أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40)

شرح الكلمات

بغير حق : أي استوجب إخراجهم من ديارهم .

{ إلا أن يقولوا ربنا الله } : أي إلا قولهم : ربنا الله والله أحق ، وهل قول الحق يُسَرغ إخراج قائله ؟

{ صوامع وبيع } : معابد الرهبان وكنائس النصارى .

{ وصلوات } : معابد اليهود ، باللغة العبرية مفردها صلوثا .

{ ومساجد } : أي بيوت الصلاة للمسلمين .

{ من ينصره } : أي ينصر دينه وعباده المؤمنين .

{ قوي عزيز } : قادر على ما يريد عزيز لا يمانع فيما يريد .

المعنى :

وقوله تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } أي بدون موجب إخراجهم اللهم إلا قولهم : ربنا الله وهذا حق وليس بموجب لإِخراجهم من ديارهم وطردهم من منازلهم وبلادهم هذه الجملة بيان لمقتضى الإذن لهم بالقتال ، ونصرة الله تعالى لهم . وقوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } أي يدفع بأهل الحق أهل الباطل لولا هذا لتغلب أهل الباطل و { لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } وهذا تعليل أيضاً وبيان لحكمة الأمر بالقتال أي لولا أن الله تعالى يدفع بأهل الإيمان أهل الكفر لتغلب أهل الكفر وهدموا المعابد ولم يسمحوا للمؤمنين أن يعبدوا الله - وفي شرح الكلمات بيان للمعابد المذكورة فليرجع إليها .

وقوله تعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي } أي قدير { عزيز } غالب فمن أراد نصرته نَصَرهُ ولو اجتمع عليه من بأقطار الأرض ، والذي يريد الله نصرته هو الذي يقاتل من أجل الله بأن يُعبد في الأرض ولا يُعبد معه سواه فذلك وجه نصر الله فليعلم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40)

قوله : ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) ( الذين ) في موضع جر صفة ( للذين يقاتلون ) {[3125]} . لقد ظلموا بإخراجهم من ديارهم ووطنهم مكة ظلما وعدوانا . وإنما كان سبب إخراجهم أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له . فهم مؤمنون موحدون لا يعنون بطاعة أو خضوع إلا لله رب العالمين . وهو قوله : ( إلا أن يقولوا ربنا الله ) الجملة في موضع نصب ؛ لأنه استثناء منقطع{[3126]} أي : لكن لقولهم : ربنا الله . وكان هذا عند المشركين السفهاء أعظم ذنب . لا جرم أن ذلك ديدن المجرمين من الكفرة والمتربصين في كل زمان ومكان . فهم يكيدون للإسلام والمسلمين أبلغ الكيد بسبب عقيدتهم المستقيمة واستمساكهم بمنهج الحق ، وهو منهج الإسلام . والمشركون يغيظهم بالغ الغيظ أن يروا المسلمين مستمسكين بدينهم أو أنهم يتبعون شريعة الإسلام دون غيرها من الشرائع . ذلك هو ديدن المجرمين الكافرين ودأبهم في كراهيتهم للحق وعداوتهم للإسلام . ون أجل ذلك فإنه لا مندوحة عن تشريع الجهاد لردع المجرمين وصدهم ودفع أذاهم عن المسلمين وإبطال مخططاتهم في العدوان على المسلمين .

إن هؤلاء الأشرار والأشقياء من الكفرة المناكيد لا تجدي معهم الحجة ولا يؤثر فيهم المنطق والبرهان . إنما تدفعهم الصرامة وشدة البأس والقوة من أجل أن تخمد شرورهم ونيرانهم ومفاسدهم .

قوله : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) كان من تقدير الله وحكمته البالغة أن يدفع بقوم عن قوم . ويصدّ شر أناس عن آخرين وذلك بمختلف الأسباب في القوة والبأس . ولولا أن الله سبحانه وتعالى شرع الجهاد للنبيين والمؤمنين ليقاتلوا المشركين والظالمين في كل زمان لطغى المشركون طغيانا فاستولوا على المسلمين ولكان قد عمّ في الأرض الفساد والشر ، ولكان الظالمون قد تسلطوا على المؤمنين من أهل الملل المختلفة في أزمنتهم فاستحوذوا عليهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى كنائس ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات ولا للمسلمين مساجد .

أو لتسلّط المشركون من أمة محمد ( ص ) على المسلمين وعلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين هم في ذمة المسلمين ، فهدموا بطغيانهم وعدوانهم بيوت العبادة للفريقين وهم المسلمون وأهل الكتاب . ذلك أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى إنما يؤتمن عليهم المسلمون عندما تكون لهؤلاء دولة تحكم بشريعة الإسلام وتسوس البشرية على منهج الله . وحينئذ يناط بدولة الإسلام أن تصون بيوت العبادة لأهل الكتاب سواء في ذلك الصوامع والكنائس والبيع والصلوات وهي كنائس اليهود . وأيما اعتداء عليها فإنما هو اعتداء على المسلمين أنفسهم .

وقد قدّم في الذكر أماكن عبادة اليهود والنصارى على مساجد المسلمين ؛ لأنها أقدم بناء . أو لأهمية التذكير بالأمانة التي يناط بالمسلمين صونها وكلاءتها وهي شؤون أهل الذمة بما في ذلك بيوت عبادتهم من صوامع وكنائس وغير ذلك من مسميات أهل الكتاب . فذلك كله من جملة الأمانات التي يتوجب على المسلمين صونها دون تقصير أو تفريط .

أما الصوامع ؛ فهي جمع صومعة . وهي مختصة برهبان النصارى . وكذا البيع ، جمع بيعة وهي كنيسة النصارى . وأما الصلوات ، فهي كنائس لليهود . وأما المساجد ، فإنها للمسلمين يذكرون فيها اسم الله ويذعنون له فيها بالخضوع والعبادة وهو قوله : ( يذكر فيها اسم الله كثيرا ) الضمير عائد إلى المساجد ؛ لأنها أقرب المذكورات ؛ ولأن مساجد المسلمين أكثر عمارا وأكثر روادا وفيها تؤدى العبادة على وجهها الصحيح وقصدها المستقيم .

قوله : ( ولينصرن الله من ينصره ) ذلك وعد رباني كريم من الله لمن ينصر دينه الإسلام فيدرأ عنه الشرور والعوادي ، ويبذل غاية مجهوده لتقويته وإعلاء شأنه وإشاعته في الدنيا بكل ما أوتي من قدرة وإمكان ، بأن يجعل الله له التوفيق والسداد والنصر ويكتب له الغلبة والاستعلاء على الكافرين المعتدين .

وإذا فرّط المسلمون في دينهم ونكصوا دون الإعداد لنصرته والذب عنه ، فانفتلوا عنه مدبرين مبعثرين أشتاتا لا تربطهم عقيدته ولا يجمعهم منهجه العظيم ، فما ينتظرون بعد ذلك إلا الهزيمة والتقهقر ، والانحطاط وتسلط الكافرين الظالمين عليهم .

( إن الله لقوي عزيز ) الله قوي مقتدر في علاه . جليل منيع لا يرام جانبه ، فلا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب{[3127]} .


[3125]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 176.
[3126]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 177.
[3127]:- الكشاف جـ3 ص 16 وتفسير الرازي جـ23 ص 41.