الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} (87)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولقد آتينا موسى الكتاب}...: أعطينا موسى التوراة.

{وقفينا من بعده}...: وأتبعنا من بعد موسى.

{بالرسل} إلى قومهم.

{وآتينا عيسى ابن مريم البينات}...: وأعطينا عيسى ابن مريم العجائب التي كان يصنعها من خلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله

{وأيدناه بروح القدس}...: وقوينا عيسى بجبريل عليهما السلام...

{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم}، يعني: اليهود

{استكبرتم}، يعني: تكبرتم عن الإيمان برسولي، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم.

{ففريقا كذبتم}: طائفة من الأنبياء كذبتم بهم، منهم عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

{وفريقا تقتلون}: وطائفة قتلتموهم، منهم زكريا، ويحيى، والأنبياء أيضا، فعرفوا أن الذي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حق فسكتوا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{آتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ}: أنزلناه إليه. وقد بينا أن معنى الإيتاء: الإعطاء، والكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام هو التوراة.

وأما قوله: {وَقَفّيْنا} فإنه يعني: وأرْدَفْنا، وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما يقفو الرجل الرجل إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من القَفَا، يقال منه: قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه، كما يقال دَبَرْته: إذا صرت في دبره. ويعني بقوله: {مِنْ بَعْدِهِ}: من بعد موسى. ويعني بالرّسُلِ الأنبياء، وهم جمع رسول، يقال: هو رسول وهم رسل، كما يقال: هو صبور وهم قوم صُبُر، وهو رجل شكور وهم قوم شُكُر.

وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: {وَقَفّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بالرّسُلِ} أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة، لأن كل من بعثه الله نبيّا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك قيل:"وَقَفّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بالرّسُلِ" يعني على منهاجه وشريعته، والعمل بما كان يعمل به.

{وآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيّنَاتِ}: أعطينا عيسى بن مريم. ويعني بالبينات التي آتاه الله إياها ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوّته؛ من إحياء الموتى وإبراء الأكْمةِ ونحو ذلك من الآيات التي أبانت منزلته من الله، ودلت على صدقه وصحة نبوّته...

{وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ}.

{وأيّدْناهُ}: قوّيناه فأعنّاه... ثم اختلف في تأويل قوله: "بِرُوحِ القُدُسِ".

فقال بعضهم: روح القدس الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به هو جبريل عليه السلام. وقال ابن حميد: حدثنا سلمة عن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح قال: «أَنْشُدُكُمْ بِاللّهِ وَبأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنّهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يأتيني؟» قالوا: نعم.

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإنجيل.

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إذْ قَالَ اللّهُ يا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيّدْتُكَ بِرُوحِ القُدْسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وكَهْلاً، وإذْ عَلّمْتُكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ}. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى: "إذْ أيّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ "إنما هو: إذْ أيدتك بالإنجيل، وإذْ علمتك الإنجيل وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو معلمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى في أحدهما على الاَخر، وذلك خُلْفٌ من الكلام، والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة.

وإذا كان ذلك كذلك فبيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح في هذا موضع الإنجيل، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة، وتنتعش بها النفوس الموليّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة. وإنما سمى الله تعالى جبريل روحا وأضافه إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده، فسماه بذلك روحا، وأضافه إلى القدس، والقدس: هو الطهر كما سمي عيسى ابن مريم روحا لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده. وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أن معنى التقديس: التطهير، والقدس: الطهر من ذلك.

وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه... عن السدي، قال: القدس: البركة... حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: القدس: هو الربّ تعالى ذكره... قال ابن زيد: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: الله القدس، وأيّد عيسى بروحه. قال: نَعْتُ الله القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: {هُوَ اللّهُ الّذِي لا إلَهَ إِلاّ هُوَ المَلِكُ القُدّوسُ} قال: القدس والقُدّوس واحد.

{أفَكُلّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَرَيِقا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقا تَقْتُلُونَ}.

يعني جل ثناؤه بقوله: {أفَكُلّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوَى أنْفُسَكُمْ} اليهود من بني إسرائيل.

يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل، لقد آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج إذ بعثناه إليكم، وقوّيناه بروح القدس. وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم تجبرا وبغْيا استكبارَ إمامكم إبليس فكذبتم بعضا منهم، وقتلتم بعضا، فهذا فعلكم أبدا برسلي. وقوله: أفَكُلّما إن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب فهو بمعنى الخبر.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولاً بعد رسول، والجميع دَعَوْا إلى واحد. ولكنهم أصغَوْا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قَبلُوه، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه، فإذا كان الهوى صفتهم ثم عبدوه، صارت للمعبود صفات العابد، فلا جَرَمَ الويل لهم ثم الويل!...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم

{أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ} منهم بالحق {استكبرتم} عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك..

فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟ قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وفي {تهوى}، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{وآتينا عيسى ابن مريم البينات}، السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسل ثم فصل ذكر عيسى، لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{وآتينا عيسى ابن مريم}: أضاف عيسى إلى أمه رداً على اليهود فيما أضافوه إليه.

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب...} إن قلت: الخطاب لليهود وهم معترفون بنبوة موسى عليه السلام فما فائدة القَسم على ذلك؟ قلنا: فائدته التنبيه على مساواة غيره من الرسل الآتين بعده له في النبوة، وأن نبوتهم حق كما هي نبوة موسى عندهم حق. وهذه معجزة للنَّبي صلى الله عليه وسلّم، لأنّ القاعدة أن من ادّعى أمرا محالا لم يسمع منه، وإن ادعى أمرا ممكنا سمع منه وطلب بالدّليل على صحّته.

