الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإذ فرقنا بكم البحر} وذلك أنه فرق البحر يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين كل واحد منهما على الآخر...

{فأنجيناكم} من الغرق.

{وأغرقنا آل فرعون}، يعني أهل مصر، يعني القبط

{وأنتم تنظرون} أجدادهم يعلمون أن ذلك حق، وكان ذلك من النعم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ" فإنه عطف على: "وَإذْ نَجّيْناكُمْ" بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر.

ومعنى قوله: "فَرَقْنا بِكُمْ": فصلنا بكم البحر، لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، ففرق البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر، وفصله بهم بتفريقهم في طرقه الاثني عشر.

" فأنْجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ".

إن قال لنا قائل: وكيف أغرق الله جل ثناؤه آل فرعون، ونَجّى بني إسرائيل؟ قيل له:...خرج فرعون في طلب موسى... وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَمُدْرَكُونَ" قال موسى: "كَلاّ إنّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ" أي للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده... [ف] أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر- إذا ضربك موسى بعصاه فانفلقْ له...فأوحى الله جل وعزّ إلى موسى: "أن اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ" فضربه بها -وفيها سلطان الله الذي أعطاه – "فانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيمِ" أي كالجبل على يبس من الأرض. يقول الله لموسى: "اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا في البَحْرِ يَبَسا لاَ تَخافُ دَرَكا وَلا تَخْشَى"، فلما استقرّ له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده.

... ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ"...

ويعني بقوله: "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أي تنظرون إلى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه في الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم، ويحذرهم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

تقاصرت بصائر بني إسرائيل، فأراهم المعجزات عياناً، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً، كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَرَقْنَا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط.

فإن قلت: ما معنى {بُكْمٌ}؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه،

(أحدها): أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك.

(وثانيها): أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى.

(وثالثها): أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. (ورابعها): أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم.

(وخامسها): أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية.

(وسادسها): أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى: {وأنتم تنظرون}.

وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه:

(أحدها): أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق.

(وثانيها): أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون.

(وثالثها): أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور.

وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة:

(أحدها): أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه.

(وثانيها): أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية.

(وثالثها): أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر البتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى عليه الصلاة والسلام،

ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ونحو ذلك، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل: القرآن والتحدي به، والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة تدركها الأذكياء، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنها من جملة معجزاته...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل -قاله الحرالي... {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط... {فأنجيناكم} من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز- انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت -انتهى.

جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :

وفيما يورده القرآن من هذه القصص إنذار للظالمين وتبشير للضعفاء المضطهدين، فإن المصير لا يختلف، والعاقبة لا تتبدل، ولكل أحد آتاه الله في الدنيا ما يراه ميزة لنفسه بين بني جنسه معتبر فيمن أهلك الله قبله من أمثاله، {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78]، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

[و] الهدف من تذكير بني إسرائيل بهذا الحدث الذي بدأ بخوف شديد وانتهى بانتصار ساحق، هو دفعهم للشكر وللسير على طريق الرسالة الإِلهية المتمثلة في دين النّبي الخاتم. كما أنه تذكير للبشرية بالإمداد الإِلهي الذي يشمل كل أُمّة سائرة بجد وإخلاص على طريق الله.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

{[2337]}ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال { وإذ } أي واذكروا إذ { فرقنا }{[2338]} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي . {[2339]}فصارت لكم مسالك على عدد أسباطكم{[2340]} { بكم } أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط { البحر } قال الحرالي : هو المتسع الرحب البراح{[2341]} مما هو ظاهر كالماء ، ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر ، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى . { فأنجيناكم } من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - انتهى . ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به . قال الحرالي : وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم سبب فرقة ، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى {[2342]}عليه السلام{[2343]} بالعصاة{[2344]} هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم ، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج ، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت - انتهى . { وأغرقنا آل فرعون } فيه وبه { وأنتم تنظرون } إسراعه إليهم في انطباقه عليهم ، وهذا مثل ما خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر الملح في ناحية البحرين أو انحسر له على اختلاف الروايتين ، ومثل ما قطع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة في وقائع الفُرس عوماً{[2345]} بالخيول بجميع عساكره وكانوا زيادة على ثلاثين ألفاً لم يُفقد منهم أحد ، وكان الفرس{[2346]} إذا تعب وثب{[2347]} فصار واقفاً على ظهر الماء كأنه على صخر ، فإذا استراح عام .

قال الحرالي : { وأغرقنا } من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه ، فإن كان في الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبُعد قعره ، وهو في الماء بمنزلة الخسف في الأرض ، والنظر التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - انتهى . فذكرهم{[2348]} سبحانه بنعمة الإنجاء منه بالرحيل عنه أولاً ، ثم بإغراقه الذي هو أكبر من ذلك ثانياً بما كان بعينه سبب سلامتهم واستمر يذكرهم بما تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم . قال الحرالي : وقررهم على نظرهم إليهم ، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من حيث لم يقل : وأنتم تبصرون ، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى .


[2337]:العبارة من هنا على "فقال" ليست في ظ.
[2338]:فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك لسلوككم فيه أو بسبب إنجائكم أو ملتبسا بكم كقوله شعر: تدوس بنا الجماجم والتريبا وقرئ فرقنا على بناء التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط – تفسير البيضاوي ص 54 وقال المهائمي "و" اذكروا المعرفة عظم نعمة التنجية حتى أفردت بالذكر بعد التعميم "وإذ فرقنا" أي فصلنا "بكم" أي بسبب وصولكم.
[2339]:ليست في ظ.
[2340]:ليست في ظ.
[2341]:البراح المتسع من الأرض لا زرع بها ولا شجر، أو الأرض التي لا بناء فيها ولا عمران – قطر المحيط 1 / 88 وقال أبو حيان: البحر مكان مطمئن من الأرض يجمع المياه، وأصله قيل الشق، وقيل السعة، فمن الأول البحيرة وهي التي شقت أذنها، ومن الثاني البحيرة المدينة المتسعة، البحر قيل بحر القلزم من بحار فارس وكان بين طرفيه أربعة فراسخ، وقيل بحر من بحار مصر يقال له اساف ويعرف الآن ببحر القلزم، قيل هو الصحيح.
[2342]:زيد من م.
[2343]:زيد من م.
[2344]:العصاة، عراقية – قطر المحيط 1378 وفي ظ: العصا وفي م: العصى.
[2345]:في م: غوصا
[2346]:في م: الفارس.
[2347]:في ظ: وتب – كذا.
[2348]:قال أبو حيان: وناسب نجاتهم من فرعون بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه السلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه سالما، ولكل أمة نصيب من نبيها، وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح، لأن الذبح فيه تعجيل الموت بإنهار الدم، والغرق فيه إبطاء الموت ولا دم خارج، وكان ما به الحياة "وجعلنا من الماء كل شيء حي" سببا لإعدامهم من الوجود، ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة جعله الله تعالى نكالا لمن ادعى الربوبية فقال "أنا ربكم الأعلى" إذ على قدر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعى وتغيبه في قعر الماء؛ "وأنتم تنظرون" جملة حالية، وهو من النظر بمعنى الإبصار، والمعنى والله أعلم أن هذه الخوارق العظيمة من فرق البحر بكم وإنجائكم من الغرق ومن أعدائكم وإهلاك أعدائكم بالغرق وقع وأنتم تعاينون ذلك وتشاهدونه ولم يصل ذلك إليكم بنقل بل بالمشاهدة التي توجب العلم الضروري بأن ذلك خارق من عند الله تعالى على يد النبي الذي جاءكم – والتفصيل في البحر المحيط 1 / 198.