جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسلّيه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله، وحاثّا له على الصبر على ما نال فيه: {وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّا} يقول: وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطين يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ ليصدّوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند ربك، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسل، بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم يؤذونهم بالجدال والخصومات، يقول: فهذا الذي امتحنتك به لم تخصص به من بينهم وحدك، بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم، فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم.
يقول: فاصبر أنت كما صبر أولو العزم من الرسل. وأما شياطين الإنس والجنّ فإنهم: مَرَدَتُهم...
وأما قوله:"يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورا" فإنه يعني: أنه يُلقي الملقي منهم القول الذي زيّنه وحسنه بالباطل إلى صاحبه ليغترّ به من سمعه فيضل عن سبيل الله...
وبنحو الذي قلنا في ذلك، جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذرّ، أنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال: فقال: «يا أبا ذَرّ، هَلْ صَلّيْتَ؟» قال: قلت: لا يا رسول الله قال: «قُمْ فارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: «يا أبا ذَر هَلْ تَعَوّذْتَ بالله مِنْ شَرّ شَياطِين الإنْس والجِنّ؟» قال: قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: نَعَمْ، شَرّ مِنْ شَياطِين الجِنّ... أما قوله:"زخْرفَ القَوْل غُرورا "فإنه: المزين بالباطل كما وصفت قبل، يقال منه: زخرف كلامه وشهادته إذا حسن ذلك بالباطل ووشّاه...
وأما الغرور: فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصده عن الصواب إلى الخطأ ومن الحقّ إلى الباطل...
"وَلَوْ شاءَ رَبّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ" يقول تعالى ذكره: ولو شئت يا محمد أن يؤمن الذين كانوا لأنبيائي أعداء من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم وأذاهم، فعلتُ ذلك ولكني لم أشأ ذلك لأبتلي بعضهم ببعض فيستحقّ كلّ فريق منهم ما سبق له في الكتاب السابق.
"فَذَرْهُمْ"، يقول: فدعهم، يعني الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركي قومك ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجنّ، "وَما يَفْتَرُونَ" يعني: وما يختلقون من إفك وزور. يقول له صلى الله عليه وسلم: اصْبر عَلَيْهِمْ فإنّي مِنْ وَرَاءِ عِقابِهِمْ على افْتِرَائِهِمْ على اللّهِ وَاخْتِلاقِهِمْ عَلَيْهِ الكَذِبَ والزّورَ.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
كلمَّا كان المحلُّ أعلى كانت البلايا أوفى والمطالبات أقوى، فلمَّا كانت رتبُ الأنبياء -عليهم- السلام -أشرفَ، كانت العداوة معهم أشد وأصعب...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوّاً} وكما خلينا بينك وبين أعدائك، وكذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة، لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر...
{يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ} يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس. وكذلك بعض الجنّ إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض. وعن مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ، لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني، وشيطان الأنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عياناً {زُخْرُفَ القول} ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي ويموّهه {غُرُوراً} خدعاً وأخذاً على غرّة {وَلَوْ شَآء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} ما فعلوا ذلك، أي ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول بأن يكفهم ولا يخليهم وشأنهم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم، كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتاً لفؤاده: فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم، والجاهلون لأهل العلم أعداء {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن {جعلنا لكل نبي} أي ممن كان قبلك، وعبر عن الجمع بالمفرد -والمراد به الجنس- إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال: {عدواً} وبين أن المراد به الجنس، وأنهم أهل الشر فقال مبدلاً: {شياطين} أي أشرار {الإنس والجن} المتمردين منهم، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه، أم يكون نوعه إليه أميل، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله: {يوحي بعضهم} أي الشياطين من النوعين {إلى بعض} أي يكلمه في خفاء {زخرف القول} أي مزينه ومنمقه.
ولما كان هذا يدل على أنه -لكونه لا حقيقة له- لولا الزخرفة ما قيل، زاده بياناً بقوله: {غروراً} أي لأجل أن يغروهم بذلك، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ، والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع.
ولما كان أول الآية معلماً أن هذا كان بمشيئة الله وجعله، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيهاً لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن، ويجر قطعاً إلى اعتقاد العجز، فقال: {ولو شاء} ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه وسلم والمسلطين عليه، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه، لا لهوانه، فقال {ربك} أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة، أن لا يفعلوه {ما فعلوه} أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها.
ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير، سبب عنه قطعاً قوله: {فذرهم} أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت {وما يفترون} أي يتعمدون كذبه واختلاقه، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
لما تضمن القول السابق أن أولئك المشركين المقترحين للآيات أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم وما اقترحوا إلا لاعتقادهم أنهم لا يؤتونه فيكون ذلك بابا للطعن في رسالته، أراد الله تعالى تسليته صلى الله عليه وسلم عن ذلك ببيان أن تلك سنته في جميع النبيين فقال {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} أي وكما جعلنا هؤلاء ومن على شاكلتهم أعداء لك جعلنا لكل نبي جاء قبلك أعداءهم شياطين الإنس والجن. والعدو ضد الصديق والحبيب وهو يطلق على المفرد والمثنى والجمع والذكر والأنثى، قال تعالى في آية أخرى {فإنهم عدو لي} (الشعراء 77) ولذلك بين العدو هنا بأنهم شياطين الإنس والجن فشياطين بيان لعدو أو بدل منه. ويجوز أن يكون المعنى جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لكل نبي بعثه الله تعالى...
ومعنى هذا الجعل أن سنة الله تعالى في الخلق مضت بأن يكون الشرير المتمرد العاتي عن الحق والمعروف أي الذي لا ينقاد لهما كبرا وعنادا أو جمودا على ما تعود يكون عدوا للدعاة إليهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ورثتهم وناشري هدايتهم وهكذا شأن كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر مما يتعلق بمنافعهم الاجتماعية، فإن كان أحدهما خيرا محقا نسبت العداوة إلى الآخر الشرير المبطل لأنه هو الذي يسعى إلى إيذاء مخالفه بكل وسيلة يستطيعها لأنه مخالف وإن كان يعلم أنه يريد الخير له. وليس كل مخالف مبطل عدوا يسعى جهده لإيذاء مخالفة المحق وإنما يتصدى لذلك العتاة المستكبرون المحبون للشهرة والزعامة بالباطل والمترفون الذين يخافون على نعيمهم فلم يكن كل كافر بالأنبياء عليهم السلام ناصبا نفسه لعداوتهم وإيذائهم وصد الناس عنهم بل أولئك هم العتاة المتمردون من الرؤساء والمترفين والقساة الذين ضربت أنفسهم بالعدوان والبغي وأولئك هم الشياطين المفسدون في الأرض سواء كانوا من جنس الإنس الظاهر أو من جنس الجن الخفي.
وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تفضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه (سنة الانتخاب الطبيعي) أي انتصار الحق وبقاء الأمثل التي ورد بها المثل في قوله تعالى من سورة الرعد {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} (الرعد 17) فالحياة الدنيا جهاد لا يكمل ويثبت فيها إلا المجاهدون الصابرون وكذلك العمل فيها للآخرة {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران: 142) {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب} (البقرة: 214) {والعاقبة للمتقين} (الأعراف: 128) ولكن أكثر الناس حتى من أهل الحق بَلْهَ غيرهم يجهلون هذه السنن الحكيمة العالية وإذا ذكرت لهم يشتبهون في تطبيقها على أنفسهم وعلى غيرهم كما اشتبه كثير من المسلمين في سبب خذلان دولهم وسقوط حكوماتهم ظانين أن مجرد تسميتها مسلمة كاف لنصر الله إياها وإن خالفت هداية دينه بالظلم والفسق والكفر في زعمائها وإقرارهم عليه من دهمائها وخالفت سننه في تنازع البقاء وتوقفه على كمال الاستعداد كما قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (الأنفال 60) وقال: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} (الأنفال 46) ولم يقيموا شيئا من هذه الأوامر والنواهي بل فعلوا ضدها، وقد سبق لنا تحقيق هذه المباحث في التفسير وغير التفسير من أبواب المنار.
ثم بين تعالى شر ضروب عداء هؤلاء الشياطين للأنبياء وهو مقاومة هدايتهم بقوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المموه بما يظنون أنه يستر قبحه ويخفي باطله بطرق خفية دقيقة لا يفطن لباطلها كل أحد ليغروهم به. فالإيحاء: الإعلام بالأشياء من طريق خفي دقيق سريع كالإيماء، وتقدم. والزخرف: الزينة كالأزهار للأرض والذهب للنساء والتخييل الشعري في الكلام وما يصرف السامع عن الحقائق إلى الأوهام. والغرور: ضرب من الخداع بالباطل مأخوذ من الغرة (بالكسر) والغرارة (بالفتح) وهما بمعنى الغفلة والبلاهة وعدم التجارب...
