نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا} (5)

ولما كان المراد منه صلى الله عليه وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات {[69408]}في الاقتداء{[69409]} به في العمل والأمر والنهي ، وكان ذلك في غاية الصعوبة ، وكان الإنسان عاجزاً إلا بإعانة مولاه ، وكان العون النافع إنما يكون لمن صفت نفسه عن الأكدار وأشرقت بالأنوار ، وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته سبحانه ، علل هذا الأمر بقوله مبيناً للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما وصفه ، معلماً أن التهجد يعد للنفس من القوى ما به يعالج المشقات ، مؤكداً لأن الإتيان بما هو خارج عن جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق : { إنا } أي بما لنا من العظمة { سنلقي } أي قريباً بوعد لا خلف فيه فتهيأ{[69410]} لذلك بما يحق له .

ولما كان المقام لبيان الصعوبة ، عبر بأداة الاستعلاء فقال : { عليك } وأشار إلى اليسر مع ذلك إشارة إلى

{ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }[ القمر : 17 ] بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال : { قولاً } يعني القرآن { ثقيلاً * } أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة-{[69411]} حملها وتحميلها للمدعوين{[69412]} لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس ، ومن جهة رزانة لفظه لامتلائه بالمعاني مع جلالة{[69413]} معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ويستخرج ما فيه من الجواهر إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر ، فهو ثقيل على الموافق من جميع هذه الوجوه وغيرها ، وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه وله وزن وخطر وقدر عظيم ، روي في الصحيح{[69414]} : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي يفصم عنه وإن جبينه ليتفصد{[69415]} عرقاً في اليوم الشاتي الشديد البرد " وكان –صلى الله عليه وسلم _ إذا أنزل عليه الوحي وهو راكب على ناقته{[69416]} وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك حتى يسري عنه " قال القشيري : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأنعام{[69417]} نزلت عليه جملة واحدة{[69418]} وهو راكب فبركت ناقته من ثقل القرآن{[69419]} وهيبته ، وهو مع ثقله على الأركان خفيف على اللسان سهل التلاوة والحفظ على الإنسان .


[69408]:من ظ و م، وفي الأصل: بالاقتدى.
[69409]:من ظ و م، وفي الأصل: بالاقتدى.
[69410]:من ظ و م، وفي الأصل: فهيأ.
[69411]:زيد من ظ.
[69412]:من ظ و م، ووردت الكلمة ناقصة في الأصل مع بياض يسير.
[69413]:من ظ و م، وفي الأصل: جلالته.
[69414]:راجع بدء الوحي.
[69415]:من ظ و م والصحيح، وفي الأصل: ليقطر.
[69416]:في م: ناقة.
[69417]:زيد في الأصل: لما نزلت سورة الأنعام صلى الله عليه وسلم، ولم تكن الزيادة في ظ و م فحذفناها.
[69418]:سقط من ظ و م.
[69419]:زيد في الأصل: هو مع.