أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (59)

شرح الكلمات :

{ أم يدسه في التراب } : أي يدفن تلك المولودة حية ، وهو الوأُد .

المعنى :

/د57

{ يتوارى } ، أي : يستتر ويختفي عن أعين الناس خوفاً من المعرة ، وذلك { من سوء ما بشر به } ، وهو : البنت ، وهو في ذلك بين أمرين إزاء هذا المبشر به : إما أن يمسكه . أن يبقيه في بيته بين أولاده ، { على هون } ، أي : مذلة وهوان ، وإما أن { يدسه في التراب } ، أي : يدفنه حياً ، وهو الوأد المعروف عندهم . قال تعالى مندداً بهذا الإجرام : { ألا ساء ما يحكمون } ، في حكمهم هذا من جهة نسبة البنات لله وتبرئهم منها ، ومن جهة وأد البنات أو إذلالهن ، قبح حكمهم الجاهلي هذا من حكم . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 57 ) وهي قوله : { ويجعلون لله البنات } ، حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، { سبحانه } ، أي : نزه تعالى نفسه عن الولد والصحابة ، فلا ينبغي أن يكون له ولد ، ذكراً كان أم أنثى ؛ لأنه كل شيء ، ومليكه فما الحاجة إلى الولد إذا ؟ والآية الثانية ( 58 ) وهي قوله تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً } ، أي : أقام النهار كله مسود الوجه من الغم ، { وهو كظيم } ، أي : ممتلئ بالغم والهم ، { يتوارى من القوم من سوء ما بشر به } ، أي : البنت ، { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .

/ذ58

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (59)

ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي ، وصل به قوله تعالى : { يتوارى } ، أي : يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء ، لا اطلاع لأحد عليه ، { من القوم } ، أي : الرجال الذين هو فيهم . { من سوء ما بشر به } ، لعده له خزياً . ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك ، بقوله تعالى : { أيمسكه على هون } ، أي : ذل وسفول أمر ، ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض على غير هيئة الدفن ، عبر عنه بالدس ، فقال تعالى : { أم يدسه في التراب } ، قال ابن ميلق : قال المفسرون : كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفيرة وجلست على شفيرها ، فإن وضعت ذكراً أظهرته ، وظهر السرور أهله ، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها ، فإن شاء أمسكها على هون ، وإن شاء أمر بإلقائها في الحفيرة ، ورد التراب عليها ، وهي حية لتموت - انتهى . قالوا : وكان الوأد في مضر وخزاعة وتميم .

ولما كان حكمهم هذا بالغاً في القباحة ، وصفه بما يستحقه ، فقال مؤكداً لقبحه : { ألا ساء ما يحكمون * } ، أي : بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا منه ، وجعل ما يختارونه لهم خاصاً بهم .