الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

{ الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } الآية .

اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم : قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون ، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا : إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنزلت هذه الآية وحُرَّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك ، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات ، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله

{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [ آل عمران : 97 ] وقوله سبحانه وتعالى

{ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ } [ العنكبوت : 45 ] يعني ينبغي أن تكون كذلك ، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس .

وقال عكرمة : نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات ، لهن رايات كرايات البيطار يُعرفن بها : أُمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ، وأُم عليط جارية صفوان بن أُمّية ، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل ، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق ، وحلالة جارية سهيل بن عمرو ، وأُم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي ، وسريفة جارية زمعة بن الاسود ، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة ، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر ، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية ، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلاّ زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها ماكله ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة ، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمهُ عليهم .

وقال عمرو بن شعيب : نزلت في مرثد الغنوي وعناق ، وكان مرثد رجلا شديداً وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عناق صديقته في الجاهلية ، فلمّا أتى مكه دعته عناق الى نفسها فقال مرثد : إنَّ الله حرَّم الزنا قالت : فأنكحني فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ، وقد مضت القصة في سورة البقرة .

وقال آخرون : أراد بالنكاح ههنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلاّ بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلاّ زان أو مشرك ، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرَّحْمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس ، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال : حدَّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السُني قال : أخبرني محمد بن عمران قال : حدَّثنا سعيد بن عبد الرَّحْمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا : حدَّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : الزاني لا ينكح إلا زانية قال : ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع ، لا يزني بها إلاّ زان أو مشرك ، فكنّى .

وأخبرنا ابن فنجويه قال : حدَّثنا أبو علي بن حبش قال : حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال : حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال : قال لنا يزيد بن هارون : هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك ، وإن جامعها وهو محرم فهو زان .

وقال بعضهم : كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ } فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم ، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال : حدَّثنا ابن شيبة قال : حدَّثنا الفريابي قال : حدَّثنا قتيبة قال : حدَّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال : يزعمون أن تلك الآية { الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } نسخت بالآية التي بعدها { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ } فدخلت الزانية في أيامى المسلمين .

وقال الحسن : معناها المجلود لا ينكح إلاّ مجلودة .