تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}، يعني ولا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل، {وتصدون عن سبيل الله}، يعني عن دين الإسلام، {من آمن به}، يعني من صدق بالله وحده لا شريك له، {وتبغونها عوجا}، يعني تريدون بملة الإسلام زيفا، {واذكروا إذ كنتم قليلا}، عددكم بعد عذاب الأمم الخالية، ثم ذكرهم النعم، فقال: {فكثركم}، يعني فكثر عددكم، ثم وعظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال: {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} في الأرض بالمعاصي بعد عذاب قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط في الدنيا...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني بقوله:"وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِراطٍ تُوعِدُونَ": ولا تجلسوا بكلّ طريق وهو الصراط، توعدون المؤمنين بالقتل. وكانوا فيما ذكر يقعدوه على طريق من قصد شعيبا وأراده ليؤمن به، فيتوعدونه ويخوّفونه ويقولون: إنه كذّاب...
وأما قوله: "وَتَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ": فإنه يقول: وتردّون عن طريق الله وهو الردّ عن الإيمان بالله والعمل بطاعته من آمن به، يقول: تردّون عن طريق الله من صدّق بالله ووحده.
"وتَبْغُونَها عِوَجا" يقول: وتلتمسون لمن سلك سبيل الله وآمن به وعمل بطاعته، عوجا عن القصد والحقّ إلى الزّيغ والضلال...
وقوله: "وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثّرَكُمْ": يذكرهم شعيب نعمة الله عندهم بأن كثر جماعتهم بعد أن كانوا قليلاً عددهم، وأن رفعهم من الذلة والخساسة. يقول لهم: فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك وأخلصوا له العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا نقمته بترك المعصية.
" وَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ": يقول: وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم حين عتوا على ربهم وعصوا رسله من المثلات والنقمات، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إياه، ألم يهلك بعضهم غرقا بالطوفان وبعضهم رجما بالحجارة وبعضهم بالصيحة؟ والإفساد في هذا الموضع معناه: معصية الله...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن كبراء أهل الشرك ورؤساءهم كانوا يقعدون في الطرق أناسا يصدّون الذين يأتون شعيبا للإيمان [ويمنعونهم] من الإيمان من الآفاق والنواحي. ويكون معنى {من آمن به} على هذا التأويل: أي من أراد أن يؤمن...
ويحتمل قوله تعالى: {ولا تقعدوا} ليس على القعود نفسه، ولكن على المنع من إقامة الشرائع التي شرع الله لشعيب كقول إبليس {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] ليس هو على القعود نفسه ولكن على المنع؛ ويمنعهم عن صراطه المستقيم. فعلى قوله {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} كانوا يمنعون {من آمن به} عن إقامة الشرائع والعبادات التي دعوا إلى إقامتها، ويوعدون على ذلك، ويخوّفونهم. فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: {من آمن به} على وجود الإيمان. وعلى التأويل الأول يكون من أراد أن يؤمن به، والله أعلم...
{وتبغونها عوجا} قيل: تلتمسون لها أهل الزيغ، وقيل: تبغون هلاكا للإسلام وإبطالا، وقيل: تبغون السبيل عوجا عن الحق، وكله واحد. وقوله تعالى: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم} أي كثّر لكم الأموال، ووسّع عليكم الدنيا...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ}: قال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" ولا تقعدوا بكل صراط توعدون "معنى الإيعاد: الإخبار بالعذاب على صفة من الصفات، وهو الوعيد والتهديد.
"وتصدون عن سبيل الله" الصد هو: الصرف عن الفعل بالإغواء.
" وتبغونها عوجا" فالهاء راجعة إلى السبيل، ومعنى "تبغون" تطلبون، والبغية: الطلبة...
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
قوله تعالى: {ولا تقعدوا بكل صراط}، أي: على كل طريق.
قوله تعالى: {وتصدون عن سبيل الله}، دين الله.
قوله تعالى: {من آمن به وتبغونها عوجاً}، زيغاً، وقيل: تطلبون الاعوجاج في الدين، والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب: إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك، ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم، وقال السدي: كانوا عشارين. {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم}، فكثر عددكم.
قوله تعالى: {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}، أي: آخر أمر قوم لوط.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط} ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين...
والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجاً. فإن قلت: صراط الحق واحد، {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها أوعدوه وصدّوه. فإن قلت؛ إلام يرجع الضمير في {ءَامَنَ بِهِ}؟ قلت: إلى كل صراط. تقديره: توعدون من آمن به وتصدّون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه...
{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا}: نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة. واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض. وجب حصول المغايرة بينها؛ فقوله: {توعدون} يحصل بذلك إنزال المضار بهم. وأما الصد، فقد يكون بالإيعاد بالمضار، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه.
أما قوله: {وتبغونها عوجا}: فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات، والمراد من الآية أن شعيبا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة. وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة.
{وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}: المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ينهاهم شعيب، عليه السلام، عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} أي: توعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم ...
... قوله: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة. {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ} أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عَدَدكم، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك، {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، ما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم، فقال عطفاً على قوله {اعبدوا الله} وما بعده من الأوامر والنواهي: {واذكروا إذ} أي حين {كنتم قليلاً} أي في العدد والمدد {فكثركم} أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} قلنا إنه عليه السلام قد بدأ بدعوتهم إلى توحيد العبادة لأنه ركن الدين الأعظم الذي هدمته الوثنية، وثنى بالأوامر والنواهي المتعلقة بحالهم الغالبة عليهم. وأما هذا النهي عن قطعهم الطرق على من يغشى مجلسه عليه السلام ويسمع دعوته ويؤمن به فلم يؤخره لأن اقترافه دون اقتراف التطفيف في الكيل والميزان وبخس الحقوق، بل لأنه متأخر عنها في الزمن، فالدعوة قد وجهت أولا إلى أقرب الناس إليه في بلده ثم إلى الأقرب فالأقرب منهم وممن يزور أرضهم، وقد كان الأقربون دارا هم الأبعدين استجابة له في الأكثر وتلك سنة الله في الخلق. فلما رأوا غيرهم يقبل دعوته ويعلقها ويهتدي بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل إليه إلا قعد بها من توعد سالكيها إليه ويصدونهم عن سبيل الله يدعوهم إليها، ويطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا وهداها ضلالا، وتقدم مثل هذه الجملة (في الآية 44 من هذه السورة فيراجع).
والحاصل أنه نهاهم هنا عن ثلاثة أشياء: أولها: قعودهم على الطرقات التي توصل إليه يخوفون من يجيئه ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته.
ثانيها: صدهم من وصل إليه وآمن بصرفه عن الثبات على الإيمان والإسلام والاستقامة على سبيل الله تعالى الموصلة إلى سعادة الدارين.
ثالثها: ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة ذات عوج بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها كقولهم له عليه السلام الذي حكاه الله تعالى عنهم في سورة هود (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} (هود 62). {أو نفعل في أموالنا ما نشاء} (هود 87).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراط توعدون} هذا الأصل الثّالث من دعوته وهو النّهي عن التّعرّض للنّاس دون الإيمان، فإنّه بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وما يتطلّبه من الأعمال الصّالحة، وفي ذلك صلاح أنفسهم، أي أصلحوا أنفسكم ولا تمنعوا من يَرغب في إصلاح نفسه ذلك أنّهم كانوا يصدّون وفودَ النّاس عن الدّخول إلى المدينة التي كان بها شعيب عليه السّلام لئلا يؤمنوا به. فالمراد بالصّراط الطريق الموصلة إلى لقاء شعيب عليه السّلام.
والقعود مستعمل كناية عن لازمه وهو الملازمة والاستقرار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {لأقْعُدَنّ لهم صراطك المستقيم} في هذه السّورة (16)
... و {سبيل الله} الدّين لأنّه مِثل الطريق الموصل إلى الله، أي إلى القرب من مرضاته.
ومعنى {تبغونها عوجا} تبغون لسبيل الله عوجاً إذ كانوا يزعمون أن ما يدعو إليه شعيب باطل، يقال: بغاه بمعنى طلب له، فأصله بغى له فحذفوا حرف الجر لكثرة الاستعمال أو لتضمين بغى معنى أعطى.