والمثال الأول من هذا الغرور هو ما أوحاه الشيطان الأول للإنسان الأول أبينا آدم ولزوجه وهو تزيينه لهما الأكل من الشجرة التي اختبرهما الله تعالى بالنهي عن قربها إذ قال لهما {إنها شجرة الخلد وملك لا يبلى} {وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور} (الأعراف 21} ومنه ما يوسوس به شياطين الإنس والجن لمن يزينون لهم المعاصي بما فيها من اللذة والانطلاق من القيود المانعة من الحرية وإطماع المؤمن منهم بأماني الرحمة والمغفرة والكفارات والشفاعة...
{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي ولو شاء ربك أيها الرسول أن لا يفعلوا هذا الإيحاء الغار ما فعلوه ولكنه لم يشأ خلقهم، أو يجبرهم على خلاف ما زينته لهم أهواؤهم بل شاء أن يكون كل من الإنس والجن مستعدين للحق والباطل والخير والشر، وأن يكونوا مختارين في سلوك كل من الطريقين، كما قال في الإنسان {وهديناه النجدين} (البلد 10} ومن وسوسة هؤلاء الشياطين للناس وزخرفها تحريف مثل هذه الآية الحكيمة بحملها على معنى الجبر فيقولون: إن كل عاص لله معذور لأنه ما عصاه إلا بمشيئته التي لا يستطيع الخروج عنها. وسيأتي في هذه السورة قوله تعالى في ذلك {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} {الأنعام 148} فلا عذر بمشيئة الله لأحد لأنه لم يشأ أن تكون أفعالهم اضطرارية بل خلقهم بمشيئته يفعلون ما يفعلون باختيارهم ويحتجون على المنكرين عليهم كثيرا بأنهم على حق، وإذا اعترفوا بخطأ يلتمسون لأنفسهم فيه العذر.
{فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} من كذب، ويخلقون من إفك، ليصرفوا الناس عن الحق، واستقم كما أمرت فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب والجزاء والعاقبة للمتقين، وسنريك سنتنا في أمثالهم بعد حين، وقد فعل عز وجل فأهلك المستهزئين بالقرآن الذين قيل إن السياق نزل فيهم، ونصر الله عبده وأعز جنده، وهكذا ينصر من ينصره، وأما المتنازعون على الباطل ومجد الدنيا الزائل، فإنما يكون الفلج بينهم بحسب سنن الله تعالى لأشدهم مراعاة لها في الاستعداد الحربي الاجتماعي وتخلقا بالأخلاق العالية كالصبر والثبات كما بيناه مرارا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض؛ بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه...
وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به، معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان...
فأما شياطين الجن -والجن كله- فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو... ولقد كان الله -سبحانه- قادراً -لو شاء- ألا يفعلوا شيئاً من هذا.. ألا يتمردوا؛ وألا يتمحضوا للشر؛ وألا يعادوا الأنبياء؛ وألا يؤذوا المؤمنين؛ وألا يضلوا الناس عن سبيل الله.. كان الله سبحانه قادراً أن يقهرهم قهراً على الهدى؛ أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى؛ أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به.. ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار. وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله -بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره- وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه؛ كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه. فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدره الله: (ولو شاء الله ما فعلوه)...
فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟ يخلص لنا ابتداء: أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي؛ ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء.. هم "شياطين "!. شياطين من الإنس ومن الجن.. وأنهم يؤدون جميعاً -شياطين الإنس والجن- وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضله كذلك مع قيامهم جميعاً بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله.. ويخلص لنا ثانياً: أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم. إنما هم في قبضة الله. وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده0من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء. فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف الله عنهم الابتلاء. وكف عنهم هؤلاء الأعداء. وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله. وآب أعداء الله بالضعف والخذلان؛ وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم: (ولو شاء الله ما فعلوه).. ويخلص لنا ثالثا: أن حكمة الله الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا -فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة- وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان -فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة لله، على السراء وعلى الضراء سواء. وفي المنشط والمكره سواء؟ وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان! ويخلص لنا رابعاً: هو أن الشياطين من الإنس والجن، وهو أن كيدهم وأذاهم. فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم؛ وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم.. والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدّعى. ومن هنا هذا التوجيه العلوي لرسول الله الكريم: (فذرهم وما يفترون).. دعهم وافتراءهم. فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدخر لهم جزاءهم...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن هؤلاء المعاندين قد نصبوا أنفسهم لعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ومقاومة دعوته وهم أشباههم من أعداء النبيين الذين قاوموا الدعوة ولذا قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدو شياطين الإنس والجن.)
