتون على حالكم هذا الخبيث كما رأى الذي قبل { ورسوله } أي بما يعلمه به سبحانه وحياً أو تفرساً ، ولما كان الكلام في المنافقين ، فكانت الرؤية لنفاقهم الذي{[37097]} يجتهدون في إخفائه ، وكان المؤمنون لا اطلاع لجميعهم عليهم ، لم يذكرهم بخلاف من يأتي بعد فإنهم مؤمنون .
ولما كان هذا ربما أوهمهم أنه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل ، نفى ذلك بإظهار وصفه في موضع الإضمار مهدداً بقوله مشيراً بأداة التراخي إلى استبعادهم لقيامهم إلى معادهم : { ثم تردون } أي براد قاهر لا تقدرون على دفاعه بعد استيفاء{[37098]} آجالكم بالموت وإن طالت ثم البعث{[37099]} { إلى عالم الغيب } وهو ما غاب عن الخلق { والشهادة } وهو ما اطلع عليه أحد منهم . فصار بحيث يطلعون عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه { فينبئكم } أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستوعباً { بما كنتم } أي بجبلاتكم { تعملون* } أي مما أبرزتموه إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم ، ولو تأخرتم لبرز ، وهو تهديد عظيم ،
قوله تعالى : { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون 94 سيحلفون بالله لكم إذا انقلبوا إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون 95 يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } .
يعتذر المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينتحلون للمؤمنين لدى رجوعهم إلى المدينة مختلف المعاذير والأباطيل المكشوفة . والله جل وعلا يأمر المؤمنين أن لا يعذروهم ولا يقبلوا لهم معذرة { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي لن نصدقكم فيما تقولون وتنتحلون من المعاذير البطالة { قد نبأنا الله من أخباركم } لقد أعلمنا الله من أمركم وأخباركم ما يبين لنا أنكم كاذبون مبطلون ؛ فأنتم المنافقون الخادعون ، البارعون في الغش والتخريص .
قوله : { وسيرى الله عملكم ورسوله } أي يسري الله ورسوله فيما بعد أنكم باقون على هذه الحالة التي تزعمونها من الصدق وإظهار المحبة للمؤمنين ، أو أنكم مقيمون على خداعكم ونفاقكم .
قوله : { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } بعد دنياكم هذه وما كسبتموه فيها من الكذب والنفاق والقعود مع الخوالف دون المؤمنين المجاهدين –لسوف ترجعون إلى بارئكم الذي يعلم الغيب والشهادة ، المطلع على الأسرار والخفايا وبواطن الأمور . الله الذي يستوي عنده السر والعلن ، أو الظاهر والمستور ؛ فإنه يوم القيامة يخبركم بما كنتم تقارفون من الأعمال فيجازيكم بها الجزاء الذي تستحقون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.