أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (23)

شرح الكلمات :

{ راودته } : أي طالبته لحاجتها تريد أن ينزل عن إرادته لإِرادتها وهو يأبى .

{ التي هو في بيتها } : أي زليخا امرأة العزيز .

{ وغلّقت الأبواب } : أغلقتها بالمغّاليق .

{ هيت لك } : أي تعال عندي .

{ معاذ الله } : أي أعوذ بالله أي أتحصن وأحتمي به من فعل ما لا يجوز .

{ أحسن مثواي } : أي إقامتي في بيته .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وما جرى له من أحداث في بيت العزيز الذي اشتراه إنه ما إن أوصى العزيز امرأته بإِكرام يوسف حتى بادرت إلى ذلك فأحسنت طعامه وشرابه ولباسه وفراشه ، ونظراً إلى ما تجلبه الخلوة بين الرجل والمرأة من إثارة الغريزة الجنسية لاسيما إذا طالت المدة ، وأمن الخوف وقلت التقوى حتى راودته بالفعل عن نفسه أي طلبت منه نفسه ليواقعها بعد أن اتخذت الأسباب المؤمنّة حيث غلّقت أبواب الحجرة والبهو والحديقة ، وقالت تعالى إليّ . وكان رد يوسف على طلبها حازماً قاطعا للطمع وهذا هو المطلوب في مثل هذا الموقف قال تعالى مخبراً عما جرى في القصر حيث لا يعلم أحدٌ من الناس ما جرى وما تم فيه من أحداث . { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } . إنها بعد أن اتخذت كل ما يلزم للحصول على رغبتها منه أجابها قائلا { إنه ربي أحسن مثواي } يريد العزيز أحسن إقامتي فكيف أخونه في أهله . وفي نفس الوقت أن سيده الحق الله جل جلاله قد أحسن مثواه بما سخّر له فكيف يخونه فيما حرم عليه . وقوله إنه لا يفلح الظالمون تعليل ثان فالظلم بِوَضْع الشيء في غير موضعه يخيب في سعيه ويخسر في دنياه وأُخراه فكيف أرضى لنفسي ولَكَ بذَلك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (23)

قوله تعالى : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } التي راودته هي امرأة العزيز ، إذ كان يوسف في بيتها ؛ فقد بهرها بحسنه وسمته الكريم حتى شغفها حبا ، فراودته عن نفسه ؛ أي طلبت منه في تلطف ولين . والمراودة تعني التلطف في الطلب وفيها معنى المخادعة{[2222]} ، فهي بذلك حاولته على نفسه ودعته إليها لما وجدت في قبلها من بالغ المحبة له والتشبث به . فما استطاعت أن تضبط رغبتها وتصطبر ؛ بل بادرت إلى مصارحته بما تريد . ولذلك غلقت الأبواب . { وغلقت } ، بالتشديد ، للتكثير ؛ لأن الأبواب كانت كثيرة فأغلقتها جميعا { وقالت هيت لك } { هيت } ، اسم فعل أمر بمعنى هلم ، أو أقبل ، أو تعال{[2223]} ، وبذلك دعته في صراحة إلى المواقعة لكنه عليه السلام والسلام أعظم من أن ينزلق إلى هذا المنزلق من الشهوة الراحم . وهو منزل لا ينحدر إليه عباد الله الأبرار ، فكيف برسول كريم عظيم سليل النبوة والطهر والرسالات ، يوسف عليه السلام ؟ ! وبذلك { قال معاذ } { معاذ } ، منصوب على المصدر . يقال : عاذ يعوذ معاذا وعوذا وعياذا{[2224]} ؛ أي لما دعته امرأة العزيز للمواقعة قال لها : أعصتم بالله وأستجير به مما تدعونني إليه { إنه ربي أحسن مثواى } يعني إنه سيدي أحسن منزلتي وأكرمني ؛ إذ أوصاك أن تكرمي مثواي فلا أخونه في أهل وبيته . { إنه لا يفلح الظالمون } الظالمون الذين يستبدلون الخبيث بالطيب ، والفاحشة بالطهر ، والفساد بالصلاح ، وكل ذلك ظلم . وما تدعونني غليه خيانة وفحش ؛ فهو ظلم ولا يفلح من يقع فيه .


[2222]:المصباح المنير جـ 1 ص 263.
[2223]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 378 وتفسير الرازي جـ 18 ص 115.
[2224]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 38.