{ نجس } : أي ذوو نجس وذلك لخبث أرواحهم بالشرك .
{ بعد عامهم هذا } : عام تسعة من الهجرة .
{ عيلة } : أي فقراً وفاقة وحاجة .
أما الآية الرابعة { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرام كل مشرك ومشركة لأن المشرك نجس الظاهر والباطن فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام وهو مكة والحرم حولها ، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك ، وقوله تعالى { وإن خفتم عيلة } أي فقراً لأجل انقطاع المشركين عن الموسم حيث كانوا يجلبون التجارة يبيعون ويشترون فيحصل نفع للمسلمين { فسوف يغنيكم الله من فضله } فامنعوا المشركين ولا تخافوا الفقر وقوله تعالى { إن شاء إن الله عليم حكيم } استثناء منه تعالى حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به سبحانه وتعالى راجية خائفة غير مطمئنة غافلة ، وكونه تعالى عليماً حكيماً يرشح المعنى المذكور فإن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئاً إلا في موضعه فلا بد لمن أراد رحمة الله أو فضل الله أن يجتهد أن يكون أهلاً لذلك ، بالإِيمان والطاعة العامة والخاصة .
- بيان الحكمة من القتال في سبيل الله تعالى .
- تقرير نجاسة الكافر المعنوية .
- منع دخول المشرك الحرم المكي كائناً من كان بخلاف باقي المساجد فقد يؤذن للكافر لمصلحة أن يدخل بإذن المسلمين .
6- لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربّه الخوف من الفاقة والفقر فإن الله تعالى تعهد بالإِغناء إن شاء .
وبعد هذا التذكير والتوجيه من الله - تعالى - لعباده المؤمنين - وجه - سبحانه - إليهم نداء أمرهم فيه بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ووعدهم بالعطاء الذي يغنيهم ، فقال : { ياأيها الذين آمنوا . . . . } .
وقوله : { نَجَسٌ } بالتحريك - مصدر نجس الشئ ينجس فهو نجس إذا كان قذراً غير نظيف ، وفعله من باب " تعب " وفى لغة من باب " قتل " .
قال صاحب الكشاف : النجس : مصدر . يقال نجس نجسا وقذر قذرا ، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهى ملابسة لهم . أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها ، مبالغة في وصفهم بها .
قيل : وجوز أن يكون لفظ " نجس " صفة مشبهة - وإليه ذهب الجوهرى ولا بد حينئذ من تقدير موصوف مفرد لفظاً مجمع معنى ، ليصح الإِخبار به عن الجمع . أى جنس ونجس ونحوه .
وقوله : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } فيه ما فيه من التعبير البديع المصور المجسم لهم ، حتى لكأنهم بأرواحهم وماهيتهم وكيانهم : النجس يمشى على الأرض فيتحاشاه المتطهرون ، ويتحاماه الأتقياء من الناس .
وقوله : { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } تفريع على نجاستهم والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن القرب مبالغة في إبعادهم عن المسجد الحرام .
والنهى وإن كان موجهاً إلى المشركين ، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك ، والمراد بقوله : { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين ، وبعدم طوافهم بالمجسد الحرام . . وهو العام التاسع من الهجرة .
قال ابن كثير : أمر الله عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفى المشركين الذين هم نجس دينا - عن المسجد الحرام ، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية . وكان نزولها في سنة تسع .
ولهذا بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا صحبة أبى بكر رضى الله عنهما - عامئذ ، وأمره أن ينادى في المشركين : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . فأتم الله ذلك وحكم به شرعاً وقدراً .
وقوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ } بشارة من الله تعالى للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين .
والعيلة : الفقر والفاقة : يقال : عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر ، ومنه قول الشاعر :
وما يدرى الفقير متى غناه . . . وما يدرى الغنى متى يقيل
وقرئ " عائلة " بمعنى المصدر كالعافية : اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أى : حالا عائلة .
قال ابن جرير - بعد أن ساق روايات في سبب نزول الآية - : عن عطية العوفى قال : لما قيل " ولا يحج بعد العام مشرك " قالوا : قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم ، قال فنزلت { ياأيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } الآية .
والمعنى : لا تمكنوا أيها المؤمنون . المشركين من دخول المسجد الحرام بعد هذه السنة ، لأنهم نجس . . . ولا تخشوا الفقر والفاقة بسبب عدم تمكينهم ، حيث إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات . . لأن الله - تعالى - قد وعدكم أن يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التي تكفيكم أمر معاشكم . .
