تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولما جاءهم كتاب من عند الله}، يعني قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، {مصدق لما معهم} في التوراة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه في التوراة، نزلت في اليهود... {وكانوا من قبل} أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا {يستفتحون على الذين كفروا}... {فلما جاءهم} محمد {ما عرفوا} أي بما عرفوا من أمره في التوراة. {كفروا به فلعنة الله على الكافرين} يعني اليهود...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَلَمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّق لِمَا مَعَهُمْ}: ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم،} كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ {يعني بالكتاب: القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.} مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ {يعني مصدّق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن...من التوراة والإنجيل.
{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الّذِينَ كَفَرُوا}: وكان هؤلاء اليهود الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الاستفتاح: الاستنصار يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه أي من قبل أن يبعث... عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة، يعني: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الّذِينَ كَفَرُوا} قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبيّا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قَتْلَ عادٍ وإرَم فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله:"فَلَمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ"... عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شِرْك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ على الكافِرِينَ}...
فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيّا خارج.
فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: {وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدق لِمَا مَعَهُمْ}؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه، فقال بعضهم: هو مما تُرك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة فتحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ أَنّ قُرآنا سُيّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوّ كُلّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِعيا فترك جوابه. والمعنى:
{ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسُيّرت بهذا القرآن} استغناءً بعلم السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: "وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ".
وقال آخرون: جواب قوله:} وَلَمّا جاءَهُمْ كِتاب مِنْ عِنْدِ اللّهِ {في «الفاء» التي في قوله: {فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وجواب الجزاءين في «كفروا به» كقولك: لما قمت فلما جئتنا أحسنت، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمتَ أحسنتَ.
} فَلَعنَةُ اللّهِ على الكافِرِينَ {: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحقّ عليهم لله ولأنبيائه المنكرين، لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عزّ وجل عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله: {فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوّته عليهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} فلولا أنهم عرفوا أن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب غير مخالف له، لأظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا إطفاء هذا النور ودفعه. فدل سكوتهم عن ذلك وترك اشتغالهم بذلك أنهم عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم...
فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به {فلعنة الله على الكافرين}.
{مصدق لما معهم} لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات.
[و] يحتمل أن يقال: {كفروا به} لوجوه.
(أحدها): أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول.
(وثانيها): اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار.
(وثالثها): لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به. أنه تعالى كفرهم بعدما بين كونهم عالمين بنبوته، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
والاستفتاح: الاستنصار. استفتحت: استنصرت. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
معطوف على قوله: {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضاً مجرداً عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقاً لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين.
فقوله: {من عند الله} متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمراً مشاهداً معلوماً حتى يوصف به. وقوله: {مصدق لما معهم} وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة في هذا الكفر...
وقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا} أي ما كانوا يستفتحون به أي لما جاء الكتاب الذي عرفوه كفروا به وقد عدل عن أن يقال فلما جاءهم الكتاب ليكون اللفظ أشمل فيشمل الكتاب والرسول الذي جاء به فإنه لا يجيء كتاب إلا مع رسول.
ووقع التعبير بما الموصولة دون مَن لأجل هذا الشمول ولأن الإبهام يناسبه الموصول الذي هو أعم فإن الحق أن ما تجيء لما هو أعم من العاقل...
والمراد بما عرفوا القرآن أي أنهم عرفوه بالصفة المتحققة في الخارج وإن جهلوا انطباقها على القرآن لضلالهم...
وجملة: {وكانوا من قبل يستفتحون} في موضع الحال وفائدتها هنا استحضار حالتهم العجيبة وهي أنهم كذبوا بالكتاب والرسول في حال ترقبهم لمجيئه وانتظار النصر به وهذا منتهى الخذلان والبهتان...
وجملة {لما جاءهم ما عرفوا} إلخ واحد وإعادة {لما} في الجملة الثانية دون أن يقول: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع، وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحداً طريقة عربية فصحى.
وقوله: {فلعنة الله على الكافرين} جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم والدعاء من الله تعالى تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء وليس غيره مطلوباً بالأدعية...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم} أخبر سبحانه وتعالى أنهم جاءهم كتاب، وهو قد جاء مع رسول من بني إسماعيل عليه السلام بهذا الكتاب، فذكر الكتاب، وهو يقتضي أن يكون مع رسول، فأعلم بالكتاب لأن الأمر أنه كتاب يشتمل على المواثيق مثل المواثيق التي أخذت عليهم، ونقضوها، فهو ميثاق جديد للمواثيق التي جاءتهم من قبل، ولم يذكر اسم الرسول؛ لأن الاعتبار لهذا الكتاب الذي وصفه تعالى بوصفين:
أنه من عند الله تعالى، وما يكون من عند الله جدير بأن يتقبلوه بقبول حسن، وأن يأخذوه بمأخذ الطاعة لأوامره ونواهيه.
