نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا} (11)

ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جداً بما فيه من احتمال علوهم ، أعلم بقرب فرجه{[69483]} بتهديدهم بأخذهم سريعاً فقال : { وذرني } أي اتركني على أي حالة اتفقت مني في معاملتهم ، وأظهر في موضع الإضمار تعليقاً للحكم بالوصف وتعميماً فقال : { والمكذبين } أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم .

ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب ، ذكر الحامل عليه تزهيداً فيه وصرفاً عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به وجارّة إلى حب الدنيا فقال : { أولي النعمة } أي أصحاب التنعم بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها{[69484]} النعمة - بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من الأموال والأولاد ، والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم .

ولما كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه ، قال محققاً للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها قصير : { ومهلهم } أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم{[69485]} بشأنهم .

ولا سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة{[69486]} التي مضمونها أن أخذهم بيده صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يسأل في تأخيره{[69487]} لهم ، زاد في البشارة بقوله : { قليلاً * } أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله ، وكان بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير{[69488]} - قاله المحب الطبري ، وفيه بشارة له صلى الله عليه وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان ، وأنه ليس محتاجاً في أمرهم إلى غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله صلى الله عليه وسلم وتفريغ ظاهره وباطنه لما{[69489]} هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال على الله سبحانه ، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه{[69490]} وكله الله إلى نفسه ، فكان ذلك كالمانع من{[69491]} أخذ الله له-{[69492]} ، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع -{[69493]} .


[69483]:من ظ و م، وفي الأصل: فوجه.
[69484]:من م، وفي الأصل: أفادتموها، وفي ظ: أفادتتموها.
[69485]:من ظ و م، وفي الأصل: تقيم.
[69486]:من م، وفي الأصل و ظ: العبارات.
[69487]:من ظ و م، وفي الأصل: تأخيرهم.
[69488]:من ظ و م، وفي الأصل: سير-مع يسير من البياض.
[69489]:من ظ و م، وفي الأصل: إلى ما.
[69490]:من ظ و م، وفي الأصل: بعذره.
[69491]:في م: في.
[69492]:زيد من ظ و م.
[69493]:زيد من ظ و م.