{ وأجمعوا } : أي أمرهم على إلقائه في غيابة الجب .
{ في غيابة الجب } : أي في ظلمة البئر .
{ وأوحينا إليه } : أي أعلمناه بطريق خفي سريع .
ما زال السياق الكريم في الإِخبار عما عزم عليه إخوة يوسف أن يفعلوه فقد أقنعوا والدهم يوم أمس على إرسال يوسف معهم إلى البر وها هم أولاء وقد أخذوه معهم وخرجوا به ، وما إن بعدوا به حتى تغّيرت وجوههم عليه وصار يتلقى الكلمات النابية والوكز والضرب أحيانا ، وقد أجمعوا أمرهم على إلقائه في بئر معلومة لهم في الصحراء ، ونفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفا في قعر البئر . وهنا أوحى الله تعالى إليه أي أعلمه بما شاء من وسائط العلم أنه سينبئهم في يوم من الأيام بعملهم الشنيع هذا وهو معنى قوله تعالى في السياق { وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } .
- جواز صدور الذنب الكبير من الرجل المؤمن المهيء للكمال مستقبلا .
- لطف الله تعالى بيوسف وإكرامه له بإِعلامه إياه أنه سينبئ إخوته بفعلتهم هذه وضمن ذلك بشره بسلامة الحال وحسن المآل .
قوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لما أخذوه من أبيهم يعقوب وعزموا بعد ذلك على إلقائه في البئر ، وجواب لما محذوف ، وتقديره : فعلوا ما فعلوه من الأذى ؛ فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية وغاب يعقوب عن أبصارهم أظهروا له العداوة وشرعوا يؤذونه بالفعل من ضرب وطعن ونحوهما . وكذلك يؤذونه بالقول من شتم وإهانة ونحوهما ، وهو يستعطفهم عليه ويذكرهم الرحم ووصية أبيه لهم بالرفق به ، لكنهم ظلوا سادرين في إيذائه والنيل منه حتى جاءوا به إلى الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه ، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه ، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره فصعد إلى صخرة تكون في وسطه فقام فوقها .
قوله : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا يدل على نبوته في ذلك الوقت . وبذلك أعطى الله يوسف النورة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : تسع سنين . وقيل غير ذلك ؛ فقد أوحي الله إلى يوسف وهو في تلك الحال من الضيق والخوف والوحشة تطيبا لقلبه وتثبيتا كيلا يحزن ولا يبتئس مما أصابه ومما هو فيه من كيد إخوته الظالمين الآثمين الذين تفجر الحسد في قلوبهم فاستحوذ عليها أيما استحواذ ففعلوا ما فعلوا . فهان عليهم إيمانهم وغاضت في نفوسهم علائم الرحمة والإشفاق .
لقد أوحي الله إليه وهو في حاله هذه أنه جاعل له فرجا ومخرجا ، وأنه كاشف عنه السوء والبأساء ، وسيكتب الله له النصر والعزة وعلو الشأن ، ولسوف يحدث إخوته بكل ما فعلوه به من وجوه المكر والإيذاء ، { وهم لا يشعرون } أيلا يشعرون بما يخبرك به الوحي ، أو لا يشعرون بأنك يوسف وذلك لدى دخلوهم عليه وهو في مصر ؛ إذ يعرفهم وهم له منكرون . لقد أوحي الله إلى جبريل عليه السلام أن أدرك عبدي ، فأسرع غليه جبريل حتى أقعده على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام من الحشرات السامة والحيات . وفي هذا الموقف الكئيب الموحش يلجأ يوسف إلى ربه يسأله الخلاص والفرج ويشكو إليه ما فعله به المعتسفون الحاسدون ، ويدعوه بهذا الدعاء الذي علمه إياه جبريل : الله يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كشاف كل كربة ، وعالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملأ ، يا حي يا قيوم ، أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا . إنك على كل شيء قدير . فقالت الملائكة . إلهنا ، نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي ! {[2211]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.