الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} (64)

قوله تعالى : { لِيُطَاعَ } هذه لام كي ، والفعل بعدها منصوب بإضمار " أن " وهذا استثناءٌ مفرغ من المفعول له ، والتقدير : وما أرسلنا من رسولٍ لشيءٍ من الأشياء إلا للطاعة . " وبإذن الله " فيه ثلاثة أوجه ، أحدهما : [ أنه ] متعلقٌ ب " يُطاع " ، والباء للسببية ، وإليه ذهب أبو البقاء ، قال : " وقيل : هو مفعولٌ به أي : بسبب أمر الله " . الثاني : أن يتعلق ب " أرسلنا " أي : وما أَرْسلنا بأمر الله أي : بشريعته . الثالث : أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير في " يطاعَ " ، وبه بدأ أبو البقاء . وقال ابن عطية : " وعلى التعليقين : أي : تعليِقِه ب " يُطاعَ " أو ب " أَرْسلنا " فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى ؛ لأنَّا نقطعُ أن الله تعالى قد أراد من بعضِهم ألاَّ يُطيعوه ، ولذلك تَأوَّلَ بعضُهم الإِذنَ بالعلم وبعضُهم بالإِرشاد " قال الشيخ : " ولا يُحتاج لذلك لأن قوله " عامُّ اللفظ " ممنوعُ ، وذلك أن " يُطاع " مبني للمفعول ، فيقدَّر ذلك الفاعلُ المحذوفَ خاصاً ، وتقديره : " إلا ليطيعَه مَنْ أراد اللَّهُ طاعتَه " .

قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ } قد تقدَّم الكلامُ على " أنَّ " الواقعةِ بعد " لو " و " إذ " ظرفٌ معمولٌ لخبر " أنَّ " وهو " جاؤوك " وقال : { وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ } ولم يَقُلْ " واستغفرت " خروجاً من الخطاب إلى الغَيْبة ؛ لِما في هذا الاسم الظاهر من التشريفِ والتنويه بوصف الرسالة . و " وجَد " هنا يُحْتَملُ أن تكونَ العِلْمية فتتعدى لاثنين ، والثاني " تواباً " وأن تكون غيرَ العِلْمية فتتعدى لواحد ، ويكون " تواباً " حالاً . وأمَّا " رحيماً " فيحتمل أن يكون حالاً من ضمير " تَوَّاباً " وأن يكون بدلاً من " تواباً " ويُحتمل أن يكونَ خبراً ثانياً في الأصل بناء على تعدُّد الخبر وهو الصحيح ، فلمَّا دخل الناسخُ نُصِبَ الخبرُ المتعدد تقول : " زيدٌ فاضلٌ شاعرٌ فقيه عالم " ثم تقول : " علمتُ زيدا فاضلاً شاعراً فقيهاً عالماً " إلا أنه لا يَحْسُن أن يقال هنا : " وشاعراً : مفعول ثالث ، وفقيهاً : رابع ، وعالماً : خامس " .