وقد أنجز الله - تعالى - لهم وعده ، فأرسل السماء عليهم مدرارا ، وفتح لهم البلاد ، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات ، ودخل في دين الله من هم أيس حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين . .
قال صاحب الكشاف : قوله : { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } أى : من عطائه أو من تفضله بوجه آخر ، فأرسل عليهم السماء مدرارا ، فأغزر بها خيرهم ، وأكثر مسيرهم . وأسلم أهل تبالة وجرس فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به : فكان أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته .
والتقييد بالمشيئة في قوله : { إِن شَآءَ } ليس للتردد ، بل هو لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع الله - تعالى - كما في قوله : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ } ولبيان أن هذا الاغناء بإرادته - سبحانه - وحده ، فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه ، وتضرعهم إليه لا إلى غيره ، وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه لهم ، هو من باب التفضل ولا الوجوب ، لأنه لو كان واجبا مع قيده بالمشيئة .
ولما كانت مشيئته - سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته ، فقد ختم الآية بقوله : { إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
أى : إن الله عليم بأحوالكم ومصالحكم ، وبما يكون عليه أمر حاضركم ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم . فاستجيبوا له لتنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التي استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
1- أن المراد بالمشركين في الآية ما يناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل الكتاب . كما هو مقتضى ظاهر اللفظ ، وكما يدل عليه قوله - تعالى - { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ . . } أى : لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك .
ويرى كثير من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب ، لأن الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا .
2- يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث بواطنهم لعبادتهم سوى الله - تعالى - أما أبدانهم فطاهرة .
وقد بسط صاحب المنار القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : " قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين ، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل .
حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصرى . . وجمهور الظاهرية . .
ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة . لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم . ومع هذا فالنبى - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم .
. بل الثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ من مزادة مشركة وأكل من طعام اليهود . . وأطعم هو وأصحابه وفداً من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى التي أكلوا وشربوا وروى الإِمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود قال : كنا نغزو مع رسول الله ، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا . .
3- اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام في قوله - تعالى - { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا . . . } .
فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء : المراد به الحرم كله فيشمل المسجد الحرام ومكة ، لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله . وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم كله . .
ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ .
قال القرطبى : وقال الشافعى : الآية في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهود والنصرانى في سائر المساجد .
ويرى الإِمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد تقاس عليه ، لأن العلة - وهى النجاسة - موجودة في المشركين ، والحرمة موجودة في كل مسجد .
وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد .
ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله ، إلا أن النهى هنا ليس منصباً على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة . ومن الحج إليه أى : لا تمكنوا - أيها المؤمنون - المشركين من الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا .
قال الآلوسى : ويؤيده قوله - تعالى - { لْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } ، فإن تقييد النهى يدل على اختصاص المنهى عنه بوقت من اوقات العام . أى : لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة . . ويدل عليه نداء على - كرم الله وجهه - يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، وكذا قوله - سبحانه - { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أى فقراً بسبب منعهم ، لما أنهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر ، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى .
ثم قال : والحاصل أن الإِمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهى عليه ، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر المساجد .
4- قال القرطبى : في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز ، وليس ذلك بمناف للتوكل ، وإن كان الرزق مقدراً ، ولكنه علقه بالأسباب لتظهر القلوب التي تتعلق بالأسباب ، من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافى التوكل ، ففى الحديث الذي أخرجه البخارى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال :
" لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا " - أى : تغدو صباحا وهى جياع ، وتعود عشية وهى ممتلئة البطون - .
هذا ، وبتدبير آيات السورة الكريمة - من أولها إلى هنا - نراها قد وضحت العلاقات النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان ، وفصلت كثيراً من الأحكام التي تخص الفريقين ، ومن ذلك أنها قررت :
1- براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض المواثيق .
2- إعطاؤهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم ، دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء .
3- إعلان الناس جميعاً يوم الحج الأكبر بهذه البراءة . .
4- أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد لمن حافظ من المشركين على عهده .
5- بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما انقضت أشهر الأمان التي أعطيت للمشركين .
6- إرشاد المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير بهم حتى يسمع كلام الله ، ويطلع على حقيقة الإِسلام . . ثم توصيله إلى موضع أمنه إن لم يسلم .
7- بيان الأسباب التي تدعو إلى قتال المشركين ، وإلى وجوب البراءة منهم .
