{ افترى على الله كذباً } : اختلق على الله كذباً قال عليه ما لم يقل ، أو نسب له ما هو منه براء .
{ أوحي إلي } : الوحي : الإِعلام السريع الخفي بواسطة الملك وبغيره .
{ غمرات الموت } : شدائده عند نزع الروح .
{ باسطوا أيديهم } : للضرب وإخراج الروح .
{ عذاب الهون } : أي عذاب الذل والمهانة .
ما زال السياق مع المشركين والمفترين الكاذبين على الله تعالى باتخاذ الأنداد والشركاء فقال تعالى : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } بأن ادَّعَى أن الله نبأه وأنه نبيه ورسوله كما ادعى سعد بن أبي سرح بمكة ومسيلمة في بني حنيفة بنجد والعنسي باليمن : اللهم لا أحد هو أظلم منه ، وممن قال أوحى إلّى شيء من عند الله ، ولم يوح إليه شيء وممن قال : { سأنزل مثل ما أنزل الله } من الوحي والقرآن ، ثم قال تعالى لرسوله : { ولو ترى } يا رسولنا { إذ الظالمون في غمرات الموت } أي في شدائد سكرات الموت ، { والملائكة } ملك الموت وأعوانه { باسطو بأيديهم } بالضرب وإخراج الروح ، وهم يقولون لأولئك المحتضرين تعجيزاً وتعذيباً لهم : { أخرجوا أنفسكم ، اليوم تجزون عذاب الهون } بسبب استكباركم في الأرض بغير الحق إذ الحامل للعذرة وأصله نطفة قذرة ، ونهايته جيفة قذرة ، استكباره في الأرض حقا إنه استكباراٌ باطلٌ لا يصح من فاعله بحال من الأحوال . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 93 ) .
- قبح الكذب عل الله تعالى في أي شكل ، وأن صاحبه لا أظلم منه قط .
- تقرير عذاب القبر ، وسكرات الموت وشدتها ، وفي الحديث : أن للموت سكرات .
قوله تعالى : " ومن أظلم " ابتداء وخبر ، أي لا أحد أظلم . " ممن افترى على الله كذبا " أي اختلق . " أو قال أوحي إلي " فزعم أنه نبي " ولم يوح إليه شيء " نزلت في رحمان اليمامة والأسود العبسي وسجاح زوج مسيلمة ، كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه . قال قتادة : بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة ، وقال ابن عباس . قلت : ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن يقول : وقع في خاطري كذا ، أو أخبرني قلبي بكذا ، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم ، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، ويقولون : هذه الأحكام الشرعية العامة ، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص ، فلا يحتاجون لتلك النصوص . وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون{[6563]} ؛ ويستدلون على هذا بالخضر ، وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وهذا القول زندقة وكفر ، يقتل قائله ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ، فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم . وسيأتي لهذا المعنى في " الكهف{[6564]} " مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " " من " في موضع خفض ، أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبدالله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون " : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين{[6565]} " [ المؤمنون :12 ] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله " ثم أنشأناه خلقا آخر " [ المؤمنون : 14 ] عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال : " تبارك الله أحسن الخالقين " [ المؤمنون : 14 ] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهكذا أنزلت على ) فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " رواه الكلبي عن ابن عباس . وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبدالله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : ( نعم ) . فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ) . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلى يا رسول الله ؟ فقال : ( إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين ){[6566]} . قال أبو عمر : وأسلم عبدالله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك . وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين . وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم . وغزا الصواري{[6567]} من أرض الروم سنة أربع وثلاثين ، فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، فمضى إلى عسقلان ، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه . وقيل : بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة . ودعا ربه فقال : اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح ، فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات{[6568]} ، وفي الثانية بأم القرآن وسورة ، ثم سلم عن يمينه ، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه . ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره . ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما{[6569]} . وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية . وقيل : إنه توفي بإفريقية . والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين . وقيل : سنة ست وثلاثين . وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ؛ لأنه عارض القرآن فقال : والطاحنات طحنا . والعاجنات عجنا . فالخابزات خبزا . فاللاقمات لقما .
قوله تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " أي شدائده وسكراته . والغمرة الشدة ، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها . ومنه غمره{[6570]} الماء . ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره . ومنه غمرات الحرب . قال الجوهري : والغمرة الشدة ، والجمع غمر مثل نوبة ونوب . قال القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام :
وحَانَ لِتَالِكَ الغُمَرِ انحِسَارُ
وغمرات الموت شدائده . " والملائكة باسطو أيديهم " ابتداء وخبر . والأصل باسطون . قيل : بالعذاب ومطارق الحديد ؛ عن الحسن والضحاك . وقيل : لقبض أرواحهم ، وفي التنزيل : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم{[6571]} " [ الأنفال : 50 ] فجمعت هذه الآية القولين . يقال : بسط إليه يده بالمكروه . " أخرجوا أنفسكم " أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم ، وهو توبيخ . وقيل : أخرجوها كرها ؛ لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه ، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره . وقد أتينا عليه في كتاب " التذكرة " والحمد لله . وقيل : هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه : لأذيقنك العذاب ولأخر جن نفسك ؛ وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه . وقيل : يقال هذا للكفار وهم في النار . والجواب محذوف لعظم الأمر ، أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما . والهون والهوان سواء . " تستكبرون " أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته .