صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

{ الزاني لا ينكح إلا زانية . . . } نزلت لزجر المؤمنين عن نكاح الزانيات بعد زجرهم عن الزنا . أي أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب غالبا في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته ، وإنما يرغب في نكاح فاسقة خبيثة مثله أو مشركة . والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك ، لا ترغب غالبا في نكاح الصلحاء من الرجال بل تنفر منهم . وإنما ترغب فيمن هو من شكلها من الفسقة والمشركين ؛ لأن المشاكلة علة الألفة ، والمخالفة سبب للنفرة . وهو كقولهم : لا يفعل الخير إلا تقي ؛ فإنه جار مجرى الغالب ، وقد يفعله من ليس بتقي . وحرم ذلك النكاح على المؤمنين تحريم تنزيه ؛ وعبر عنه بالتحريم مبالغة في الزجر . أو حرم عليهم باعتبار ما في ضمن عقده من المفاسد ، كالتعرض للتهمة والتسبب لسوء القالة ، والطعن في النسب وغير ذلك ؛ فلا تكون الحرمة راجعة إلى نفس العقد ليكون عقد نكاح الزواني والزانيات باطلا للإجماع على صحته . وأما نكاح المشرك والمشركة ، فإن كانت الآية نزلت قبل تحريمه – وقد حرم بعد الحديبية – فالأمر ظاهر ، وإن كانت نزلت بعده فتكون حرمته مستندة إلى أدلة أخرى .

واختار العلامة الآلوسي : أن الآية لتقبيح أمر الزاني أشد تقبيح ؛ ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به من حيث الزنا أن ينكح العفيفة المؤمنة ، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله ، أو مشركة

هي أسوأ حالا وأقبح أفعالا منه . وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا والتقحب ، لا يليق أن ينكحها من حيث إنها زانية إلا من هو على شاكلتها وهو الزاني ، أو من هو أسوأ حالا منها وهو المشرك . ولا يشكل على هذا التفسير صحة نكاح الزاني المسلم الزانية المسلمة ، وكذلك العفيفة المسلمة ، وصحة نكاح الزانية المسلمة الزاني المسلم ، وكذلك العفيف المسلم . كما لا يشكل عليه بطلان نكاح المشركة والمشرك ؛ لأن ذلك ليس من اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا بل من حيثية أخرى بعلمها الشارع . وجعل المشار إليه في قوله : " وحرم ذلك على المؤمنين " – الزنا المفهوم مما تقدم ، " ويجوز أن يكون نكاح الزانية . ويراد بالتحريم المنع ، وبالمؤمنين : الكاملون في الإيمان . ومعنى منعهم من نكاح الزواني : جعل نفوسهم أبية عن الميل إليه ؛ فلا يليق ذلك بهم . والآية على التفسيرين خبر لا نهى ، والنكاح فيها بمعنى العقد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ( 3 ) } قال المفسرون : قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال ، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين . فقالوا : لو أنا تزوجنا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن . فاستأذنوا النبي ( ص ) في ذلك ، فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك .

وقيل : نزلت الآية في نساء بغايا بمكة والمدينة وكن كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات . وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير ، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان . فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ليتخذوهن مأكلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ونهى المؤمنين عن ذلك وحرمه عليهم .

وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة . قال : وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وأنه واعد رجلا من أسارى مكة بحمله . قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني فقالت : مرثد ؟ فقلت : مرثد . فقالت : مرحبا وأهلا . هلم فبتْ عندنا الليلة . فقلت : يا عناق ، إن الله حرم الزنا . فأتيت رسول الله ( ص ) فقلت : يا رسول الله . أنكحُ عناقا ، فأمسك رسول الله ( ص ) فلم يرد شيئا حتى نزلت ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) الآية{[3218]} . وينكح هنا بمعنى يطأ . وهذا إخبار من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة أي لا تجيبه إلى بغيته وهو الجماع إلا زانية من الزواني لا تعبأ بفعل المعصية ، أو مشركة من المشركات لا تجد الزنا حراما . وكذلك المرأة الزانية لا يطأها أو يجامعها إلا رجل زان عاص لله ، أو مشرك لا يرى أن الزنا حرام . فالمراد بالنكاح ههنا الوطء أو الجماع . فلا يزني بالزانية أو الكافرة إلا من هو مثلها في الزنا أو الكفر . وجملة ذلك أن الزاني لا يزني إلا بزانية . وكذا الزانية لا تزني إلا بزان . وهو قول ابن عباس .

قوله : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) الإشارة عائدة إلى معصية الزنا ؛ فإنه حرام على المؤمنين . ويستفاد من ذلك تحريم الزواج من البغايا ، أو تزويج العفائف من الرجال الفجار . وقد ذهب الإمام أحمد على أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ( الزانية ) مادامت موصوفة بالزنا حتى تستتاب ، فإن تابت صح زواجها . وكذلك لا يصح تزويج الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب ، فإن تاب جاز زواجه منها .

وقيل : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) فقد دخلت الزانية في أيامي المسلمين ، وهو قول أكثر العلماء . وبذلك من زنا بامرأة فله أن يتزوجها ، ولغيره كذلك أن يتزوجها . ويستفاد من كون الآية منسوخة أن التزوج بالزانية صحيح . وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد عقد الزواج بينهما . وإذا زنا الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته{[3219]} .


[3218]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 211، 212 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1316 وتفسير ابن كثير جـ 3 ص 263.
[3219]:- تفسير ابن كثير جـ 3 ص 262 وتفسير القرطبي جـ 12 ص 168- 171 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1317.