{ يا أيها آمنوا . . . } نزلت في غزوة تبوك ، وهي على طرف الشام بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة ، وكانت في رجب سنة تسع بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف ، حين بلغه أن هرقل جمع أهل الروم وأهل الشام لمحاربته ، فاستنفر الناس في وقت عسرة وشدة من الحر وجدب في البلاد ، حتى بلغ الجهد بهم مبلغه ، وكان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحدا ، وكان زادهم التمر المدود ، والشعير المسوس فشق ذلك عليهم . ولكن المخلصين من المؤمنين صبروا على هذه الشدائد ، احتسابا لله تعالى ، ولم يتخلف منهم إلا القليل . و تخلف عنها المنافقون وكثير من الأعراب . و تسمى غزوة العسرة ، ويقال لها : الفاضحة ، لأنها أظهرت حال كثير من المنافقين ، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم . وقد أنفق فيها عثمان رضي الله عنه نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . وأول من أنفق فيها أبو بكر رضي الله عنه فجاء بجميع ماله ، وعمر رضي الله عنه فجاء بنصف ماله ، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والنساء بحليهن . { انفروا } اخرجوا للجهاد { في سبيل الله } يقال : نفر إلى الحرب ينفر وينفر نفرا ونفورا ، خرج إليه بسرعة . واستنفر الإمام الناس : حثهم على الخروج للجهاد . و اسم القوم الذين يخرجون : النفير والنفرة والنفر . { إثاقلتم إلى الأرض } تباطأتم في الخروج مائلين إلى الإقامة بأرضيكم ودياركم ، من الثقل : ضد الخفة . يقال : نثاقل عنه ، أي ثقل وتباطأ . وتثاقل القوم : لم ينهضوا للنجدة وقد استنهضوا لها .
{ 38 - 39 } قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة ، نزلت في غزوة تبوك ، إذ ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزو الروم ، وكان الوقت حارا ، والزاد قليلا ، والمعيشة عسرة ، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم اللّه تعالى عليه ويستنهضهم ، فقال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ألا تعملون بمقتضى الإيمان ، وداعي{[370]} اليقين من المبادرة لأمر اللّه ، والمسارعة إلى رضاه ، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم ، ف { مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ } أي : تكاسلتم ، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها .
{ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ } أي : ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة ، فكأنه ما آمن بها .
{ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } التي مالت بكم ، وقدمتموها على الآخرة { إِلَّا قَلِيلٌ } أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا تَزِنُون بها الأمور ، وأيها أحق بالإيثار ؟ .
أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة . فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها ، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار ، المشحونة بالأخطار .
فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم ، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأنتم فيها خالدون ، فواللّه ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه ، ولا من جزل رأيه ، ولا من عُدَّ من أولي الألباب ، ثم توعدهم على عدم النفير فقال :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.