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصابر المشركين ويتحمل أذاهم هو وأصحابه ويتحمل معاندتهم له، لا يرضون القرآن دليلا على نبوته، وقد عجزوا عن أن يأتوا بمثله أو بعضه واقروا صاغرين بعجزهم ولكن لم يمتنعوا هم عن معاداته بالباطل متخذين كل ذريعة سبيلا لباطلهم.
والله تعالى يثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كان للنبيين من قبله وكان مألوفا وهو سنة الله تعالى في رسالاته فقال تعالى: (كذلك جعلنا لكل نبي عدوا) أي كذلك الذي تراه من عداوة نفر من المشركين ولجاجتهم في العداوة حتى لا يتركوا بابا من أبواب الكيد إلا سلكوه ولا مسلكا من مسالك الإعنات الا اتخذوه كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الإنسان والجن، وشياطين الإنس هم أولئك الذين ناصبوك العداوة وشياطين الجن هم أعوان إبليس الذين يوسوسون ويأمرون بالسوء والفحشاء ويسولون كل قبيح ويزينونه، ويسمونه بغير اسمه فهؤلاء يدفعون النفس الأمارة بالسوء وأولئك يستجيبون لهم، ويفترون بوسوستهم ولذلك قال تعالى: (يوحي) الوحي: الخطاب الخفي أو التوجيه الخفي كما قال تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون 68) (النحل).
فالوحي هنا هو التوجيه الخفي الذي يوسوس في الناس فيلقي في نفوسهم بتغريرهم بزخرف القول؛ فيوهم بأن الكفر إكرام للآباء وأن تقليدهم تعصب لهم، وأن الانطلاق من كل القيود الخلقية مروءة، وأن المعاندة هداية، وأن إهمال حكم العقل هو الاتباع وهذا معنى قوله: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) أي يلقي في نفوسهم تحسين الباطل بأقوال باطلة، ولكنها مزخرفة بزخرف يكون غرورا للنفس الضالة فتتدلى به.
وهكذا يجيء تضليل النفوس في الآحاد والجماعات بزخرف القول فتسمى الحقائق بغير أسمائها؛ فيسمى الجحود طلبا للدليل، وتسمى الشجاعة في الحق تهورا، ويسمى الإفساد حرية، ويسمى الاستبداد شورى والشورى طغيانا، ولذلك كان بعض الحكماء يرى أن إصلاح الأخلاق يكون أولا بتصحيح الألفاظ. وإن هذه العداوة للأنبياء من شياطين الإنس والجن بإرادة الله تعالى ولذا قال: (ولو شاء ربك ما فعلوه).
أي إن هذه إرادة الله تعالى اختيارا وليبلغ النبيون أعلى مراتب الإنسانية بجهادهم في الدعوة إلى الله وقوله تعالى (ولو شاء ربك ما فعلوه) معناه لو أراد الله تعالى ما فعلوه أي شياطين الإنس والجن ولكنهم فعلوه ليكون التنازع بين الخير والشر ولأن الله تعالى مكن لإبليس الذي قال: (لأغوينهم أجمعين82 الا عبادك منهم المخلصين 83) (ص) ولو أراد الله ما تمكن ولو شاء الله تعالى ما خلقه.
وإذا كان ذلك أمرا ثابتا بالنسبة للنبيين أجمعين فتقبلْه وأعرض عنهم ولا تأس على القوم الفاسقين ولذلك قال تعالى: (فذرهم وما يفترون) أي فاتركهم واكاذيبهم من إنكارهم حجية القرآن ودلالته على النبوة وافتراءهم على أنفسهم بحلفهم أنهم يؤمنون لو جاءتهم وافتراءهم عليك من أنك تعيب أحلامهم وتسفه آباءهم وأنت تنطق بالحق وترشدهم وتهديهم سواء السبيل...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لو أراد الله لمنع هؤلاء بالإِكراه عن ذلك ولحال دون وقوف هؤلاء الشياطين وأمثالهم بوجه الأنبياء: (ولو شاء ربّك ما فعلوه). بيد أنّ الله لم يشأ ذلك، لأنّه أراد أن يكون الناس أحراراً، وليكون هناك مجال لاختبارهم وتكاملهم وتربيتهم، إِنّ سلب الحرية والإِكراه لا يأتلف مع هذه الأغراض، ثمّ إنّ وجود أمثال هؤلاء الأعداء المعاندين المتعصبين لا يضر المؤمنين الصادقين، شيئاً، بل يؤدي بشكل غير مباشر إِلى تكامل الجماعة المؤمنة، لأنّ التكامل يسير عبر التضاد، ووجود عدو قوي له تأثير على تعبئة الطاقات البشرية وتقوية الإِرادة. لذلك يأمر الله نبيّه في آخر السورة أن لا يلقى بالا إِلى أمثال هذه الأعمال الشيطانية: (فذرهم وما يفترون)...
قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ( 112 ) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } .
الكاف في اسم الإشارة ، في محل نصب نعت لمصدر مؤكد لما بعده . أي مثل ذلك الجعل جعلنا لك أعداء . شياطين ، منصوب على البدل من قوله : { عدوا } وقيل : منصوب على أنه مفعول ثان للفعل جعلنا . وغرورا منصوب على المصدر في موضع الحال . وقيل : منصوب على البدل من قوله : { زخرف } وقيل : منصوب ، لأنه مفعول لأجله . أي لغروره{[1249]} . هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش وما افتروه من الأقاويل والأباطيل وما كادوه للإسلام ونبيه .
قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } وشياطين الإنس والجن ، هم العتاة المردة من النوعين . وهم الذين يحفزون الناس ليجنحوا عن صراط الله ، ويسولون لهم الجحود والعصيان والتمرد على الله بكل صور العصيان والتمرد . لا جرم أن شياطين الإنسان والجن خلف كل الخطايا التي يقرفها بنو البشر في هذه الأرض . وهم وراء كل ظواهر الكفر أو الفسق أو الإلحاد الذي سقط فيه الأشقياء والتعساء من بني آدم . أما شياطين الجن فهم صنف من الخليقة غير منظورة ولا محسة ، ترى من حولها من حيث لا يراها الناس . وليس لها من وظيفة ولا شاغل إلا إفساد الإنسان بكل ظواهر الإيحاء من إغراء وإغواء ، أو ترغيب وترهيب . وغير ذلك من الأساليب النفسية والباطنية التي يتدسس من خلالها الشيطان العاتي إلى العميق من دخائل الإنسان لينفره من فعل الخيرات ، ويسول له فعل المعاصي والمنكرات ، فضلا عن تحريضه على السقوط في جحيم الباطل بكل ضروبه من كفر وإلحاد وإيذاء للمسلمين وكيد للإسلام .
أما شياطين البشر فهم صنف آخر من الجنس المنظور من ذرية آدم . وهؤلاء مغايرون لشياطين الجن ، في أمر أساسي واحد . وهو أن الأولين مخلوقون أشقياء في الأصل . فهم قد فطروا على الكفر والتمرد والرغبة اللحاحة في الإفساد منذ جيئتهم إلى هذه الدنيا . لكن الآخرين – وهم شياطين البشر- لم يخلقوا كافرين ولا عتاة فاسقين ، لكنهم قد خالطهم الفساد بعد حين من البراءة التي جبلوا عليها وهم صغار . فما لبثوا بعد ذلك أن أشربت أذهانهم وقلوبهم وطبائعهم الكفر والفساد . وذلك لما لامست عقولهم ونفوسهم أساليب الشياطين الشريرة بمختلف الوسائل التربوية والفكرية والثقافية فانقلبوا مردة شياطين كإخوانهم من شياطين الجن أو أعتى وأشد . وفي هذا روى عن أبي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس . فقال : " يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن " قلت : يا رسول الله ! وهل للإنس من شياطين ؟ قال : " نعم شر من شياطين الجن " .
قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } الجملة في محل نصب حال من شياطين . أو صفة لعدو ؟ وقيل : الكلام مستأنف سيق لبيان عداوة الكافرين من شياطين الإنس والجن . ويوحي ، من الوحي وهو الإشارة السريعة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي{[1250]} وسمي وحيا لحصوله خفية . والمراد بقوله { يوحى } يلقي أو يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس . وقيل كذلك يوسوس بعض كل فريق من الفريقين للآخر . وقيل أيضا : إن مع كل جني شيطانا ، ومع كل إنسي شيطانا فيوحي الشيطان لصاحبه بزخرف القول . ويدل على ذلك من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن " قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " .
أما زخرف القول ، فهو الكلام المزين المحسن خداعا . والزخرف معناه الزينة والتمويه . والغرور ، ما غر الإنسان وخدعه فصده عن الحق إلى الباطل . والمقصود أن شياطين الجن يغرون ويوسوسون لشياطين الإنسان بالمزين من الكلام اللامع المخادع ليغروهم فيجانبوا الحق مجانبة وليسدروا في الأرض عتاة مفسدين ، يحرضون الناس على المعاصي وفعل المنكرات ويخوفوهم من الإذعان لأوامر الله والامتثال لدينه وشرعه . ومثلما يوحي شياطين الجن إلى البشر فإنه لا يفوتنا أن نؤكد على أن شياطين البشر أشد إيحاء وإغراء وتمويها ، وأقدر على إفساد الإنسان وإغوائه وإغراقه في الموبقات والآثام ، بل أجدر أن يحاذرهم المؤمنون ويحرصوا على اجتنابهم والتعوذ بالله منهم ومن كيدهم ومكرهم وتمالئهم على الإسلام والمسلمين في كل الأحوال ، بل في كل زمان ومكان .
ولَعمرُ الحق ما فسد المسلمون ولا انثنوا عن دينهم الإسلام ولا غاروا في الهوان والضياع والذلة ، ولا ارتكسوا في المفاسد والفواحش وأوضار المحرمات والمحظورات ، إلا بالجهود الهائلة الكثاف التي بذلها شياطين الإنسان وما فتئوا يبذلونها لتحطيم العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين ولتشويه الصورة عن حقيقة الإسلام فكرا وفقها وأخلاقا ومنهاجا ونظاما للحياة .
أجل ! ما ضل المسلمون ولا وهنوا ولا مالوا عن دينهم وارتاب كثير منهم في صلاح الإسلام للحياة البشرية إلا بفعل الأفاعيل المذهلة التي خطط لها الشياطين الإنسيون العتاة من دهاقنة الإفساد والتدمير والتشويه والتشكيك ، من استعماريين وصليبيين وشيوعيين وصهيونيين وغيرهم من الناعقين الأتباع المتواطئين من أبناء المسلمين .
قوله : { ولو شاء ربك ما فعلوه } الضمير في { فعلوه } عائد إلى عداوة الشياطين وإيحاءاتهم الخبيثة بزخرف القول . وتأويل الآية أن الله قادر على هداية الناس ليكونوا جميعا مؤمنين . ولو شاء أن يجعلهم مؤمنين لفعل ، لكنه ابتلى بعض الناس لينال كل فريق منهم جزاءه الذي يستحقه مما هو مسطور في الكتاب الرباني أن يفنى هذا الزمان .
قوله : { فذرهم وما يفترون } أي دع هؤلاء الشياطين من البشر الذين يجادلونك بالباطل ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن . دعهم { وما يفترون } أي وما يختلقون من الزور والأباطيل . وذلك هو شأن المسلمين الذين يدعون الناس إلى منهج الإسلام ويبلغون الناس دعوة الحق . فإنه خليق بهم أن يبينوا للناس كلمة الإسلام بالتي هي أحسن وفي أسلوب علمي كريم ومحبوب كيما يطلع الناس على روعة الإسلام ، وأن هذا الدين لهو الأمثل الذي يصلح عليه حال البشرية في هذه الدنيا . ولا مناص بعد ذلك من الاصطراع مع فريق الباطل وهم شياطين البشر الذين يكذبون على الله وأنبيائه ورسله ويزيفون الحق والتاريخ ويثيرون الشبهات والافتراءات من حول الإسلام !
وما على الداعين إلى دين الإسلام في مثل هذه الحال إلا أن يصطبروا ويحتملوا الأذى وقول الزور والإرجاف ، وأن يتركوا الشياطين وما يكيدون ويأتفكون إلى أن يحكم الله بالحق وهو خير الحاكمين .