والدليل قسمان: جدلي برهاني للخواص، ودليل للعوام، فبين لهم أولا أنه ادّعى أمرا ممكنا، واستدلّ عليه لهم بدليل برهاني خاص بالخواص، ثم استدلّ لهم الآن بالدليل الّذي يفهمه العوام، وهو أنّه إنّما ادّعى أمرا تكرر أمثاله قبله فلم يأتكم بأمر غريب لم يسبق له، بل أتى بأمر تكرر لنظائره وجرت العادة به فهو ممكن عقلا، واقع أمثاله بالمشاهدة، فحقكم أن تنظروا في معجزته فتؤمنوا به.

فإن قلت: ما أفاد « مِن بَعْدِهِ» مع أنّ القبلية تفيد معنى البعدية؟ قلت: لإفادة أول أزمنة البعدية إشارة إلى أنّ موسى عليه السلام من حين أرسله لم تزل شريعته باقية معمولا بها حتى أرسل رسولا آخرا فكان مقرر لها كيوشع بن نون أو ناسخا كعيسى. وعين موسى وعيسى دون غيرهما إما لأن المخاطبين بهذه الآية اليهود والنصارى، أو لأن المتبعين لشريعة موسى وعيسى باقون قيام الساعة، ولم يبق أحد ممن تشرع بشريعة غيرهما من الأنبياء.

فإن قلت: لِم خصّص عيسى بذكر الآيات البينات؟ قلنا لوجهين:

إما لأنه بَشّر بنبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ} واستظهر على صحة قوله بمعجزات واضحات،

وإمّا لأنّ الخطاب لليهود وهم كافرون بعيسى، فمعناه أرسلنا من بعده موسى رسلا، منهم عيسى ورسالته، قام الدليل على صحتها، وأنها نسخت شريعة نبيكم موسى عليه الصلاة والسلام فكذلك هذه الرسالة.

{أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُكُمُ...}... قال ابن عرفة: هذا نهي عليهم، ومبالغة في ذمّهم، لأن ما لا تهواه النفس أعمّ مما تكرهه النّفس، والمعنى أنهم مهما أتاهم رسول من عند الله تعالى بأمر لا يحبونه سواء أكانوا يكرهونه أم لا، فإنّهم يستكبرون ويكفرون به ونظيره قوله تعالى في سورة العقود: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون} ولم يقل: ومن حكم بغير ما أنزل الله، فيتناول من ترك الحكم ولم يحكم بشيء، لأن الفصل بين المسلمين بالحق واجب...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخر منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.

[وقد] بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا. ولا يعرف التاريخ شعبا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار. وفي ناحية ما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم

{ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون كأنه يقول اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان...

[و إنما] ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح عليه السلام فقال {وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس}.

فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة. وقال الأستاذ الإمام: المراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة. وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم؛ وهو هو المراد بقوله تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الآية. ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه "الروح الأمين "لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معها التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن {نزل 26: 193، 194 به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين}...

وفي هذه الآية حجتان للنبي صلى الله عليه وسلم – حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاعتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال

{وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون}...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يمضي السياق يواجه بني إسرائيل بمواقفهم تجاه النبوات وتجاه الأنبياء... أنبيائهم هم، وما كان من سوء صنيعهم معهم كلما جاءوهم بالحق، الذي لا يخضع للأهواء لقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام، وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم...

فهنا يفضحهم القرآن ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم. ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم. وفيما تقدم واجههم بالكثير من مواقفهم مع نبيهم موسى -عليه السلام- وقد آتاه الله الكتاب. ويزيد هنا أن رسلهم توالت تترى، يقفو بعضهم بعضا؛ وكان آخرهم عيسى بن مريم. وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيده بروح القدس جبريل -عليه السلام- فكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى عليه السلام؟ كان هذا الذي يستنكره عليهم؛ والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرره وتشهد به:

(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم: ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون!)!...

ومحاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة. ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت -غير المصدر الإنساني المتقلب- مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى!

ولقد قص الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقا من الهداة وكذبوا فريقا. ضربهم الله بما ضرب به بني إسرائيل من قبل، من الفرقة والضعف، والذلة والهوان، والشقاء والتعاسة.. إلا أن يستجيبوا لله ورسله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن يأخذوه بقوة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان والتبرم والتعلل في قبول الشريعة وبما خالفوا من أحكام التوراة بعد موته إلى قرب مجيء الإسلام، إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس وأرمياء وداوود مؤيدين لشريعته ومفسرين وباعثين للأمة على تجديد العمل بالشريعة مع تعدد هؤلاء الرسل واختلاف مشاربهم في الدعوة لذلك المقصد من لين وشدة، ومن رغبة ورهبة، ثم جاء عيسى مؤيداً وناسخاً ومبشراً فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض والاستكبار وسوء الصنيع وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل مخالفة الحق أهواءَهم وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هاته العصور ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق ويتمحض للنصح.

وإن قوماً هذا دأبهم يرثه الخلف عن السلف لجديرون بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن تكذيبهم للدعوة المحمدية مكابرة وحسد حتى تنقطع حجتهم إذ لو كانت معاندتهم للإسلام هي أُولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لِمَا تبين لهم من بطلان فكان هذا مرتبطاً بقوله: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً} [البقرة: 40] ومقدمة للإنحاء عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا غُلف} [البقرة: 87]...

والاستكبار: الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم، فالسين والتاء في {استكبرتكم} للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر} [البقرة: 34]

وقوله: {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقاً أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقاً وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك} [هود: 9].

وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى: {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} [الأعراف: 30]. وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولاً لفعل في مقام التقسيم نحو {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 159].

والتفصيل راجع إلى ما في قوله: {رسول} من الإجمال لأن (كلما جاءكم رسول) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مراراً في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أَمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزَكرياء ويحيى ابنه وأرمياء...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل، وكيف نقضوا ميثاقا بعد ميثاق حتى ما يتعلق بسلامة جماعتهم، وحمايتهم لأنفسهم. بعد ذلك، ذكر استقبالهم للرسل، وكتبهم فقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل}، الكتاب الذي أنزله الله على موسى هو التوراة، وليس هو الذي يطلقون عليه اسم التوراة، أولا: لأنه يشتمل على أخبار الأنبياء من بعده داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذين جاءوا من بعده، فلا يمكن بالبداهة أن يكون قد نزل على موسى ما جاء بعده من أخبار نبيين جاءوا من بعده بمئات السنين، وثانيا: لأنهم حرفوا وغيروا وبدلوا ونسوا حظا كثيرا مما نقل إليهم، ولا يزالون يحرفون، ويغيرون ويبدلون، ويعبثون.

