نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا} (6)

ولما أفهم هذا أن التهجد في غاية العظمة ، أكد ذلك حاثاً على عدم الرضى بدون الأفضل الأجمل الأكمل بقوله : مؤكداً ليخف أمر القيام على النفس : { إن ناشئة الّيل } أي ساعاته التي كل واحدة منها ناشئة والعبادة تنشأ فيه بغاية الخفة ، من{[69420]} نشأ أي نهض من مضجعه بغاية النشاط لقوة الهمة ومضاء العزيمة التي جعلتها{[69421]} كأنها نشأت بنفسها ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما{[69422]} : ما كان بعد العشاء فهو ناشئة ، وما كان قبله فليس بناشئة ، وقالت عائشة رضي الله عنها{[69423]} : الناشئة القيام بعد النوم ، وقال الأزهري : الناشئة القيام ، مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى العفو .

ولما كان ذلك في غاية الصعوبة لشدة منافرته للطبع ، زاد في التأكيد ترغيباً فيه فقال : { هي } أي خاصة لما لها من المزايا { أشد } أي أثقل وأقوى وأمتن وأرصن{[69424]} { وطأً } أي كلفة ومشقة لما فيهامن ترك الراحة وفراق الألف والمحبوب ، وأشد ثبات قدم - على أنه مصدر وطأ في قراءة الجماعة - بفتح ثم سكون ، ومواطأة بين القلب واللسان في الحضور وفي التزام الدين بالإذعان والخضوع على أنه مصدر واطأ{[69425]} مثل قاتل على قراءة أبي عمرو وابن عامر بالكسر والمد و-{[69426]} هي أبلغ لأن صيغة المفاعلة{[69427]} تكون بين اثنين يغالبان فيكون الفعل أقوى .

ولما كان التهجد يجمع القول والفعل ، وبين ما في الفعل لأنه أشق ، فكان بتقديم{[69428]} الترغيب بالمدحة أحق ، أتبعه القول فقال : { وأقوم قيلاً * } أي وأعظم سداداً من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب بحضور القلب ورياقة{[69429]} الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه وتعالى بحصول البركات ، وأخلص من الرياء والقصود{[69430]} الدنيات .


[69420]:في ظ: عمن، وفي م: عن.
[69421]:من ظ و م، وفي الأصل: جعلها.
[69422]:راجع البحر المحيط 8/359.
[69423]:راجع معالم التنزيل 7/139.
[69424]:من ظ و م، وفي الأصل: ارضي.
[69425]:من ظ و م، وفي الأصل: وطأ.
[69426]:زيد من ظ و م.
[69427]:من ظ و م، و م الأصل: الفاعلية.
[69428]:من ظ و م، وفي الأصل: تقديم.
[69429]:من ظ و م، وفي الأصل: رياضته.
[69430]:من ظ و م، وفي الأصل: القصور.