أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (18)

شرح الكلمات :

{ أعمالهم كرماد } : أي الصالحة منها كصلة الرحم وبر الوالدين وإقراء الضيف وفك الأسير والفاسدة كعبادة الأصنام بالذبح لها والنذر والحلف والعكوف حولها كرماد .

{ لا يقدرون مما كسبوا على شيء } : أي لا يحصلون من أعمالهم التي كسبوها على ثواب وان قل لأنها باطلة بالشرك .

المعنى :

وقوله تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } أي شديد هبوب الرياح فيه { لا يقدرون مما كسبوا } أي من أعمال في الدنيا { على شيء } أي من الثواب والجزاء والحسن عليها ، هذا مثل أعمالهم الصالحة كأنواع الخير والبر والطالحة والكفر وعبادة غير الله مما كانوا يرجعون نفعه ، الكل يذهب ذهاب رماد حملته الريح وذهبت به ، مشتدة في يوم عاصف شديد هبوب الريح فيه .

وقوله تعالى : { ذلك هو الضلال البعيد } أي ذلك الذي دل عليه المثل هو الضلال البعيد لمن وقع فيه إذ ذهب كل عمله سدى بغير طائل فلم ينتفع بشيء منه وأصبح من الخاسرين .

الهداية

من الهداية :

- بطلان أعمال المشركين والكافرين وخيبتهم فيها إذ لا ينتفعون بشيء منها .

- عذاب أهل الكفر والشرك والظلم لازم لأنهم لم يذكروا ولم يشكروا والذكر والشكر علة الوجود كله فلما عبثوا بالحياة استحقوا عذاباً أبدياً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (18)

قوله تعالى : " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد " اختلف النحويون في رفع " مثل " فقال سيبويه : ارتفع بالابتداء والخبر مضمر ، التقدير : وفيما يتلى عليكم أو يقص " مثل الذين كفروا بربهم " ثم ابتدأ فقال : " أعمالهم كرماد " أي كمثل رماد " اشتدت به الريح " . وقال الزجاج : أي مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالهم كرماد ، وهو عند الفراء على إلغاء المثل ، التقدير : والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد . وعنه أيضا أنه على حذف مضاف ، التقدير : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ؛ وذكر الأول عنه المهدوي ، والثاني القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال : صفة فلان أسمر ، ف " مثل " بمعنى صفة . ويجوز في الكلام جر " أعمالهم " على بدل الاشتمال من " الذين " واتصل هذا بقوله : " وخاب جبار عنيد " والمعنى : أعمالهم محبطة غير مقبولة . والرماد ما بقي بعد احتراق الشيء ، فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف . والعصف شدة الريح ، وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى . وفي وصف اليوم بالعصوف ثلاثة أقاويل : أحدها : أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به ؛ لأن الريح تكون فيه ، فجاز أن يقال : يوم عاصف ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، والبرد والحر فيهما . والثاني : أن يريد " في يوم عاصف " الريح ؛ لأنها ذكرت في أول الكلمة ، كما قال الشاعر :

إذا جاء يومٌ مظلمُ الشمس كَاسِفُ

يريد كاسف الشمس فحذف ؛ لأنه قد مر ذكره ، ذكرهما الهروي . والثالث : أنه من نعت الريح ، غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل : جحر ضب خرب ، ذكره الثعلبي والماوردي . وقرأ ابن أبي{[9485]} إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر " في يوم عاصف{[9486]} " . " لا يقدرون " يعني الكفار . " مما كسبوا على شيء " يريد في الآخرة ، أي من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا ، لإحباطه بالكفر . " ذلك هو الضلال البعيد " أي الخسران الكبير ، وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت .


[9485]:من ا و ز و و و ي والبحر.
[9486]:هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح، على الجمع.