وإن الكتاب الذي نزل على موسى هي الأسفار الخمسة، وقد حرفوها وغيروا وبدعوا، ولا يزالون يفعلون. أتى الله تعالى موسى عليه السلام الكتاب الصادق، الذي هو حجة عليهم، وليس ما بأيديهم حجة لهم لأنهم كتبوه بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79)}...

وفي هذا المقام لا بد من ذكر أمرين:

أولهما – أن اليهود كفروا بهذه الآيات البينات، ولم يذعنوا للحق وحاولوا قتل المسيح عليه السلام، وأرادوا أن يكون في عداد النبيين الذين قتلوهم، ولكن الله تعالى حماه منهم، وادعى النصارى الذين جاءوا بعد المسيح عليه السلام أنهم قتلوه لأوهام توهموها، وأكاذيب اخترعها بولس الذي كان له عدوا مبينا.

الأمر الثاني – وهو لماذا كانت هذه البينات الخارقة للعادة للمسيح من بين سائر النبيين؟ وإن كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ما هو أجل وأعظم، وجاء مثلها على يديه، ولكنه لم يتحد بها، بل تحدى بالقرآن العظيم الخليقة كلها في كل أجيالها، ولا يزال يتحدى العصور إلى اليوم.

كانت معجزات عيسى أو بيناته كما عبر القرآن الكريم من هذا النوع؛ لأن اليهود ما كانوا يؤمنون إلا بالمادة ولا يعترفون بالروح في كتابهم، ولا في أنفسهم، ولا في دراساتهم الدينية في العصر الذي بعث الله تعالى عيسى عليه السلام فيه ولا العصر الذي قارنه وسبقه، فكان لا بد من أمر روحي يقرع حسهم وحالهم المادي فكان خلق عيسى عليه السلام، وكان أمرا خارقا للعادة مبطلا سلطان المادة، وكانت المعجزات كلها من الناحية الروحية فهو يخبرهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، وهو يبرئ الأكمه والأبرص وهو ينفخ في الطين فيكون طيرا، وهو يحيي الموتى، وهو يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله تعالى، والله تعالى ينزل المائدة فيأكلون منها، كما كان ينزل المن والسلوى على بني إسرائيل عند خروجهم من مصر، وهم يعيشون في سيناء.

هذا بالنسبة لبني لإسرائيل خاصة، أما بالنسبة للعقل البشري عامة الذي عاصر المسيح عليه السلام، وكان في القرون التي قبلها، فهو أنه عصر الفلسفة الأيونية التي تولدت منها الفلسفة اليونانية، وقد كان هذا العصر تسوده فلسفة الأسباب والمسببات فلكل شيء سبب عادي، وكل سبب هو سبب لشيء وأتبع سببا، فالوجود كله يؤثر بعضه في بعض، فالولد يكون من أب وأم، يكون من أصلاب الآباء وبطون الأمهات، والأبرص والأكمه لا يشفيان، ولا يمكن أن يعود الميت حيا، ولا أن يخرج الأموات من قبورهم، وهكذا فكان لا بد من قوارع تبين أن الأسباب والمسببات من الله، الله تعالى أبدعها بديع السموات والأرض، وهو يغيرها، وهو الفعال لما يريد. لقد تطاولوا حتى قالوا: إن الوجود منشأ من موجده بنظام الأسباب والمسببات، فهو وجد منه وجود المعلول من علته، فهو ليس مختارا حتى في وجوده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فهو القادر المختار المريد العليم السميع البصير، ليس كمثله شيء وهو فعال لما يريد. كانت معجزات عيسى عليه السلام قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها، فتعالى الله، وتقدست ذاته وتنزهت صفاته...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

ومما يستلفت النظر في هذا المقام ورود اسم (عيسى المسيح) إلى جانب اسم (موسى الكليم) لأول مرة في سورة البقرة، وفي ذلك تقرير لتسلسل الرسالات المنزلة من عند الله وتماسك حلقاتها، وتأكيد لترابطها وتكاملها، وإقامة للحجة على بني إسرائيل الذين أنكروا رسالة جميع الرسل بعد موسى، منذ عيسى بن مريم إلى محمد بن عبد الله...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} (87)

{ وقفينا من بعده بالرسل } أي : جئنا من بعده بالرسل ، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول .

{ بالبينات } المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك .

{ روح القدس } جبريل ، وقيل : الإنجيل ، وقيل : الاسم الذي كان يكنى به الموتى ، والأول أرجح لقوله :{ قل نزله روح القدس }[ النحل : 102 ] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان : " اللهم أيده بروح القدس " .

{ تقتلون } جاء مضارعا مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} (87)

ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال : { ولقد{[3454]} } باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام ، و " قد " {[3455]} هي لوقوع مرتقب مما كان خبراً أو مما سيكون علماً - قاله الحرالي . { آتينا } أي{[3456]} بعظمتنا{[3457]} { موسى الكتاب } أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين ، فلم ندعكم هملاً بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب{[3458]} { وقفينا }{[3459]} من التقفية{[3460]} وهي متابعة شيء شيئاً كأنه يتلو قفاه ، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي : { من بعده } أي بعد موسى{[3461]} { بالرسل } أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا{[3462]} من بعده إرسال الرسل مواترة ، وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر{[3463]} من المرسل إلى المرسل إليه { وآتينا } بما{[3464]} لنا من العظمة{[3465]} { عيسى }{[3466]} اسم معرب ، أصله يسوع{[3467]} { ابن مريم }{[3468]} الذي أرسلناه{[3469]} لنسخ بعض التوراة وتجديد ما درس من بقيتها { البينات } من الآيات العظيمة التي{[3470]} لا مرية فيها{[3471]} لذي عقل{[3472]} ، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي : { وأيدناه } أي قويناه{[3473]} على ذلك كله ، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة ، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه ، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر ، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته ، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي : { بروح القدس } أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره{[3474]} من أولي العزم . قال الحرالي : والروح لمحة من لمحات أمر الله ، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكاً وملكوتاً ، فما هو قوام الخلق كله ملكاً وملكوتاً هو الأمر{ ألا له الخلق والأمر }

