غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (28)

17

ثم إنه سبحانه أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً عليه السلام حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس : يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } قال في الكشاف : هو مصدر كالقذر ومعناه ذو نجس . وقال الليث : إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره : رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس . قلت : ويجوز أن يجعل المصدر نعتاً للمبالغة في الوصف . واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير . وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية . وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام ، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث ، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم ، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية ، والدليل عليه قول علي عليه السلام في النداء : ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك . وقال الشافعي : المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النصر . وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه . وقيل : المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك . وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله ، ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله { وإن خفتم عيلة } أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله . ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر ، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله { فسوف يغنيكم الله من فضله } أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة : أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم . وعن الحسن : جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك . وقيل : أغناهم من الفيء . وعن مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم . واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً . ومعنى { إن شاء } تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه ، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب ، ولهذا ختم الآية بقوله { إن الله عليم } أي بأحوالكم { حكيم } لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب .

/خ28