{ الكعبة } : الكعبة كل بناء مربع والمراد بها هنا بيت الله الحرام .
{ قياماً للناس } : يقوم به أمر دينهم بالحج إليه والاعتمار ودنياهم بأمن داخله وجبي ثمرات كل شيء إليه .
{ الشهر الحرام } : أي المحرم والمراد به الأشهر الحرم الأربعة رجب والقعدة والحجة ومحرم .
{ الهدي } : ما يهدى إلى البيت من أنواع الهدايا .
{ والقلائد } : جمع قلادة ما يقلده البعير أو البقرة المهدى إلى الحرم .
قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام للناس } المراد من الناس العرب في جاهليتهم قبل الإِسلام ومعنى قياماً : أن مصالحهم قائمة على وجود البيت يحج ويعتمر يأمن الآتي إليه والداخل في حرمه ، وكذا الشهر الحرام وهي أربعة أشهر القعدة والحجة ومحرم ورجب ، وكذا الهدي وهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام ، وكذا القلائد جمع قلادة وهي ما يقلده الهدي إشعاراً بأنه مهدي إلى الحرم ، وكذا ما يقلده الذاهب إلى الحرم نفسه من لِحَاءَ شجرة الحرم إعلاماً بأنه آت من الحرم أو ذاهب إليه فهذه الأربعة البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد كانت تقوم مقام السلطان بين العرب فتحقق الأمن والرخاء في ديارهم وخاصة سكان الحرم من قبائل قريش فهذا من تدبير الله تعالى لعباده وهو دال على علمه وقدرته وحكمته ورحمته ولذا قال تعالى : { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء ، وأنه بكل شيء عليم فهو الإِله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه ، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه ،
هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى ( 97 ) والثانية ( 98 ) .
- بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه ، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فأوجد لهم أمناً واستقراراً وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام ، والهدي والقلائد ، الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله .
الأولى : قوله تعالى : " جعل الله الكعبة " جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم . وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة . وقيل : إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها ، فكل ناتئ بارز كعب ، مستديرا كان أو غير مستدير . ومنه كعب القدم وكعوب القناة . وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها . والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار ، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن . وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن مكة حرمها الله ولم بحرمها الناس ] وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله .
الثانية : قوله تعالى : " قياما للناس " أي صلاحا ومعاشا ، لأمن الناس بها ، وعلى هذا يكون " قياما " بمعنى يقومون بها . وقيل : " قياما " أي يقومون بشرائعها . وقرأ ابن عامر وعاصم " قيما " وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وقد قيل : " قوام " . قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس ، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر ، والسلب والغارة والقتل والثأر ، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية ، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه{[6003]} الحال ووازع يحمد معه المآل . قال الله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة{[6004]} " [ البقرة : 30 ] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة ، وجعله أمورهم إلى واحد يزعهم{[6005]} عن التنازع ، ويحملهم على التآلف من التقاطع ، ويرد الظالم عن المظلوم ، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه . روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن . ذكره أبو عمر رحمه الله . وجور السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة ، فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة ؛ لتجري على رأيه الأمور ، ويكف الله به عادية الجمهور{[6006]} ، فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظم بينهم حرمته ، فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه . قال الله تعالى : " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم{[6007]} " [ العنكبوت :67 ] . قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ، ولا يناله كل خائف جعله الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي :
الثالثة : هو اسم جنس ، والمراد الأشهر الثلاثة{[6008]} بإجماع من العرب ، فقرر الله في قلوبهم حرمتها ، فكانوا لا يروعون فيها سربا أي نفسا ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه . واقتطعوا فيها ثلث الزمان . ووصلوا منها ثلاثة متوالية ، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة ، وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام ، وهو شهر رجب{[6009]} الأصم ويسمى مضر ، وإنما قيل له : رجب الأصم ؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد ، ويسمى منصل الأسنة ؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح ، وهو شهر قريش ، وله يقول عوف بن الأحوص :
وشهر بني أمية والهدايا *** إذا سيقت مضرِّجُها الدماءُ
وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله ، أي شهر آل الله ، وكان يقال لأهله الحرم : آل الله . ويحتمل أن يريد شهر الله ؛ لأن الله متنه{[6010]} وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه . وسيأتي في " براءة " {[6011]} أسماء الشهور إن شاء الله . ثم يسر لهم الإلهام ، وشرع{[6012]} على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد ، وهي :
الرابعة : فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما ، أو علقوا عليه نعلا ، أو فعله ذلك الرجل بنفسه من التقليد على ما تقدم بيانه أول السورة لم يروعه أحد حيث لقيه ، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام ، فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق إلى نصابه ، فأسندت الإمامة إليه ، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض{[6013]} " [ النور : 55 ] الآية . وقد مضى في " البقرة{[6014]} " أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها .
الخامسة : قوله تعالى : " ذلك لتعلموا " " ذلك " إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما ؛ والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد ، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.