تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
... فلما جمع الله ليوسف شمله، فأقر بعينه، وهو مغموس في الملك والنعمة، اشتاق إلى الله وإلى آياته، فتمنى الموت...
قال: {رب قد ءاتيتني}، يعني قد أعطيتني {من الملك} على أهل مصر... {وعلمتني من تأويل الأحاديث}... يعني تعبير الرؤيا.
{فاطر السماوات والأرض}، يعني: خالق السماوات والأرض، كن {أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما}، يعني: مخلصا بتوحيدك، {وألحقني بالصالحين}، يعني: أباه يعقوب، وإسحاق، وإبراهيم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوّقا إلى لقاء آبائه الصالحين:"رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ" يعني: من ملك مصر، "وَعَلّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ "يعني من عبارة الرؤيا، تعديدا لنعم الله وشكرا له عليها. "فاطِرَ السّمَوَاتِ والأرْضِ" يقول: يا فاطر السموات والأرض، يا خالقها وبارئها، "أنْتَ وَلِيّي في الدّنْيَا والاَخِرَةِ" يقول: أنت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك. "تَوَفّنِي مُسْلِما" يقول: اقبضني إليك مسلما، "وألْحِقْنِي بالصّالْحِينَ" يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك...
عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله، وردّه على والده، وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من الملك والبهجة: "يا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّي حَقّا" إلى قوله: "إنّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ"، ثم ارعوى يوسف، وذكر أن ما هو فيه من الدنيا بائد وذاهب، فقال: "رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السّمَوَاتِ والأرْضِ أنْتَ وَلِيّي في الدّنْيا والاَخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِما وألْحِقْنِي بالصّالِحِينَ"...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة... ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا والآخرة...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... الاعلام هو إيجاب العلم بإيجاده والتعريض له. والمعنى فهمتني تأويل الأحاديث التي تؤدي إلى العلم بما احتاج إليه...
"فاطر السموات والارض" فالفطر: الشق عن أمر باختراعه عند انشقاقه، ففطر السموات والأرض: اختراعهما بما هو كائن كالشق عما يظهر فيه. ومنه تفطر الشجر بالورق...
وقوله "أنت وليي" أي ناصري، والولي النصير بما يتولى من المعاونة، فإذا وصف تعالى بأنه ولي المؤمن، فلأنه ينصره بما يتولى من معونته وحياطته، وإذا وصف المؤمن بأنه ولي الله، فلأن الله ينصره بمعونته، فتجري الصفة على هذا المعنى. وقوله "توفني مسلما" معناه اقبضني إليك إذا أمتني وأنا مسلم أي الطف لي بما أموت معه على الإسلام.
"وألحقني بالصالحين" من آبائي إسحاق وإبراهيم، أي اجعلني من جملتهم و (من) في قوله "من الملك" وقوله "من تأويل الاحاديث" دخلتا للتبعيض لأنه لم يؤته الله جميع الملك، ولا علمه جميع الأشياء، ويحتمل أن تكون دخلت لتبيين الصفة، كما قال "اجتنبوا الرجس من الأوثان"...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{توفني مُسْلِماً}: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة. وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه سبحانه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} طلب للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... ذكر المهدوي تأويلاً آخر -وهو الأقوى عندي- أن ليس في الآية تمني موت -وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي {توفني}- إذا حان أجلي -على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت...
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز. والجواب: أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى. المسألة الخامسة: أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام، والصلاح أول درجات المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين: يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم...
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف، عليه السلام، قاله عند احتضاره... ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله، وانقضى عمره؛ لا أنه سأل ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره:"أماتك الله على الإسلام". ويقول الداعي: "اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين"...
ويحتمل أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغا في ملتهم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان، والرغد والأمان... ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر! كل دعوته -وهو في أبهة السلطان، وفي فرحة تحقيق الأحلام- أن يتوفاه ربه مسلما وأن يلحقه بالصالحين: (رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث. فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة. توفني مسلما وألحقني بالصالحين).. (رب قد آتيتني من الملك).. آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله. فذلك من نعمة الدنيا. (وعلمتني من تأويل الأحاديث).. بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها. فذلك من نعمة العلم. نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها.. (فاطر السماوات والأرض).. بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها، ولك القدرة عليها وعلى أهلها.. (أنت وليي في الدنيا والآخرة).. فأنت الناصر والمعين.. رب تلك نعمتك. وهذه قدرتك. رب إني لا أسألك سلطانا ولا صحة ولا مالا. رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين).. وهكذا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل و لمة الإخوان. ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه. إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة، فذكر ثلاث نعم: اثنتان دنيويتان وهما: نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم، والثالثة: أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل. وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يُسير المَلك برأيه. ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك الحظُّ الأوفر، وكذلك تأويل الأحاديث. وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6] في هذه السورة. و {فاطر السماوات والأرض} نداء محذوف حرف ندائه. والفاطر: الخالق. وتقدم عند قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} في سورة الأنعام (14). والولي: الناصر، وتقدم عند قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ ولياً} في سورة الأنعام. وجملة {أنت وليي في الدنيا والآخرة} من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة. فالمعنى: كن وليي في الدنيا والآخرة. وأشار بقوله: {توفني مسلما} إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة. والمسلم: الذي اتصف بالإسلام، وهو الدين الكامل، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل عليهم السلام. وقد تقدم عند قوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} في سورة آل عمران (102). والإلحاق: حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر. وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم. والصالحون: المتصفون بالصلاح، وهو التزام الطاعة. وأراد بهم الأنبياء. فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك، وإن كان نُبّىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم أول آية في هذا الربع هي آخر آية وردت في موضوع قصة يوسف بالذات، وهي تشير إلى الأثر العميق الذي تركه في نفس يوسف جمع شمله مع أبويه وإخوته، وتوذن ببالغ شكره لله على سابغ نعمته، واعتماده المطلق على رعايته وولايته: {رب قد آتيتني من الملك} في هذا إشارة إلى ولايته لمنصب العزيز لدى ملك مصر، وما أدركه من السلطة والنفوذ فيها بحكم ذلك المنصب. {وعلمتني من تأويل الأحاديث} في هذا إشارة إلى ما أكرمه الله به من نفاذ البصيرة، وصدق الفراسة، مما ظهر أثره في تعبيره رؤيا ملك مصر، وتعبير رؤيا صاحبيه في السجن، وتأويل رؤياه نفسه التي جاءت مثل فلق الصبح. {فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة} هذه مناجاة من يوسف لربه، وتضرع بين يديه، وتوكل عليه. {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} هذا دعاء من يوسف إلى الله بحسن الخاتمة والموت على الإسلام، واللحاق بالصالحين في دار السلام، حتى يتم الله عليه نعمته في الآخرة كما أتمها عليه في الدنيا. وكلمة {الصالحين} متى وردت في الذكر الحكيم فالمراد بها كل مؤمن أدى ما عليه من حقوق الله وحقوق العباد، من أي جيل كان، قديما أو حديثا، ولو كان مجهول القبة مجهول التاريخ، لا قبة عليه ولا ضريح، فالعبرة في هذا اللقب لقب "الصلاح "و {الصالحين} إنما هي بمجرد العمل الصالح المقبول عند الله، لا بما سواه. وقوله تعالى هنا حكاية عن يوسف عليه السلام {توفني مسلما} لا يلزم أن يكون سؤالا ناجزا للموت وتمنيا لها في الحين، كما فهمه بعض المفسرين، وإنما هو من باب الدعاء المعتاد كقول الداعي: {اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين}. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الموت وتمنيها. روي في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب –أي يسترضي ربه ويتوب- ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي).