8- بيان بعض الحكم والأسرار التي من أجلها شرع الجهاد في الإِسلام .
9- بيان أن المشركين ليسوا أهلاً لعمارة مساجد الله . . وأن الذين هم أهل لذلك : المؤمنون الصادقون .
10- توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروا محبة الله ورسوله على أى شئ آخر ، من الآباء والأبناء والإِخوان .
11- تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم في مواطن كثيرة ونصرهم يوم غزوة حنين ، بعد أن هزموا في أول المعركة دون أن تنفعهم كثرتم التي أعجبوا بها .
12- نهيهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام ، وإزالة الوساوس التي قد تخطر ببالهم بسبب هذا النهى ، بأن وعدهم - سبحانه - بأنه سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المكاسب التي تأتيهم عن طريق تبادل المنافع مع المشركين في موسم الحج .
هذه أهم الموضوعات التي تعرضت لها سورة التوبة في ثمان وعشرين آية من أولها إلى هنا . وهى موضوعات وضحت . كما أسلفنا . الأحكام النهائية في علاقات المسلمين بالمشركين عبدة الأوثان .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم } النجس ، مصدر نجس نجسا وقذر قذرا . ومعناه ذو نجس ، وقال الليث : النجس ، الشيء القذر من الناس ومن كل شيء . ورجل نجس وقوم أنجاس ، واختلفوا في معنى النجاسة المتلبسة بالمشرك ؛ فقيل : إن نجاسته عينية فهو بذلك نجس البدن ، وهو قول أهل الظاهر . وري عن ابن عباس قوله : إن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير . أما الفقهاء وأكثر أهل العلم على أن أبدانهم طاهرة وإنما نجاستهم حكيمة لا حسية ؛ فهي إنما يراد بها ما يعتقدونه من الكفران والشرك . ويحتج لطهارة أبدانهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم .
على أن الكافر إذا أسلم وجب عليه أن يغتسل . وهو قول المالكية والحنبلية ، وآخرين . وقيل : لا يجب في حقه الغسل بل يستحب . وهو قول الشافعي .
أما دخول الكافرين المسجد الحرام أو غيره من المساجد ففي حكمه أقوال :
القول الأول : الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد . وبذلك لا يجوز للمشركين أن يدخلوا مسجدا من المساجد سواء كان ذلك المسجد الحرام أو غيره ؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وذهب إليه الإمام مالك .
القول الثني : الآية عامة في سائر المشركين لكنها خاصة في المسجد الحرام وبذلك لا يمنعون من دخل غير المسجد الحرام ؛ وهو قول الإمام الشافعي ، وهو أن الكفار جميعا يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة ؛ وبذلك يباح دخول اليهود والنصارى سائر المساجد من غير المسجد الحرام .
القول الثالث : لا يمنع أهل الكتاب من اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام أو غيره من المساجد . ولا يمنع من دخول المسجد الحرام سوى المشركين وأهل الأوثان . ومثل هذا الإطلاق يرده ظاهر الآية من حيث منطوقها فلا ينبغي التعويل على هذا القول .
على أن المراد بالمسجد الحرام هو جميع الحرام . وقيل : المراد نفس المسجد . ويستدل على صواب الأول بقوله تعالى : { وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله } وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد ؛ فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة ؛ لما خافوا بسبب هذا المنع من العلية ، وإنما يخافون العلية إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم . ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى : { سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } وإنما رفع النبي صلى الله عليه وسلم من البيت أم هانئ{[1748]} .
قوله : { وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } العلية ، بمعنى الفقر . وذلك أن الناس قالوا : لتقطعن عنا الأسواق ، ولتهلكن التجارة ، ولتذهبن عنا الخيرات وما كنا نصيب من المرافق فانزل الله الآية . ثم حقق الله وعده للمؤمنين إذ عوضهم مما أعطاهم من الجزية بدلا مما كانوا يسكبونه من المشركين قبل منعهم من قربان المسجد الحرام . { الله عليم حكيم } الله أعلم بما يصلح عليه الناس وما يستقيم عليه شأنهم . وهو كذلك { حكيم } في أوامره ونواهيه وأحكامه . ولا يصدر ذلك كله إلا عن حكمة بالغة وتدبير رباني منزه عن الخطأ والزلل ، ويحتمل إغناؤهم من الله وجها آخر ، وهو إدرار المطر عليهم ، وقد أسلمت العرب فتمادى حجهم ونحرهم وذلك يفضي إلى تحصيل السعة لهم والبحبوحة .