{ من دابة } : الدابة كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان .
{ في الكتاب } : كتاب المقادير أم الكتاب اللوح المحفوظ .
أما الآية الثالثة ( 38 ) وهي قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } سبقت هذه الآية لبيان كمال الله تعالى وشمول علمه وعظيم قدرته ، وسعة تدبيره تدليلاً على أنه تعالى قادر على إنزال الآيات ، ولكن منع ذلك حكمته تعالى في تدبير خلقه فما من دابة تدب في الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا أمم مثل الأمة الإِنسانية مفتقرة إلى الله تعالى في خلقها ورزقها وتدبير حياتها ، والله وحده القائم عليها ، وفوق ذلك إحصاء عملها عليها ثم بعثها يوم القيامة ومحاسبتها ومجازاتها ، وكل ذلك حواه كتاب المقادير وهو يقع في كل ساعة ولا يخرج شيء عما كتب في كتاب المقادير ، اللوح المحفوظ { وما فرطنا في الكتاب من شيء } فهل يعقل مع هذا أن يعجز الله تعالى عن إنزال آية ، وكل مخلوقاته دالة على قدرته وعلمه ووحدانيته ، ووجوب عبادته وفق مرضاته ، وقوله { ثم إلى ربهم يحشرون } كل دابة وكل طائر يموت أحب أم كره ، ويبعث أحب أم كره ، والله وحده مميته ومحييه ومحاسبه ومجازيه ، { ثم إلى ربهم يحشرون } .
- تعدد الأمم في الأرض وتعدد أجناسها والكل خاضع لتدبير الله تعالى مربوب له .
ثم ذكر - سبحانه - بعض الآيات الكونية المبثوثة فى الأرض والجو والمعروضة على البصائر والأبصار فقال - تعالى - :
{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } .
الدابة : كل ما يدب على الأرض من حيوان . والطائر : كل ذى جناح يسبح فى الهواء ، والأمم : جمع أمة وهى جماعة يجمعهم أمر ما .
والمعنى : إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التى تدب على الأرض ولا من أنواع الطير التى تسبح فى الهواء إلا وهى أمم مماثلة لكم فى أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما الغرض في ذكر ذلك ؟ قلت : الدلالة عن عظم قدرة الله . وسعة سلطانه ، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة الأصناف ، وهو حافظ لما لها ، وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن من شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان " .
وذكر الجناحين فى الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع صنعه - سبحانه - وحسن خلقه .
قال - تعالى - : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } ثم قال تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } .
التفريط فى الأمر : التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت . والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وقيل المراد به القرآن .
والمعنى : ما تركنا فى الكتاب شيئاً لم نحصه ولم نثبته ، وإنما أحطنا بكل شىء علماً ، وليس من مخلوق صغر أو كبر فى هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام خالقه .
فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله - تعالى - وكمال قدرته ، لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التى اقترحوها ، وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضى ذلك .
وجملة { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ } معترضة لتقرير مضمون ما قبلها .
والتعبير بثم فى قوله { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد ، وجمعهم ليس يسيرا فى ذاته ، وإن كان بالنسبة لقدرته - تعالى - أمرا هينا .
ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها . ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله - تعالى - : { وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } وفى الحديث الشريف عن أبى ذر الغفارى أن النبى صلى الله عليه وسلم " رأى شاتين تتناطحان فقال : يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان ؟ قال : لا . قال : ولكن الله يدرى ويقضى بينهما " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.