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
مناجاة يوسف (عليه السلام): وهكذا انفصل يوسف عن الجوّ الذي يحيط به، واستغرقت روحه في مناجاة لله، تنسى كل الناس وتغيب عن كامل أجوائهم، لتعيش الحضور مع الله في كل شيء، فبينما هو يخاطب أباه، إذا به ينسى ذلك ليخاطب الله سبحانه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ} في ما مكنتني من الوسائل الكثيرة التي قفزت بي إلى مواقع الحكم والسيطرة على مقاليد حياة الناس، {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ} وما استطعت به أن أفتح الحياة على مواقع الخير في الإنسان، وأدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة في كل جوانب ذاته وحركة كيانه، {فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرضِ} وخالقهما على أساس القدرة والحكمة، فكل شيءٍ فيهما مخلوقٌ لك، وكل مخلوق بينهما عبدٌ لك، وكل حركةٍ في داخلهما وخارجهما، خاضعةٌ لقدرتك...
{أَنتَ وَلِيِّ فِي الدُّنُيَا وَالآخرةِ} بما تملكه من ولاية الخلق والقدرة والنعمة واللطف والرحمة، فمنك أستمد سعادتي وهنائي في ما تتفضّل به عليّ من غفران ذنوبي وإدخالي الجنة التي وعدت بها عبادك المتقين، ولم تبخل بها على عبادك الخاطئين التائبين، الذين يتضرّعون إليك بقلوب نادمة على ما فرط منهم في جنب الله، وهذا ما أريد أن أطلبه منك، وأعيشه بين يديك، في ما أستقبل به حياتي ومماتي، {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا} واجعل ختام حياتي إسلاماً بالروح والقلب واللسان، كما كانت بداية حياتي كذلك، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} الذين آمنوا بك من موقع الصدق في الإيمان، وأصلحوا أعمالهم من موقع الإخلاص في العمل، وساروا على منهجك في الحياة، في ما يعملون به، ويطرحونه من قضايا، وأوضاع ومشاريع...
ولما ذكر هاتين الصفتين ، تذكر ما وقع له بهما من الأسباب ، فغلب عليه مقام الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفاً{[42772]} ، فقال مخاطباً : { رب قد آتيتني } وافتتح ب " قد " لأن الحال حال توقع السامع{[42773]} لشرح مآل{[42774]} الرؤيا { من الملك } أي بعضه بعد بعدي منه جداً ، {[42775]} وهو معنى روحه تمام القدرة{[42776]} { وعلمتني } وقصر دعواه تواضعاً بالإتيان بالجار فقال : { من تأويل الأحاديث } طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك ، والله غالب على أمره ؛ ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال : { فاطر السماوات والأرض } ثم{[42777]} أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعول على غيره في شيء من{[42778]} الأشياء فقال : { أنت وليِّي } أي الأقرب إليّ باطناً وظاهراً { في الدنيا والآخرة } أي لا ولي لي غيرك ، والولي يفعل لمولاه الأصلح والأحسن ، فأحسن بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي في الدنيا .
ولما كان توليه لله لا يتم إلا بتولي الله له ، أتبعه بما يفيده فقال : { توفني } أي اقبض روحي وافياً تاماً في جميع أمري حساً ومعنى حال كوني { مسلماً } ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقاً{[42779]} في الإخلاص ، حققه بقوله : { وألحقني بالصالحين * } فتوفاه الله كما سأل ؛ قالوا{[42780]} : وتخاصم أهل مصر فيه ، كلهم يرجو أن يدفن في محلته{[42781]} يرجو بركته ، ثم اصطلحوا على أن عملوا له صندوقاً من رخام ودفنوه في وسط النيل ، ليفترق{[42782]} الماء على جميع الأرض{[42783]} فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء ، ويكونوا كلهم في الماء سواء .
ذكر ما بقي من القصة عن التوراة{[42784]} :
قال بعد{[42785]} ما مضى : فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق{[42786]} إخوته - فأمر بإخراج{[42787]} جميع من كان عنده ، فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوته ، فرفع صوته فبكى حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون ، فقال يوسف لإخوته : أنا{[42788]} أخوكم{[42789]} يوسف ، هل أبي{[42790]} باق ؟ فلم يقدر{[42791]} إخوته على إجابته لأنهم رهبوه ، فقال يوسف لإخوته : ادنوا مني فدنوا{[42792]} فقال لهم : أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد إلى مصر ، والآن فلا تحزنوا ، ولا يشقن عليكم ذلك ، ولا يشتدن{[42793]} عليكم بيعكم إياي إلى ما هنا ، لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت ، لأن للجوع مذ أتى سنتين ، و{[42794]} ستأتي خمس سنين أخر{[42795]} لا يكون فيها زرع ولا حصاد ، فأرسلني الرب أمامكم لأصير لكم بقاء في الأرض وأخلصكم وأستنقذكم ، لتحيوا وتستبشروا على الأرض ، والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني أباً{[42796]} لفرعون وسيداً لجميع{[42797]} أهل بيته ، ومسلطاً على جميع أرض مصر ، فاصعدوا الآن عجلين{[42798]} عليّ بأبي{[42799]} و{[42800]} قولوا له{[42801]} : هكذا يقول ابنك يوسف : إن الله جعلني سيداً لجميع أهل مصر ، فاهبط إليّ ولا تتأخر ، وانزل إلى أرض السدير - وفي نسخة : خشان{[42802]} - فكن قريباً مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك وبقرك وجميع مالك ، فأموّنكم{[42803]} هناك ، لأنه قد بقي خمس سنين جوعاً ، لئلا تهلك أنت وأهل بيتك{[42804]} وكل مالك ، وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين ، إني{[42805]} أكلمكم مشافهة ، وأخبروا أبي بجميع{[42806]} كرامتي ووقاري في أرض مصر ، وبجميع ما رأيتم ، وأسرعوا واهبطوا بأبي إلى ما هاهنا ، فاعتنق أخاه بنيامين أيضاً وبكى ، وقبل{[42807]} جميع إخوته وبكى ، ومن بعد ذلك كلمه إخوته ، فبلغ ذلك فرعون وقيل له : إن إخوة يوسف قد أتوه ، فسر ذلك{[42808]} فرعون ، عبيده - وفي نسخة : وجميع قواده - فقال فرعون ليوسف : قل لإخوتك فليفعلوا هكذا ، أوقروا دوابكم ميرة ، وانطلقوا بها إلى أرض كنعان ، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم{[42809]} وائتوني{[42810]} فأنحلكم{[42811]} خيرات أرض مصر وخصبها ، وكلوا خصب الأرض ، وهذا أنت المسلط ، فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا الفعل ، احملوا من أرض مصر عجلاً لنسائكم وحشمكم ، وأظعنوا بأبيكم فأقبلوا ، ولا تشفقن على أمتعتكم ، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم ، {[42812]} ففعل بنو{[42813]} إسرائيل كما أمر فرعون ، ودفع إليهم يوسف عجلاً عن{[42814]} أمر فرعون ، وزودهم جميع أزودة الطريق ، وخلع على كل أمرىء منهم خلعة ، فأما بنيامين فأجازه بثلاثمائة درهم - وفي نسخة : مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع ، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك أيضاً وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه للطريق{[42815]} وأرسلهم{[42816]} ، فانطلقوا ، وتقدم إليهم{[42817]} وقال لهم{[42818]} : لا تقع{[42819]} المشاجرة فيما بينكم{[42820]} في الطريق ، فظعنوا من مصر{[42821]} فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم ، فأخبروه وقالوا له : إن يوسف بعد{[42822]} في الحياة ، وهو المسلط على جميع أرض مصر ، ورأى يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله{[42823]} فاطمأنت نفسه وقال : إن هذا لعظيم عندي ، إذ كان ابني يوسف بعد في الحياة ، أنطلق{[42824]} الآن فأنظر إليه قبل الموت .
{[42825]} فظعن إسرائيل وجميع ما له ، فأتى بئر{[42826]} السبع ، وقرب قرباناً لإله إسحاق أبيه ، فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له : يا يعقوب ! فقال : هاأنذا ! فقال : إني أنا إيل إله أبيك ، لا تخف من الحدور{[42827]} إلى مصر ، لأني أجعلك هناك إلى شعب عظيم - وفي نسخة : لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك ، وأنا أصعدك ، ويوسف يضع يده على عينيك ، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم{[42828]} ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله ، وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعان ، فأتوا بها مصر يعقوب وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته{[42829]} وبنات بناته ، وأدخل إلى مصر كل نسله ،
ثم سماهم واحداً واحداً{[42830]} ، ثم قال : فجميع{[42831]} بني يعقوب الذين دخلوا مصر سبعون إنساناً ، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام ليدله على السدير{[42832]} - وفي نسخة : خشان - فألجم يوسف مراكبه ، وصعد للقاء أسرائيل أبيه إلى خشان - وفي نسخة : السدير{[42833]} - فتلقاه واعتنقه وبكى إذ{[42834]} اعتنقه ، فقال إسرائيل ليوسف : أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني ، فأنت في الحياة بعد ، فقال يوسف لإخوته وآل{[42835]} أبيه : أصعد فأخبر فرعون وأقول : إن إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض كنعان قد{[42836]} أتوني والقوم رعاء غنم ، لأنهم أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم ، فإذا دعاكم فقولوا له : إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا{[42837]} ، وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضاً ، لكي تنزلوا{[42838]} أرض خشان - وفي نسخة : السدير{[42839]} - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند المصريين{[42840]} .
فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له : إن أبي وإخوتي قد أتوني{[42841]} وغنمهم{[42842]} وبقرهم وجميع ما لهم من أرض كنعان ، وهو ذا هم حلول بأرض السدير{[42843]} ، وحمل من إخوته خمسة رهط ، فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه ، فقال فرعون لإخوة يوسف : ما صنعتكم ؟ فقالوا{[42844]} : إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا ، وآباؤنا أيضاً من قبل . وقالوا لفرعون : إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد{[42845]} الحشيش و{[42846]} العشب والكلأ من مرابع غنم عبيدك ، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان ، فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض السدير{[42847]} ، فقال فرعون ليوسف : إن أباك وإخوتك قد أتوا ، وهذه أرض مصر بين يديك ، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها{[42848]} لينزلوا أرض السدير{[42849]} ، وإن كنت تعلم أن فيهم قوماً ذوي قوة وبطش ونفاذ{[42850]} فولهم جميع مالي ، فأدخل يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليهم الصلاة والسلام على فرعون فأقامه بين يديه ، فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة والسلام : كم عدد{[42851]} سني حياتك{[42852]} ؟ فقال يعقوب عليه السلام لفرعون : مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة ، وإن أيام حياتي لناقصة ، و{[42853]} لم أبلغ{[42854]} سني حياة آبائي في أيام حياتهم ، فبارك يعقوب فرعون ودعا له ، وخرج من بين يديه ، فأسكن يوسف عليه السلام أباه{[42855]} يعقوب عليه السلام{[42856]} وإخوته وأعطاهم وراثة{[42857]} في أرض{[42858]} مصر في أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس{[42859]} - وفي نسخة : أرض عين شمس - كما أمر فرعون ، فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل{[42860]} بيته بالميرة على قدر الحشم{[42861]} ، ولم تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جداً ، فخربت جميع أرض مصر وأرض{[42862]} كنعان ، فصار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كل ورق ألفي{[42863]} في أرض{[42864]} مصر وأرض كنعان ، وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه ، فأورد{[42865]} يوسف الورق بيت مال فرعون ، ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان ، فأتى جميع المصريين إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقالوا{[42866]} له : أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ولا نموت ، لأن ورقنا قد نفذ ، فقال لهم يوسف : ادفعوا إليَّ مواشيكم إن كانت الأوراق قد نفدت ، فأقوتكم بمواشيكم ، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم وبمواشي الغنم وماشية البقر والحمير ، وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم ، فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له : لسنا نكتم سيدنا أمرنا ، لأن أوراقنا وماشيتنا ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا ، ولم يبق بين يدي سيدنا غير أنفسنا وأرضنا ، فلم نهلك{[42867]} بين يديك ؟ فابتعنا وأراضينا{[42868]} بإطعامك إيانا الخبز ، فنصير نحن عبيداً لفرعون وأرضنا ملكاً له ، وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت ، ولا تخلو الأرض وتخرب لفقد سكانها ، فابتاع{[42869]} يوسف لفرعون جميع أرض مصر ، فصارت الأرض لفرعون ، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم{[42870]} من أقاصي الأرض نحو مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة : أئمتهم - فإنه لم يبتعها ، لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية : أئمتهم - وظيفة ونزلا من عند فرعون ، وكانوا يأكلون برهم الموظف{[42871]} لهم من قبل فرعون ، ولذلك لم يبيعوا أرضهم ، فقال يوسف للشعب : إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون ، وهاأنذا معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض ، فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس منها ، وتكون{[42872]} لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس ، ولمأكل{[42873]} أهل{[42874]} بيوتاتكم وإطعام{[42875]} حشمكم ، فقالوا له : لقد{[42876]} أحييتنا ، فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة ، ونكون عبيداً لفرعون ، فسن{[42877]} يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا ، فصار الخمس{[42878]} لفرعون ما خلا أرض أئمتهم - وفي رواية : الأجناد - فإنها{[42879]} لم تكن لفرعون .
فسكن إسرائيل أرض{[42880]} مصر وأرض السدير{[42881]} ، فعظموا{[42882]} واعتزوا فيها واستيسروا وتماجدوا{[42883]} ، وعاش يعقوب{[42884]} في أرض مصر{[42885]} سبع عشرة سنة{[42886]} ، وكانت جميع أيام حياة يعقوب مائة وسبعاً{[42887]} وأربعين سنة ، ودنت أيام وفاة إسرائيل عليه السلام ، فدعا يوسف ابنه عليه السلام وقال له{[42888]} : إن ظفرت منك{[42889]} برحمة ورأفة{[42890]} ، فضع يدك تحت ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به ، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط ، لا تدفني{[42891]} بمصر ، {[42892]} بل أضطجع{[42893]} مع آبائي ، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم ، فقال يوسف : أنا فاعل ذلك كقولك{[42894]} وأمرك ، فقال له : أقسم لي ، فأقسم له فتوكأ إسرائيل على عصاه وسجد شكراً .
{[42895]} فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف عليه السلام أن أباه قد مرض ، فانطلق بابنيه معه : منشا وإفرايم{[42896]} ، فبلغ يعقوب وقيل له : إن ابنك يوسف قد أتاك ، فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته{[42897]} ، فقال إسرائيل ليوسف : إن إله المواعيد اعتلن لي بلوز{[42898]} في أرض كنعان ، فباركني وقال لي : هاأنذا مباركك{[42899]} ومكثرك ، وأجعلك أباً لجميع الشعوب ، وأعطي نسلك من بعدك هذه{[42900]} الأرض ميراثاً إلى الأبد{[42901]} ، وأنا إذ كنت مقبلاً من{[42902]} فدانة أرام{[42903]} توفيت عني{[42904]} راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق ، وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث{[42905]} قدر مسيرة ميل - وفي نسخة : - فرسخ - فدفنتها{[42906]} هناك في طريق إفراث - وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف فقال له : من هذان ؟ فقال : ابناي اللذان رزقني الله هاهنا ، فقال أدنهما مني ، فقبلهما واعتنقهما وقال : ما كنت أرجو النظر{[42907]} إلى وجهك فقد أراني الله نسلك أيضاً ، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسلام : هاأنذا متوف ، ويكون الله بنصره وعونه معكم ، ويردكم إلى أرض آبائكم ، وهأنذا قد فضلتك{[42908]} على إخوتك بسهم من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون{[42909]} بسيفي وقوسي ، {[42910]} ثم إن يعقوب دعا بنيه وقال{[42911]} ؛ اجتمعوا إليّ فأبين{[42912]} لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام ، فذكر ذلك ثم قال{[42913]} : وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم ، نبأهم{[42914]} بذلك وبارك عليهم كل امرىء منهم على قدره ، ثم أوصاهم وقال لهم : إنني{[42915]} أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحيثاني{[42916]} ، في المغارة التي في الروضة المضاعفة إلى جانب ممري{[42917]} بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم{[42918]} : روضة من عفرون الحيثاني وراثة{[42919]} المقبرة ، هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته ، وفيها دفن إسحاق ورفقا{[42920]} حليلته ، وهنالك دفنت ليا{[42921]} في الروضة المبتاعة{[42922]} والمغارة التي فيها المبتاعة من بني حاث{[42923]} .
فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى شعبه{[42924]} .
فوقع يوسف عليه فقبله{[42925]} وبكى عليه ، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه ، فحنط الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة ، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين ، وناح المصريون عليه سبعين{[42926]} يوماً ، فقال يوسف لآل فرعون : إن ظفرت منكم برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم عليّ وقال لي : هاأنا{[42927]} متوف ، فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان ، فيأذن لي فأصعد فأدفن أبي{[42928]} ثم أرجع ، فقال له فرعون : اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك ، فصعد يوسف ليدفن أباه ، وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع أهل بيت يوسف ، وصعد معه إخوته و{[42929]} آل أبيه{[42930]} ، {[42931]} وأما{[42932]} حشمهم وبقرهم وغنمهم فخلفوها{[42933]} بأرض خشان{[42934]} - وفي نسخة : السدير{[42935]} - وأصعد المراكب{[42936]} والفرسان أيضاً ، فصار في عسكر{[42937]} عظيم منيع ، فأتوا إلى بيادر أطرا{[42938]} - وفي نسخة : أندر العوسج - التي في مجاز{[42939]} الأردن ، فرنوا{[42940]} هناك وناحوا نوحاً عظيماً مراً{[42941]} ، فنظر سكان أرض كنعان إلى{[42942]} التأبل{[42943]} والنواح في أجران{[42944]} العوسج ، فقالوا : إن هذا{[42945]} التأبل عظيم للمصريين ، ولذلك دعي ذلك الموضع " تأبل مصر " ، الذي في مجاز الأردن ، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم ، وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني{[42946]} وهي إمام ممري .
ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه ، ومن بعد ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفى ، ففرقوا وقالوا : لعل يوسف أن يؤذينا وينكأنا{[42947]} ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ارتكبنا{[42948]} منه ، فدنوا من يوسف وقالوا له : إن أباك أوصى قبل وفاته وقال : هكذا قولوا ليوسف : نطلب إليك أن تعفو عن{[42949]} جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك ، فالآن نطلب إليك أن تعفو عن{[42950]} ذنب عبيد إله أبيك ، فبكى يوسف لما قالوا ذلك ، فدنا إخوته فخروا بين يديه سجداً وقالوا له : هوذا نحن لك عبيد ، فقال لهم : لا تخافوني لأني أخاف الله ، أما أنتم فهممتم بي شراً فصيره الله لي خيراً كما فعل بي يومنا هذا ، فأحيي على يدي خلقاً عظيماً ، والآن فلا خوف عليكم ، أنا أقوتكم وحشمكم ، فعزاهم{[42951]} وملأ قلوبهم خيراً .
ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته ، فعاش يوسف مائة و{[42952]} عشر سنين{[42953]} ورأى يوسف{[42954]} ولد ولده ، فقال يوسف لإخوته : هاأنذا متوف ، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم{[42955]} بها لإبراهيم وإسحاق{[42956]} ويعقوب ، فأقسم يوسف{[42957]} على بني إسرائيل وقال : إن{[42958]} الله سيذكركم ، فأصعدوا عظامي معكم ، فتوفي يوسف وهو ابن مائة و{[42959]} عشر سنين{[42960]} ، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد{[42961]} ذلك من استعبادهم{[42962]} وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى .
وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة{[42963]} مصدق لما في القرآن وشاهد{[42964]} بإعجازه ، غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى :
{ فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً }[ يوسف :80 ] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف{[42965]} لهم{[42966]} بنفسه{[42967]} فمضوا إلى أبيهم فأخبروه{[42968]} بذلك ، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه فعرفهم{[42969]} يوسف عليه السلام بنفسه وجلا لهم الأمر في هذه القدمة الثالثة ، فكأنهم أسقطوا{[42970]} ما في التوراة من ذلك تدليساً وتلبيساً ، وهو لا يضر غيرهم ، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر ، فلم يفدهم{[42971]} ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي{[42972]} إلى الصواب{[42973]} .