والعِوَج بكسر العين عدم الاستقامة في المعاني، وبفتح العين: عدم استقامة الذات، والمعنى: تحاولون أن تصفوا دعوة شعيب المستقيمة بأنها باطل وضلال، كمن يحاول اعوجاج عود مستقيم. وتقدم نظير هذا في هذه السورة في ذكر نداء أصحاب الجنة أصحاب النار.
وإنما أَخَّر النهي عن الصد عن سبيل الله، بعد جملة {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} ولم يجعله في نسق الأوامر والنواهي الماضية ثم يعقبه بقوله: {ذلكم خير لكم} لأنه رتّب الكلام على الابتداء بالدعوة إلى التوحيد، ثم إلى الأعمال الصالحة لمناسبة أن الجميع فيه صلاح المخاطبين، فأعقبها ببيان أنها خير لهم إن كانوا مؤمنين فأعاد تنبيههم إلى الإيمان وإلى أنه شرط في صلاح الأعمال، وبمناسبة ذكر الإيمان عاد إلى النهي عن صد الراغبين فيه...
... وذَكَّرَهُم شُعيبٌ عليه السّلام عقب ذلك بتكثير الله إياهم بعد أن كانوا قليلاً، وهي نعمة عليهم، إذ صاروا أمّة بعد أن كانوا معشراً.
ومعنى تكثير الله إياهم تيسيره أسباب الكثرة لهم بأن قوّى فيهم قوّة التّناسل، وحفظهم من أسباب المَوتَان، ويَسَّر لنسلهم اليفاعة حتّى كثُرت مواليدهم وقلّت وفياتُهم، فصاروا عدداً كثيراً في زمن لا يعهد في مثله مصير أمّة إلى عددهم، فيُعد منعهم النّاس من الدّخول في دين الله سعياً في تقليل حزب الله، وذلك كفران لنعمة الله عليهم بأنّ كثَّرهم، وليقابلوا اعتبار هذه النّعمة باعتبار نقمته تعالى من الذين غضب عليهم، إذْ استأصلهم بعد أن كانوا كثيراً فذلك من تمايز الأشياء بأضدادها.
قوله : { ولا تقعدوا بكل صراط وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا } أي لا تجسلوا بكل طريق من طرق الناس توعدون من آمن بشعيب بالقتل . فقد كان قومه يقعدون على طريق من يقصد شعيبا ليؤمن به فيتوعدونه ويخوفونه ويحذرونه من تصديقه ويحرضونه على تكذيبه ويقولون له : إنه كذاب .
كذلك كان شأن المشركين المجرمين الذين يكرهون الحق ويحادون الله والنبيين جريا وراء أهوائهم وشهواتهم وكراسيهم ومكاناتهم . بل إن ذلك شأن المشركين المجرمين في كل زمان . وفي هذا الزمان الراهن خاصة ، إذ يتصدى الظالمون والمتربصون من أعداء الإسلام بهذا الدين بوسائل شتى من التعويق والتعطيل والصد . ولئن كانت وسائل الظالمين الغابرين بسيطة وبدائية ؛ إذ كانت تتخذ من الطابع المحسوس أسلوبا كالضرب والقتل ونحو ذلك من تعذيب الأجساد لكنهم ما كانت لهم حيلة ينفذون منها إلى قلوب المعذبين المظلومين وعقولهم أو أفكارهم . وذلك بخلاف الظالمين المتربصين في زمننا هذا فهم أقدر على محاربة الإسلام والمسلمين بمختلف الأساليب والوسائل ، فضلا عن أساليب القمع والقتل والإبادة التي كانت ديدن الظالمين السابقين ، فقد برع المشركون المعاصرون في محاربة الإسلام بوسائل أخرى مضافة لا جرم أن تكون أعظم نضوجا وأشد خبثا وخداعا ، وأفظع في التأثير والمراوغة . وفي طليعة أساليبهم هذه تشويه العقيدة والفكر بمختلف الافتراءات والأكاذيب وكل صور الخداع والتمويه والتضليل بما يزعزع قناعة المسلمين وتصورهم ، ويثير في نفوس الكثيرين منهم الشك والارتياب . وقد أوتي الظالمون من أعداد الإسلام كل القدرات المادية والإعلامية والفنية والعسكرية لمحاربة الإسلام أو تشويه وتشكيك البشرية فيه في الوقت الذي يرزح فيه المسلمون –والمفكرون والدعاة خاصة- تحت كابوس الطغيان من الحكام الظلمة الذي يسوسون المسلمين بالجوار والفساد والذين ينفرون من تعاليم الإسلام ، ويهرعون سراعا ليكونوا أتباعا لأسيادهم من الكافرين الأجانب من أوروبيين وأمريكيين .