، [ الأعراف : 54 ] ، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر ؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصاً حملة العرش بعالم الملك وخصوصاً أمر الدين الباقي سماهم الله روحاً{[3475]} ، ومن أخصهم روح القدس ، والقدس الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم ، ومن أخص الروح به جبريل عليه السلام بما له من روح الأمر الديني ، وإسرافيل عليه السلام {[3476]}بما له من روح النفخ الصوري - انتهى . وقد كان لعيسى عليه السلام{[3477]} بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى ؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود ، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار ، ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه .

ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصاً من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها ، قال متى - ومعظم السياق له : فلما سمع يسوع{[3478]} أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى{[3479]} إلى الجليل{[3480]} وترك الناصرة وجاء وسكن كَفَرناحوم{[3481]} التي على ساحل البحر في تخوم{[3482]} زابلون{[3483]} وبغتاليم{[3484]} ليكمل ما قيل في أشعيا النبي إذ يقول : أرض زابلون{[3485]} أرض بغتاليم{[3486]} طريق البحر عبر{[3487]} الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً الجلوس في الكورة وظلال الموت نوراً أشرق عليهم ، ومن ذلك الزمان بدأ يسوع{[3488]} يكرز{[3489]} ويقول : توبوا فقد اقتربت ملكوت السماوات . وقال مرقس : بعد حبس{[3490]} يوحنا وافى يسوع{[3491]} إلى الجليل{[3492]} يكرز{[3493]} بإنجيل ملكوت الله قائلاً : قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله ! فتوبوا وآمنوا بالإنجيل . قال متى : وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر لأنهما كانا صيادين ، فقال لهما : اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس وللوقت تركا شباكهما وتبعاه ؛ وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في سفينة مع أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما ، فللوقت تركا السفينة وأباهما زبدي وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا الآتية في آل عمران : هذا كان في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد ، ومن الغد نظر يسوع مقبلاً إليه فقال : هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم ! هذا ذلك الذي قلت من أجله : إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر لإسرائيل ، من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء ؛ وشهد يوحنا وقال : إني رأيت الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم أعرفه ، لكن من أرسلني لأعمد بالماء هو الذي قال : الذي ترى الروح ينزل ويثبت عليه هو يعمد بروح القدس .

وأنا عاينت وشهدت : وفي الغد كان يوحنا واقفاً واثنان من تلاميذه فنظر يسوع{[3494]} فقال : هذا حمل الله ! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع{[3495]} ، فالتفت يسوع{[3496]} فرآهما يتبعانه فقال لهما : ماذا تريدان ؟ قالا{[3497]} له : ربي - الذي تأويله يا معلم - أين تكون ؟ فقال لهما : تعاليا لتنظرا ، فأتيا وأبصرا موضعه أين يكون ، وأقاما عنده يومهما ذلك وكان نحو عشر ساعات ، وإن واحداً من اللذين سمعا من يوحنا وتبعا يسوع{[3498]} كان اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر أولاً سمعان أخاه وقال له : قد وجدنا مسياً - الذي تأويله المسيح - فجاء به إلى يسوع{[3499]} ؛ فلما نظر إليه يسوع{[3500]} قال له : أنت سمعان بن يونان الذي يدعى الصفا - الذي تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج إلى الجليل فلقي فيليس ناتاناييل{[3501]} وقاله له : الذي كتب موسى من أجله في الناموس والأنبياء{[3502]} وجدناه وهو يسوع{[3503]} الذي من الناصرة ، فقال له : ناتاناييل{[3504]} هل يمكن أن يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح ؟ فقال له فيليس : تعال وانظر ، فلما رأى يسوع ناتاناييل{[3505]} مقبلاً إليه قال : من أجله هذا حقاً إسرائيلي لا غش فيه ، فقال له{[3506]} ناتاناييل{[3507]} : من أين تعرفني ؟ فقال له{[3508]} يسوع : قبل أن يدعوك فيليس وأنت تحت التينة{[3509]} رأيتك فقال له : يا معلم ! أنت هو ملك إسرائيل ، قال له يسوع : لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا ، وقال له : الحق الحق أقول لكم ، إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ويصعدون على ابن البشر . وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا{[3510]} الجليل وكانت أم يسوع هناك ودُعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ ، فقالت أم يسوع له : ليس لهم خمر ، فقال لها يسوع : ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ساعتي بعد ؟ فقالت أمه للخدام : افعلوا ما يأمركم به ، وكان هناك ستة أجاجين من حجارة موضوعة لتطهير اليهود تسع{[3511]} كل واحدة{[3512]} مطرين أو ثلاثة ، فقال لهم يسوع : املؤوا الأجاجين ماء ، فملؤوها إلى فوق ، وقال لهم : اغرفوا الآن وناولوا{[3513]} رئيس السقاة ، فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء المتحول خمراً لم يعلم من أين هو ، فدعا رئيس السقاة العريس وقال له : كل إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد أولاً فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت أبقيت الجيد إلى الآن ! هذه الآية الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده وآمن به تلاميذه .