والوصف الثاني: أنه مصدق لما معهم، فهو مصدق لما جاء في التوراة من وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، ومصدق للمواثيق التي أخذت عليهم من ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يحسنوا إلى الأبوين وذوي القربى واليتامى والمساكين، وابن السبيل، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأن يقولوا للناس حسنا من القول، ويترتب على ذلك المعاملة الطيبة، وإن هذا النبي الذي جاء معه الكتاب الذي أنزله الله تعالى، وهو مصدق لما معهم من أوامر ونواه ومواثيق أخذت عليهم بقوة، قد كانوا يعلمون بمجيئه ويتوقعونه و [ليس] معنى تصديق الكتاب لما معهم أنه تصديق لما معهم من كتاب كانوا يكتبونه بأيديهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، حتى يجيء بعض البهتانيين الكاذبين من دعاة نصرانية بولس، فيقولون إن القرآن صدق ما بأيديهم من محرف التوراة المحرفة والمنحرفة والإنجيل المحرف، إنما صدق القرآن الأوامر الأصلية مما اشتمل المواثيق التي أخذت عليهم بقوة، ولم يصدق الذي حرفوه ولا المنحرف عن الحق والخلق المستقيم...
لقد كان اليهود يعيشون في المدينة.. وكان معهم الأوس والخزرج وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم... فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن.
واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم... لأن الأوس والخزرج عندما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه... فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى الناس في الطائف... وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه و يضطهدونه... وعندما شاء الله أن تنتشر دعوة الإسلام جاء الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب هو إليهم، وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته.. دون أن يطلب عليه الصلاة والسلام منهم ذلك... ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان... كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة وينصره بمن اتبعوه. { {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}... أي أنهم قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه... فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته.
وقوله تعالى: {على الذين كفروا}.. أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد...
[و] الحق سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}. وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به... ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا...}
وهكذا تستطيع الأهواء والمصالح الشخصية أن تقف بوجه طالب الحقيقة، مهما كان الفرد عاشقاً لهذه الحقيقة وتوّاقاً للوصول إليها فيتركها ويعرض عنها، بل تستطيع الأهواء أيضاً أن تحوّل هذا الفرد إلى عدوّ لدود لهذه الحقيقة...
ولما ذكر سبحانه من جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم مراراً وأشار إلى الإنجيل بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه كفرهم بهذا الكتاب الذي مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلاً على إغراقهم في الكفر ، لأنهم مع استفتاحهم{[3611]} به صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه على من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور{[3612]} بمجيئه كانوا أبعد الناس من دعوته تمادياً في الكفر وتقيداً بالضلال ، فكان هذا الدليل أبين من الأول عند أهل ذلك العصر وذلك قوله تعالى : { ولما جاءهم كتاب } أي جامع{[3613]} لجميع الهدى لعظمته لكونه{[3614]} { من عند الله } الجامع لجميع صفات الكمال ، ثم ذكر من المحببات{[3615]} لهم في اتباعه قوله { مصدقاً لما معهم } على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم ، وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم{[3616]} ، والجواب محذوف و{[3617]}دل{[3618]} ما بعد على أنه كفروا به ، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهداً على كفرهم ، ولما بين شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال { وكانوا } أي والحال أنهم كانوا{[3619]} ، ولما كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت الجار{[3620]} فقال : { من قبل } أي قبل مجيئه { يستفتحون }{[3621]} أي يسألون الله الفتح{[3622]} بالاسم{[3623]} الآتي به تيمناً بذكره{[3624]} ! ! { على الذين كفروا } يعني أنهم لم يكونوا في غفلة عنه بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله { فلما جاءهم }{[3625]} برسالة محمد صلى الله عليه وسلم{[3626]} علم{[3627]} { ما عرفوا }{[3628]} أي من صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم{[3629]} { كفروا به }{[3630]} اعتلالاً بأنواع من العلل البينة الكذب ، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام عدوهم وهو الآتي به ؛ قال الثعلبي والواحدي : " روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ، فلما اتجهت الحجة عليه قال : أي ملك يأتيك من السماء ؟ قال : جبريل ، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو وليه - وفي رواية : وسأله عمن يهبط عليه بالوحي ، فقال : جبريل - فقال : ذاك عدونا ، ولو كان غيره لآمنا بك " وقال ابن إسحاق في السيرة : حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري " أن نفراً من أحبار يهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا{[3631]} : خبرنا{[3632]} عن أربع نسألك عنهن ، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن{[3633]} أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني ، قالوا : نعم ، قال : فاسألوا{[3634]} عما بدا لكم ! قالوا : فأخبرنا : كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت{[3635]} صاحبتها كان الشبه لها ؟ قالوا : اللهم نعم ، قالوا : فأخبرنا{[3636]} عن كيف نومك ؟ قال{[3637]} : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ قالوا : اللهم نعم ، قال : فكذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان ، قالوا : فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ، قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه{[3638]} كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام{[3639]} والشراب إليه{[3640]} شكراً لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم ؛ قالوا : فأخبرنا عن الروح ، قال : أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون{[3641]} جبريل وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللهم نعم{[3642]} ولكنه يا محمد{[3643]} لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ، ولولا ذلك لاتبعناك . فأنزل الله فيهم{[3644]} من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين –إلى قوله : أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون{[3645]} وأصل ذلك في البخاري في خلق آدم والهجرة والتفسير عن أنس بن مالك رضي الله عنه –من روايات جمعت بين ألفاظها –قال : أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أي في الهجرة –إلى أن قال : فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله عنه ، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام ، وهو في نخل لأهله يخترف لهم ، فعجل أن يضع التي{[3646]} يخترف لهم فيها فجاء وهي معه ، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : أي{[3647]} بيوت أهلنا{[3648]} أقرب- فذكر نزوله على أبي أيوب رضي الله عنه ثم قال : فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام{[3649]} رضي الله عنه{[3650]} فقال : أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في . وفي رواية : بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتاه فقال : إني سائلك عن ثلاث{[3651]} لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله – وفي رواية : وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبرني بهن جبريل آنفا ، فقال عبد الله : ذاك عدو اليهود من الملائكة ؛ فقرأ{[3652]} رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل{[3653]} الجنة فزيادة كبد حوت - وفي رواية " الحوت " " وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي{[3654]} المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له ، وإذا سبقت كان الشبه لها " وفي رواية : " وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت " " قال : اشهد أنك رسول الله ! ثم قال : يا رسول الله ! إن اليهود قوم بهت ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني{[3655]} عندك ، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم{[3656]} فدخلوا عليه " وفي رواية : " فجاءت{[3657]} اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر اليهود ! ويلكم اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو ! إنكم لتعلمون أني رسول الله وأني جئتكم بحق فأسلموا ، قالوا : ما نعلمه - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالها ثلاث مرار{[3658]} ، قال : فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا ، قال : أفرأيتم إن أسلم ! قالوا : حاشا لله ! ما كان ليسلم " وفي رواية : " أعاذه الله من ذلك " قال : " " يا ابن سلام ! اخرج عليهم " ، فخرج فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، يا معشر اليهود ! اتقوا الله فوالله{[3659]} الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق ، قالوا : كذبت ، وقالوا : شرنا وابن شرنا ، ووقعوا فيه فانتقصوه ، قال : فهذا{[3660]} الذي كنت أخاف يا رسول الله ! فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " وللواحدي في أسباب النزول عن عمر رضي الله عنه قال : " كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة القرآن التوراة وموافقة التوراة القرآن ، فقالوا : يا عمر ! ما أحد أحب إلينا منك ، قلت : ولم ؟ قالوا : لأنك تأتينا وتغشانا{[3661]} ، قلت : إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضاً وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن التوراة ، فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ظهري فقالوا : إن هذا صاحبك فقم إليه ، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل خوخة من المدينة ، فأقبلت عليهم فقلت : أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال سيدهم : قد نشدكم بالله فأخبروه ، فقالوا{[3662]} : أنت سيدنا فأخبره ، فقال سيدهم : نعلم أنه رسول الله ، قلت : فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تتبعوه ، فقالوا : إن لنا عدواً من الملائكة{[3663]} وسلماً من الملائكة{[3664]} ، فقلت : من عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل ، قلت : ومن سلمكم ؟ قالوا : ميكائيل ، قلت : فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل ، وما يحل لميكائيل ، أن يسالم عدو جبريل ، وإنهما جميعاً ومن معهما أعداء لمن عادوا وسلم لمن سالموا ، ثم قمت فاستقبلني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا ابن الخطاب ! ألا أقرئك آيات ؟ فقرأ
من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك } حتى بلغ { وما يكفر بها إلا الفاسقون{[3665]} }[ البقرة : 99 ] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك{[3666]} إلا أخبرك بقول اليهود فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر ! قال عمر : " فلقد{[3667]} رأيتني في دين الله أشد من حجر{[3668]} " انتهى . وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين{[3669]} في زماننا{[3670]} عن عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال : ما يعطى ذلك . وقد روى هذا الحديث أيضاً إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن عمر رضي الله عنه ، قال شيخنا البوصيري : وهو مرسل صحيح الإسناد {[3671]}وفيه : أنه قال لهم : " وكيف منزلتهما{[3672]} من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر ، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا " . {[3673]}ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى{[3674]} الناس وأشدهم تدليساً{[3675]} وبهتاً بل كذباً وفسقاً كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب{[3676]} عن ذلك قوله : { فلعنة الله } {[3677]}أي الذي له الأمر كله{[3678]} { على الكافرين } {[3679]}فأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بالوصف ليعم وإشعاراً بصلاح من شاء الله{[3680]} منهم .