نقول ذلك ونحن حافلون بالقناعة واليقين أنه لو حيل بين الإسلام والبشرية فأتيح للمفكرين من دعاة الإسلام لنشر هذا الدين والحديث عن عقيدته وعن تعاليمه في حرية بعيدا عن الخوف والفتنة والمكر ، ليشاع الإسلام في كل بقاع الدنيا ولكان الناس قد أقبلوا على هذا الدين إقبالا يحفزهم إليه الود والرغبة ، ولسقطت كل مزاعم الظالمين وأقاويلهم عن الإسلام ، ولا ستبانت للناس أنها ترهات وأباطيل بل إنها أشبه بالفقاقيع المستخفة تطيش في الهواء ثم ما تلبث أن تذوب وتنقشع . لكن الإسلام يتلقى الضربات والتحديات والحمالات من الدس والتشكيك والتشويه الفكري من أساطين المستشرقين والاستعماريين والصليبيين والصهيونيين والماسونيين .
وذلك في غاية الحرية والتسهيلات المضمونة الكاملة ، في الوقت الذي ليس فيه للإسلام دولة ولا سلطان يدرأ عنه العوداي ، ويدفع عنه تطول الخبثاء والسفهاء والشياطين ، من أولي الأقلاع الموغلة في الدس والكيد والافتراء على الإسلام .
قوله : { وتبغونها عوجا } أي تبغون أن تكون سبيل الله معوجة غير مستقيمة . وذلك بإلقاء الشبهات حول الإسلام أو وصفه للناس بأنه معوج أو غير صالح ، لينفر منه الناس أو يزهدوا فيه . وهذا هو ديدن الظالمين المجرمين على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وأزمانهم ؛ فهم جميعا يبتغون للإسلام أن يكون على حقيقته وطبيعته من ثبات العقيدة وكمال التشريع وتمام الفضيلة والاستقامة . لا يردون للإسلام أن يكون مميزا بما يتجلي فيه من أوجه الاستقلال عن الملل والعقائد الأخرى ، وما يباعد بينه وبين التبعية لغيره من النظم والفلسفات الضالة . بل يريدون للإسلام أن يكون مشوها مضطربا ضعيفا ، وقد انتزعت منه كل ظواهر القوة والاستقامة والشمولية والاستعلاء .
قوله : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } إذ ، في موضع نصب على الطرف . وقيل : مفعول به . وتقدير : اذكروا –على سبيل الشكر- وقت كونكم قليلا عددكم فكثركم الله وتكثيرهم يحتمل وجهين : أحدهما : تكثير عددهم بعد أن كان قليلا . وثانيهما : تكثيرهم بالغنى بعد أن كانوا فقراء . والوجه الأول أظهر ؛ فهو يدعوهم أن يشكروا نعمة ربهم عليهم ؛ إذ جعلهم أقوياء بتكثيرهم بعد أن كانوا قلة . ثم يخوفهم بما حل بمن سبقهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ولوط ، أولئك الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومجانية التوحيد فأخذهم الله بالعذاب المهين في هذه الدنيا . وما بين زلزلة وصيحة وتغريق وتدمير بالقلب والحجارة . يدعوهم أن يتفكروا فيما حل بهؤلاء الظالمين التعساء من فادح العواقب ، فضلا عما أعده الله لهم يوم القيامة من التعس والهوان حيث الجحيم والنيران . وهذا مقتضى قوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } .