{ وكتبنا عليهم فيها } كتبنا بمعنى الكتابة في الألواح ، أو بمعنى الفرض والإلزام ، والضمير في عليهم لبني إسرائيل ، وفي قوله :{ فيها } للتوراة .
{ أن النفس بالنفس } أي : تقتل النفس إذا قتلت نفسا ، وهذا إخبار عما في التوراة وهو حكم في شريعتنا بإجماع إلا أن هذا اللفظ عام ، وقد خصص العلماء منه أشياء ، فقال مالك : لا يقتل مؤمن بكافر للحديث الوارد في ذلك ولا يقتل حر بعبد ، لقوله :{ الحر بالحر والعبد بالعبد }[ البقرة :178 ] ، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة .
{ والعين بالعين } وما بعده حكم القصاص في الأعضاء ، والقراءة بنصب العين وما بعده عطف على النفس ، وقرئ بالرفع ولها ثلاثة أوجه :
أحدها : العطف على موضع النفس لأن المعنى قلنا لهم النفس بالنفس .
والثاني : العطف على الضمير الذي في الخبر وهو بالنفس .
والثالث : أن يكون مستأنفا مرفوعا بالابتداء .
{ والجروح قصاص } بالنصب عطف على المنصوبات قبله ، وبالرفع على الأوجه الثلاثة التي في رفع العين ، وهذا اللفظ عام يراد به الخصوص في الجراح التي لا يخاف على النفس منها .
{ فمن تصدق به فهو كفارة له } فيه تأويلان :
أحدهما : من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه ، فذلك كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه .
والثاني : من تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه ، فالضمير في له على التأويل الأول يعود على من التي هي كناية عن المقتول أو المجروح ، أو الولي ، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر ولكن سياق الكلام يقتضيه ، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور ، وهو من ، ومعناها واحد على التأويلين ، والصدقة بمعنى العفو على التأويلين ، إلا أن التأويل الأول بيان لأجر من عفا ، وترغيب في العفو ، والتأويل الثاني بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عفى عنه .
ولما كان ختام هذه{[25983]} الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقاً لقوله في أول سياق المحاربة { ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } رجع إلى القتل مبيناً أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا ، ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، فقال : { وكتبنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم فيها } أي في{[25984]} التوراة ، {[25985]} عطفاً على قوله { كتبنا على بني إسرائيل أنه{[25986]} من قتل نفساً بغير نفس } ، {[25987]} وإذا أنعمت{[25988]} النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه اعتراض { أن النفس } أي مقتولة قصاصاً مثلاً بمثل { بالنفس } أي بقتل النفس بغير وجه مما تقدم { والعين } أي تقلع { بالعين } أي قلعت بغير شبهة { والأنف } يجدع { بالأنف } كذلك{[25989]} { والأذن } تصلم { بالأذن } على ما تقدم { والسن } تقلع { بالسن } إذا قلعت عمداً بغير حق { والجروح } أي{[25990]} التي تنضبط كلها { قصاص } مثلاً بمثل سواء بسواء .