وبعد هذا انحدر{[3514]} إلى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك أياماً يسيرة ؛ ثم قال : وعلم السيد يسوع أن الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ تلاميذ كثيرة وأنه يعمد أكثر من يوحنا إذ ليس هو يعمد بل تلاميذه فترك اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر على موضع السامرة ، فأقبل إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب القرية التي كان يعقوب وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب وكان يسوع قد عيى من تعب الطريق ، فجلس على البئر في ست ساعات ، فجاءت امرأة من السامرة تستقي ماء ، فقال لها يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى المدينة ليبتاعوا لهم طعاماً - فقالت له تلك المرأة : كيف وأنت يهودي تستقي الماء وأنا امرأة سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة ! أجاب يسوع وقال لها : لو كنت تعرفين عطية الله ومن هذا الذي قال لك : ناوليني أشرب ، لكنت أنت تسألينه أن يعطيك ماء الحياة ! قالت المرأة : يا سيد ! إنه لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك ماء الحياة ؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر ومنها شرب هو وبنوه وماشيته ! فقال لها : كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً ، فأما من يشرب من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد ، قالت المرأة : يا سيد ! أعطني من هذا الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي من ههنا ، فقال : انطلقي وادعي زوجك وتعالي إلى هاهنا ، قالت : ليس لي زوج ، قال لها : حسناً قلت : إنه لا بعل لي ، لأنه قد كان لك{[3515]} خمسة بعولة والذي هو لك الآن ليس هو زوجك ، أما{[3516]} هذا فحقاً قلت ، قالت : يا سيد ! إني أرى أنك نبي{[3517]} ، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون : إنه ياروشليم{[3518]} المكان الذي{[3519]} ينبغي أن يسجد فيه ، قال : أيتها المرأة ! آمني به{[3520]} ، إنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في يروشليم يسجدون للأب ، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم ، لكن ستأتي ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون{[3521]} يسجدون{[3522]} بالروح والحق ، و{[3523]} {[3524]}الرب إنما يريد مثل هؤلاء الساجدين ، والذين يسجدون له بالروح والحق{[3525]} ينبغي أن يسجدوا ، قالت المرأة : قد علمت أن مَسيا الذي هو المسيح يأتي ، فإذا جاء ذاك فهو يعلمنا كل شيء ، فقال : أنا هو الذي أكلمك{[3526]} وفي هذا جاء تلاميذه وتعجبوا من كلامه مع امرأة ولم يقل أحد : ماذا تريد ولم تكلمها{[3527]} فتركت المرأة جرّتها ومضت إلى المدينة وقالت{[3528]} للناس{[3529]} : تعالوا انظروا رجلاً أعلمني كل ما فعلت ، لعل هذا هو المسيح ، فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوه ؛ وفي هذا سأله تلاميذه قائلين : يا معلم ! كل ، فقال : إن لي طعاماً لا تعرفونه{[3530]} أنتم ، فقالوا فيما بينهم : لعل إنساناً وافاه بشيء فطعمه ، فقال : طعامي أنا ان أعمل مسرة{[3531]} من أرسلني وأتم عمله أليس أنتم تقولون : إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر ، وأنا قائل لكم : ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد ، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة ، والزارع والحاصد يفرحان معاً ، لأنه في هذا توجد كلمة الحق ، إن واحداً يزرع وآخر{[3532]} يحصد ، أنا أسألكم تحصدون شيئاً ليس أنتم تعبتم فيه بل آخرون تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك ؛ فآمن به في تلك المدينة سامريون كثيرون{[3533]} من أجل كلمة تلك المرأة ، ولما صار إليه السامريون طلبوا إليه أن يقيم{[3534]} عندهم ، فمكث عندهم يومين فآمن به كثير ، وكانوا يقولون للمرأة : لسنا من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن{[3535]} هذا هو المسيح بالحقيقة مخلص العالم .

وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ومضى من هناك ، لأنه شهد أن النبي لا يكرم في{[3536]} مدينته ، ولما صار إلى الجليل قبله الجليليون{[3537]} ، لأنهم عاينوا كل ما عمل بايروشليم{[3538]} في العيد ؛ ثم جاء يسوع حيث صنع الماء خمراً وكان في كفرناحوم عند الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد جاء من يهودا إلى الجليل ، فمضى إليه وسأله أن ينزل ويبرىء{[3539]} ولده{[3540]} ، لأنه قد كان قارب الموت ، فقال له يسوع : إن لم تعاينوا الآيات والأعاجيب لا تؤمنون{[3541]} ، فقال له الملك : انزل يا سيد قبل أن يموت فتاي ، قال{[3542]} له يسوع : امض فابنك حي ، فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع ومضى ، وفيما هو ماض استقبله غلمانه وبشروه بأن ابنه قد عاش ، فسألهم : في أي وقت ؟ فقالوا له : أمس في الساعة السابعة تركته الحمى ، فعلم أبوه أنه في تلك الساعة{[3543]} التي قال له يسوع فيها : إن ابنك قد حيي ، فآمن هو وبيته بأسره{[3544]} ؛ وهذه أيضاً آية ثانية عملها{[3545]} يسوع لما جاء من يهودا إلى الجليل . قال مرقس : فأقبل إلى كفرناحوم وبقي يعلم في مجامعهم يوم السبت ، فتعجبوا من تعليمه لأنه كان كالمسلط . وقال متى : وكان يسوع يطوف في كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز{[3546]} ببشارة الملكوت ويبرىء كل برص ووجع في الشعب ، فخرج خبره في جميع الشام فقدم{[3547]} إليه كل من به أصناف الأمراض والأوجاع المختلفة والذين بهم الشياطين والمعترين{[3548]} في رؤوس الأهلة والمخلعين فأبرأهم ، وتبعه جموع كثيرة{[3549]} من الجليل والعشرة المدن ويروشليم واليهودية وعبر الأردن ، فلما أبصر الجميع{[3550]} صعد إلى الجبل وجلس{[3551]} ، وجاء إليه تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلاً : طوبى للمساكين بالروح ! فإن لهم ملكوت السماوات ، طوبى للحزانى{[3552]} ! فإنهم يعزون ، طوبى للمتواضعين ! فإنهم يرثون الأرض ، طوبى للجياع والعطاش من أجل البر ! فإنهم يشبعون ، طوبى للرحماء ! فإنهم يرحمون ، طوبى للنقية قلوبهم ! فإنهم يعاينون الله ، طوبى لفاعلي{[3553]} السلامة ! فإنهم بني الله يُدعون ، طوبى للمطرودين من أجل البر ! فإن لهم ملكوت السماوات{[3554]} طوبى لكم{[3555]} إذا طردوكم وعَيَّروكم وقالوا فيكم كل كلمة شر من أجلي ؛ افرحوا وتهللوا ، فإن أجركم عظيم في السماوات{[3556]} ، لأن هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم{[3557]} . وقال لوقا{[3558]} : هكذا كان آباؤكم{[3559]} يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء ! لأنكم قد أخذتم عزاكم{[3560]} ، الويل لكم أيها الشباعى الآن ! فإنكم ستجوعون ؛ الويل لكم أيها الضاحكون الآن ! فإنكم ستبكون وتحزنون ، الويل لكم إذا قال الناس فيكم قولاً حسناً ! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني المتنبئين - وفيه من الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل{[3561]} الله والأب ، وقوله : بني الله ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل هذا على تقدير صحته عنه{[3562]} وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ التي وردت في شرعنا ورددناها إلى المحكم ، وضل بها من حملها على ظاهرها ممن يدعي الإسلام والله الموفق . {[3563]}

ولما{[3564]} كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات ، فتسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال : { أ{[3565]} فكلما } {[3566]}أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما{[3567]} { جاءكم رسول } أي من عند الله ربكم { بما{[3568]} لا تهوى أنفسكم } من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى{[3569]} الروح لمنبعث انبساطه ، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب ، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار ، وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية{[3570]} الكون علواً وسفلاً - قاله الحرالي : {[3571]}وقد دل على أن المراد الباطل{[3572]} بالتعبير بالهوى والنفس { استكبرتم{[3573]} } {[3574]}أي طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم{[3575]} عن قبول الحق ميلاً إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على الدوام على اتباعه { ففريقاً } أي فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقاً { كذبتم } كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام { وفريقاً تقتلون } أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف الأنفس{[3576]} عن الهوى{[3577]} لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو{[3578]} ضد هوى{[3579]} النفس ؛ والظاهر{[3580]} أنه سبحانه أشار{[3581]} بهذه الصيغة المستقبلة{[3582]} إلى قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً .


[3454]:وفي البحر المحيط: ومناسبة هذا لما قبله أن إيتاء موسى الكتاب هو نعمة لهم إذ فيه أحكامهم وشرائعهم ثم قابلوا تلك النعمة بالكفران، وذلك جرى على ما سبق من عادتهم إذ قد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء فخالفوا أمر الله ونهيه، فناسب ذكر هذه الآية قبلها. والإيتاء والإعطاء، فيحتمل أن يراد به الإنزال لأنه أنوله عليه جملة واحدة، ويحتمل أن يراد آتيناه، أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، فكون على حذف مضاف آتينا موسى علم الكتاب أو فهم الكتاب – انتهى كلامه.
[3455]:زيد في الأصل و م ومد "و" ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها
[3456]:زيد من م ومد
[3457]:سقط من ظ
[3458]:قال علي المهائمي: ثم أشار إلى أنه لو هان عليهم العذاب بالقتل والإخراج والمعاونة فكيف يهون على نقض ميثاق الإيمان بالرسل الذي هو يمنزلة التوحيد وعلى قتلهم فقال {ولقد آتينا موسى الكتاب} المشتمل على المواثيق كلها وآكدها الإيمان بالرسل الذسن يأتون بعده –انتهى كلامه
[3459]:العبارة من هنا إلى "الحالي" ليست في م
[3460]:وفي البحر المحيط 1/ 296: قفوت الأثر اتبعته؛ والأصل أن يجيء الإنسان تابعا لقفا الذي اتبعه، ثم توسع فيه حتى صار لمطلق الاتباع وإن بعد زمان المتبوع من زمان التابع، وقال أمية: قالت لأخت له قصية عن جنب وكيف تقفو ولا سهل ولا جدد
[3461]:قال أبو حيان {من بعده} لابتداء الغاية وهو ظاهر لأنه يحكي أن موسى لم يمت حتى نبئ يوشع
[3462]:من م ومد، وفي الأصل: وأترناه، وفي ظ: وأترمنا
[3463]:في مد: من
[3464]:ليست في ظ
[3465]:ليست في ظ
[3466]:ليست في مد. قال أبو حيان: عيسى ابن أعجمي، علم لا يصرف للعجمة والعلمية، ووزنه عند سيبويه فعلى والياء فيه ملحقة ببنات الأربع بمنزلة ياء معزى – يعني بالياء الألف سماها ياء لكتابتهم إياها ياء؛ وقال أبو علي: وليست للتأنيث كالتي في ذكرى بدلالة صرفهم له في النكرة
[3467]:ليست في مد. قال أبو حيان: عيسى ابن أعجمي، علم لا يصرف للعجمة والعلمية، ووزنه عند سيبويه فعلى والياء فيه ملحقة ببنات الأربع بمنزلة ياء معزى – يعني بالياء الألف سماها ياء لكتابتهم إياها ياء؛ وقال أبو علي: وليست للتأنيث كالتي في ذكرى بدلالة صرفهم له في النكرة
[3468]:مريم باللسان السري يأتي معناه الخادم، وسميت به أم عيسى فصار علما فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ومريم باللسان العربي من النساء كالزيد في الرجال ربه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه والزير الذي يكثر خلطة النساء وزيارتهن
[3469]:في م: أرسلنا
[3470]:في ظ: لا مزية فيما، وفي م: لا مزية فيها
[3471]:في ظ: لا مزية فيما، وفي م: لا مزية فيها
[3472]:وهي الحجج الواضحة الدالة على نبوته، فيشمل كل معجزة أو تيها عيسى عليه السلام. وهذا هو الظاهر، وقيل: الإنجيل، وقيل: الإنجيل، وقيل: الحجج التي أقامها الله على اليهود... وأجمل الله ذكر الرسل وفضل ذكر عيسى لأن من قبله كانوا متبعين شريعة موسى –قاله أبو حيان الأندلسي (1/ 299).
[3473]:{وأيدناه} قرأه الجمهور على وزن فعلناه، وقرأ مجاهد والأعرج وحميد وابن محيصن وحسين عن أبي عمرو "أايدناه" على وزن أفعلناه... وفرق بعضهم بينهما فقال: أما المد فمعناه والقوة، وأما لقصر فالتأييد والنصر، والأصح أنهما بمعنى قويناه وكاهما من الأيد وهو القوة –قاله أبو حيان الأندلسي.
[3474]:العبارة من هنا إلى "فلما سمع يسوع" ليست في م
[3475]:وفي البحر المحيط: والروح هنا اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى عليه السلام يحي الموتى –قاله ابن عباس، أو الإنجيل كما سمى الله القرآن أن روحا، قال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} قاله ابن زيد، أو الروح التي نفخها تعالى في عيسى عليه السلام، أو جبريل عليه السلام –قاله قتادة والسدى والضحاك والربيع ونسب هذا القول لابن عباس –قاله ابن عطية، وهذا أصح الأقوال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: اهج قريشا وروح القدس معك، ومرة قال له: وجبريل معك –انتهى كلامه، قالوا: ويقوى ذلك قوله تعالى "إذ أيدتك بروح القدس" وقال حسان: وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء وتسمية جبريل بذلك لأن الغالب على جسمه الروحانية وكذلك سائر الملائكة، أو لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح، فإنه هو المتولي لإنزال الوحي؛ أو لتكوينه روحا من غير ولادة تأييد الله عيسى بجبريل عليهما السلام لإظهار حجته وأمر دينه، أو لدفع اليهود عنه إذ أرادوا قتله، أو في جميع أحواله؛ واختار الزمخشري أن معناه بالروح المقدسة، كما يقال حاتم الجود ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال "وروح منه" فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة –انتهى. وقد تقدم معنى القدس أنه الطهارة والبركة، وقال مجاهد والربيع: القدس من أسماء الله تعالى كالقدوس، قالوا: وإطلاق الروح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى اسم الله الأعظم مجاز، لأن الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان في منافذه، ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك، إلا أن كلا منها أطلق الروح عليه على سبيل التشبيه، من حيث أن الروح سبب للحياة، فجبريل هو سبب حياة القلوب بالعلوم، والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها والاسم الأعظم سبب لأن يتوصل به إلى تحصيل الأغراض؛ والمشابهة بين جبريل والروح أتم ولأن هذه التسمية فيه أظهر، ولأن المراد من "أيدناه" قويناه وأعناه و إسنادها إلى جبريل حقيقة وإلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز، ولأن اختصاص عيسى بجبريل من آكد وجوه الاختصاص، إذ لم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك، لأنه هو الذي بشر مريم بولادته، وتولد عيسى بنفخه، ورباه في جميع الأحوال، وكان يسير معه حيث سار، وكان معه حيث صعد إلى السماء.
[3476]:ليست في ظ
[3477]:ليست في ظ
[3478]:في ظ: يشوع
[3479]:في ظ: مطى
[3480]:في م: الجبل، وجبل الجليل بالقرب من دمشق –راجع معجم البلدان
[3481]:مدينة في فلسطين
[3482]:من ظ و م ومد بمعنى الحدود، وفي الأصل: تحوم
[3483]:كذا، وزبولون منطقة في شمالي فلسطين
[3484]:كذا في الأصل، و في ظ: يفتليم، في م ومد، يفتالهم
[3485]:كذا، وزبولون منطقة في شمالي فلسطين
[3486]:كذا في الأصل، و في ظ: يفتليم، في م ومد، يفتالهم
[3487]:من ظ و ومد، وفي الأصل: غبر
[3488]:في ظ: يشوع
[3489]:من ظ ود: أي يعظ وينادي، وفي الأصل و م: يكرر -كذا
[3490]:في م: جلس
[3491]:في ظ: يشوع
[3492]:في م: الجبل، وجبل الجليل بالقرب من دمشق –راجع معجم البلدان
[3493]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: يكرر.
[3494]:في ظ ومد: يشوع
[3495]:في ظ ومد: يشوع
[3496]:في ظ ومد: يشوع
[3497]:في م: فقالا
[3498]:في ظ ومد: يشوع
[3499]:في ظ ومد: يشوع
[3500]:في ظ ومد: يشوع
[3501]:هكذا في الأصل و ظ، وفي م: باباناييل، وفي مد: ناتاييل.
[3502]:في ظ ومد: يشوع
[3503]:في م: باباتيل، وفي مد: ناتاييل.
[3504]:في م ومد: ناتاييل
[3505]:في م ومد: ناتاييل.
[3506]:ليس في م
[3507]:في مد: ناتاييل
[3508]:ليس في م ومد
[3509]:العبارة من هنا إلى كلمة "التينة" الآتية في م.
[3510]:من م ومد، وفي الأصل: فانا، وفي متن ظ: يوقانا، وبهامشه: أي مدينة.
[3511]:في م ومد: يسع
[3512]:في مد/ واحد
[3513]:من م ومد و ظ، وفي الأصل، تاولوا -كذا
[3514]:في ظ –انحر –كذا.
[3515]:في م: لي
[3516]:في م: فأما
[3517]:في م: بني -كذا
[3518]:في مد: يارشليم، وفي معجم البلدان: أو ريشليم، وفيه اختلاف فراجعه
[3519]:زاد في م: لا
[3520]:ليس فيظ و مد
[3521]:من م ومد. و م وفي ظ: المحققون، وفي الأصل: المحقون – كذا.
[3522]:زاد في م: له.
[3523]:في ظ و م: لان
[3524]:ليست في ظ
[3525]:ليست في ظ
[3526]:في م: يكلمك
[3527]:في م: يكلمها
[3528]:زيد في الأصل: تعالوا، ولم تكن الزيادة في م مد و ظ فحذفناها
[3529]:ليس في م
[3530]:في ظ: لا تعرض له.
[3531]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: مسيرة.
[3532]:في مد: الآخر.
[3533]:من ظ، وفي الأصل و م ومد: كثير.
[3534]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: تقيم.
[3535]:ليس في ظ
[3536]:في م: و
[3537]:في ظ: الجليلون
[3538]:في م: باويرشليم –راجع معجم البلدان.
[3539]:في مد: يرى
[3540]:ليس في م
[3541]:في م: لا تموتون.
[3542]:في م ومد: فقال
[3543]:ليس في م
[3544]:في م ومد: بأمره
[3545]:في ظ: علمها
[3546]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يكرر - كذا
[3547]:من م، وفي الأصل ومد و ظ: فقدموا
[3548]:في م: المعتزين، وفي مد: المعتزين -كذا
[3549]:من م، وفي الأصل: ومد و ظ: كثير
[3550]:في م وفي مد: الجمع
[3551]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: صعد -كذا
[3552]:هكذا في لأصل و ظ، وفي م: للحزانا، وفي مد: للحزانا –كذا؛ والحزانى جمع حزين، من حزنه الأمر يحزنه حزنا جعله حزينا أو جعل فيه حزنا –قطر المحيط 1/ 396.
[3553]:في م فقط: لفاعل
[3554]:زيد في م: والأرض
[3555]:زيد من م
[3556]:زاد في ظ: و
[3557]:في م: وقالوا لو قال -كذا
[3558]:في م: وقالوا لو قال- كذا
[3559]:من ظ، وفي الأصل و م ومد: آباؤهم
[3560]:في ظ: عزكم
[3561]:كذا في الأصول، ولعله: مثل
[3562]:ليس في مد
[3563]:زاد في م: كما أيدنا به غيره من أولي العزم- قاله الحرالي، والروح لمحمد من لمحات أمر الله وأمر الله قيوميته لفي كلمة خلقه ملكا وملكوتا، فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكوتا هو أمر "إلا له الخلق والأمر" وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر؛ ولقيام عامة الملكوت وخصوصا حملة العرش بعالم الملك وخصوصا أمر الدين الباقي سماهم الله روحا ومن اخصهم روح القدس الطهارة العلية التي لا يلحقها نجس على ما تقدم به ومن أخص الروح به جبريل عليه السلام بما له من روح الأمر الديني وإسرافيل عليه السلام بما له من روح النفخ الصوري –انتهى. وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيي من الموتى ولم تزالوا في أحد جميع من ذكر ناقضين للعهود، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار، ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه في ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصا من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها. قال متى ومعظم السياق له: فلما سمع يسوع وكان هذا حالهم.
[3564]:ليس في م
[3565]:وقال أبو حيان الأندلسي: الهمزة أصلها للاستفهام وهي هنا للتوبيخ والتقريع، والفاء لعطف الجملة على ما قبلها، واعتنى بحرف الاستفهام فقدم والأصل: فأكملها
[3566]:هذه العبارة ليست في ظ
[3567]:هذه العبارة ليست في ظ
[3568]:ما موصولة والعائد محذوف أي لا تهواه، وأكثر استعمال الهوى فما ليس بحق ومنه هذه الآية، وأسند الهوى إلى النفس ولم يسند إلى ضمير المخاطب فكأن يكون بما لا تهوون إشعارا بأن النفس يسند إليها غالب الأفعال السيئة –قاله أبو حيان (1/ 300).
[3569]:في مد: مستقلي- كذا
[3570]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كلية -كذا
[3571]:العبارة من هنا إلى "والنفس" ليست في ظ
[3572]:في م: الباطن
[3573]:{استبكرتم} استفعل هنا بمعنى تفعل وهو أحد معاني استفعل، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر بأنه سفه الحق وغمط الناس، والمعنى قيل استكبرتم عن إجابته احتقارا للرسول أو استبعادا للرسالة وفي ذلك ما كانوا عليه من طبيعة الاستكبار الذي هو محل النقائص ونتيجة الإعجاب وهو نتيجة الجهل بالنفس المقارن للجهل بالخالق وإن ذلك كان يتكرر منهم بتكرر مجيء الرسل إليهم، وهو كما ذكرنا استكبارا بمعنى التكبر وهو مشعر بالتكلف والتفعل لدلك لا أنهم يصيرون بذلك كبراء عظماء بل يتفعلون ذلك ولا يبلغون حقيقته لأن الكبرياء إنما هي لله تعالى فمحال أن يتصف بها غيره حقيقة –قاله أبو حيان
[3574]:ليست في ظ
[3575]:ليست في ظ
[3576]:ليس في م
[3577]:ليس في م
[3578]:ليس في م
[3579]:ليس في م
[3580]:في م ومد: إنه أشار سبحانه
[3581]:في م ومد: إنه أشار سبحانه
[3582]:قال أبو حيان في البحر المحيط 1/ 300: وأتى بفعل القتل مضارعا إما لكونه حكيت به الحال الماضية إن كانت أريدت فاستحضرت في النفوس وصور حتى كأنه ملتبس به مشروع فيه، ولما فيه من مناسبة رؤس الآي، وإما لكونه مستقبلا لأنهم يرومون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك سحروه وسموه... وكان في ذلك على هذا الوجه تنبيه على أن عادتهم قتل أنبيائهم لأن هذا النبي المكتوب عندهم في التوراة والإنجيل وقد أمروا بالإيمان والنصر له يرومون قتله فكيف من لم يكن فيه تقدم عهد من الله فقتله عندهم أولى –انتهى.