{ غضبان أسفاً } : أي شديد الغضب والحزن .
{ وعداً حسناً } : أي بأن يعطيكم التوراة فيها نظام حياتكم وشريعة ربكم لتكملوا عليها وتسعدوا .
{ أفطال عليكم العهد } : أي مدة الموعد وهي ثلاثون يوماً قبل أن يكملها الله تعالى أربعين يوماً .
{ بملكنا } : أي بأمرنا وطاقنا ، ولكن غلب علينا الهوى فلم نقدر على إنجاز الوعد بالسير وراءك .
ولما انتهت المناجاة وأعطى الله تعالى موسى الألواح التي فيها التوراة { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً } أي حزينا إلى قومه فقال لهم لما أخبر تعالى عنه بقوله : { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً } فذكرهم بوعد الله تعالى لهم بإنجائهم من آل فرعون وإكرامهم بالملك والسيادة موبخاً لهم على خطيئتهم بتخلفهم عن السير وراءه وانشغالهم بعبادة العجل والخلافات الشديدة بينهم ، وقوله { أفطال عليكم العهد } أي لم يطل فالمدة هي ثلاثون يوماً فلم تكتمل حتى فتنتم وعبدتم غير الله تعالى ، قوله { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } أي بل أردتم بصنيعكم الفاسد أن يجب عليكم غضب من ربكم فحل بكم ، { فأخلفتم موعدي } بعكوفكم على عبادة العجل وترككم السير على أثرى لحضور موعد الرب تعالى الذي واعدكم .
- مشروعية الغضب لله تعالى والحزن على ترك عبادته بمخالفة أمره ونهيه .
ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله{[49702]} : { فرجع موسى{[49703]} } أي{[49704]} لما أخبره ربه بذلك { إلى قومه } {[49705]}أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه{[49706]} { غضبان أسفاً* } أي شديد الحزن أو{[49707]} الغضب ؛ واستأنف قوله{[49708]} : { قال } لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم : { يا قوم } وأنكر عليهم بقوله : { ألم يعدكم ربكم } الذي طال إحسانه إليكم { وعداً حسناً } {[49709]}أي بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه{[49710]} .
ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم ، مغير للعهود ، كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري {[49711]}في هذا البيت{[49712]} :لا أنسينك إن طال الزمان بنا *** وكم حبيب تمادى عهده فنسي
وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم ، أنكر طول العهد بقوله ، مستأنفاً{[49713]} عما تقديره : هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم{[49714]} : { أفطال عليكم العهد } أي زمن{[49715]} لطفه بكم ، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول{[49716]} وقلة التدبر { أم أردتم } بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق { أن يحل عليكم } بسبب عبادة العجل { غضب من ربكم } أي{[49717]} المحسن إليكم{[49718]} ، وكلا الأمرين لم يكن ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته{[49719]} ، والحاصل أنه يقول : إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل { فأخلفتم } أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم { موعدي* } في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه عليّ إحساناً إليكم وإقبالاً عليكم ، وكأنه أضاف الموعد إليه أدباً مع الله تعالى وإعظاماً له ، {[49720]}أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي لا شبهة فيه ، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة{[49721]} ، وأوضحه من البراهين الظاهرة ، لا يكون إلا بنسيان لطول عهد ، أو عناد بسوء قصد ، وكان من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد ، سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه ، فقال ما معناه : أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف{[49722]} جناح ؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم ؟ فكانت الآية من الاحتباك : ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولاً دليل على حذف العناد ثانياً ، وذكر حلول الغضب ثانياً دليل على انتفاء الجناح أولاً ، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على{[49723]} النسيان الذي هو المسبب ، وإثبات الغضب - و{[49724]}هو المسبب - أنكأ{[49725]} من إثبات سببه الذي هو العناد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.