ولما أوجب سبحانه هذا ، رخص{[25991]} لهم في النزول عنه ، فسبب عن ذلك قوله : { فمن تصدق به } أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقياً أو وارثه إن كان هالكاً { فهو } أي التصدق بالقصاص { كفارة له } أي ستارة لذنوب{[25992]} هذا العافي{[25993]} ولم يجعل لهم دية ، إنما هو القصاص أو{[25994]} العفو ، فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون لانقيادهم في هذا الأمر الصعب لأمر الله ( ومن لم يحكم ) أي على وجه الاستمرار { بما أنزل الله } أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء ، {[25995]} أو تديناً{[25996]} بالإعراض عنه سواء حكم بغيره{[25997]} أو لا { فأولئك } أي البعداء عن طريق الاستقامة ، البغضاء إلى أهل الكرامة { هم الظالمون * } أي الذين تركوا العدل فضّلوا ، فصاروا كمن يمشي في الظلام ، فإن كانا تديناً بالترك كان{[25998]} نهاية الظلم وهو الكفر ، وإلا كان عصيانا ، لأن الله أحق أن يخشى ويرجى ، روى ابن إسحاق في السيرة في تحاكمهم في الزنا نحو ما تقدم ثم قال : وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن الآيات من المائدة التي قال الله{[25999]} فيها{ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }[ المائدة : 42 ] إلى : { المقسطين } إنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير و{[26000]} كان لهم شرف - يؤدون{[26001]} الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا{[26002]} يؤدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك{[26003]} إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء{[26004]} " قال ابن إسحاق : فالله أعلم أيّ ذلك كان ! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق ، وروي من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً{[26005]} ، قال : كان قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، {[26006]} وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة{[26007]} أدى مائة وسق من{[26008]} تمر ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا : ادفعوه{[26009]} إلينا نقتله فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم{[26010]} فأتوه فنزلت ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط }[ المائدة : 42 ] والقسط{[26011]} : النفس بالنفس ، ثم نزلت
{ أفحكم الجاهلية يبغون }[ المائدة : 50 ] انتهى .
وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص ، قال في السفر الثاني : وكل من ضرب رجلاً فمات فليقتل قتلاً ، وإذا تشاجر رجلان فأصابا{[26012]} امرأة حبلى فأخرجا{[26013]} جنينها ولم تكن الروح حلت في السقط بعد ، فليغرم على قدر ما يلزمه زوج المرأة ، وليؤد ما حكم عليه الحاكم ، فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد والرجل بالرجل والجراحة بالجراحة واللطمة باللطمة ، وقال في السفر الثالث بعد ذكر الأعياد في الاصحاح السابع عشر{[26014]} : ومن قتل إنساناً يقتل ، ومن قتل بهيمة يدفع إلى صاحبها مثلها ، والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثراً يعاب به يصنع به كما صنع ، والجروح قصاص : الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن ، كما يصنع الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به ، القضاء واحد لكم وللذين يقبلون إليّ ، وقال في الثاني : إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ففقأها فليعتقه بدل عينه ، وإذا قلع{[26015]} سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - وذكر أحكاماً كثيرة ، ثم قال : ومن ذبح للأوثان فيهلك ، بل لله وحده ، و{[26016]} قال في الرابع : ومن يقتل نفساً لا يقتل إلا ببينة عادلة ، ولا تقبل{[26017]} شهادة شاهد{[26018]} واحد على قتل النفس ، ولا تقبلوا{[26019]} رشوة في إنسان يجب عليه القتل بل يقتل ، ولا تأخذوا منه رشوة ليهرب إلى قرية إلى{[26020]} الملجأ ليسكنها إلى وفاة الحبر العظيم ، ولا تنجسوا الأرض التي تسكنونها ، لأن الدم ينجس الأرض ، والأرض التي يسفك فيها الدم{[26021]} لا يغفر{[26022]} لتلك الأرض حتى يقتل القاتل الذي قتل ، وقال في الخامس : ولا يقتل من قد وجب عليه القتل إلا{[26023]} بشهادة رجلين ، لا يقتل بشهادة رجل واحد ، وإذا رجمتم فالذي يُشَهد عليه فليبدأ برجمه الشهود أولاً ثم يبدأ به جميع الشعوب ، وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم من بينكم ، وإن شهد رجل على صاحبه شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر والقاضي فيفحصون{[26024]} عن أمرهما فحصاً شديداً ، فإن وجدوا رجلاً شهد شهادة ، زور يصنعوا{[26025]} به مثل ما أراد أن يصنع بأخيه ، ونحوّا الشر من بينكم ، وعاقبوا بالحق ليسمع الذين يتقون فيفزعوا ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح بينكم ، و{[26026]} لا تشفق أعينكم{[26027]} على الظالم ، بل يكون قضاؤكم نفساً بنفس وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً برجل .