جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{الّذِينَ اسْتَجَابُواْ للّهِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}
يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول، من بعد ما أصابهم الجراح والكلوم وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب العدو أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد، وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليري الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم...
عن محمد بن إسحاق، قال: ثني حسان بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أُحُد السبت للنصف من شوال فلما كان الغد من يوم أُحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك! فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوههم عن عدوهم...
قال: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أُحُدا، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحدا أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا منه، فكنت إذا غلب حملته عُقْبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثا: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة... قال: فقال الله تبارك وتعالى: {الّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ والرّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصابهُمُ القَرْحُ}: أي الجراح، وهم الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أُحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من ألم الجراح. {للّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُمْ واتّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ}.
عن السديّ: انطلق أبو سفيان منصرفا من أُحد حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا، وقالوا: بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا واستأصلوهم! فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا. فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جلّ ثناؤه فيهم: {الّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ والرّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصابهُمُ القَرْحُ}...
فوعد تعالى ذكره مُحسِنَ من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ والرّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصابهُمُ القَرْحُ} إذا اتقى الله فخافه، فأدّى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره أجرا عظيما، وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم، على ما قدّم من صالح أعماله في الدنيا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية قيل: أجابوا لله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم على ما دعاهم إليه، وأطاعوا في ما أمرهم به {من بعد ما أصابهم القرح} أي الجراحة قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأحد القروح والجراحات فأجابوه، فذلك قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية. وقوله تعالى: {للذين أحسنوا منهم} في الإجابة بعد ما أصابتهم الجراحة وشهدوا القتال معه {واتقوا} الخلاف له وترك الإجابة، ويحتمل اتقوا النار وعقوبته {أجر عظيم} في الجنة وثواب جزيل والله أعلم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
قال الأستاذ الإمام: ذكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم وفضل عليهم في أنفسهم، وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبا لا يكتنه كنهه في هذه الدار. ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو وليس عندي في ذلك عنه غير هذا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
بعد تقرير هذه الحقيقة الكبيرة يتحدث عن "المؤمنين "الذين يستبشر الشهداء في الموقعة بما هو مدخر لهم عند ربهم، فيعين من هم؛ ويحدد خصائصهم وصفاتهم وقصتهم مع ربهم:
(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا. وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم)..
إنهم أولئك الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخروج معه كرة أخرى غداة المعركة المريرة. وهم مثخنون بالجراح. وهم ناجون بشق الأنفس من الموت أمس في المعركة. وهم لم ينسوا بعد هول الدعكة، ومرارة الهزيمة، وشدة الكرب. وقد فقدوا من أعزائهم من فقدوا، فقل عددهم، فوق ما هم مثخنون بالجراح!
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم. ودعاهم وحدهم. ولم يأذن لأحد تخلف عن الغزوة أن يخرج معهم -ليقويهم ويكثر عددهم كما كان يمكن أن يقال!- فاستجابوا.. استجابوا لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي دعوة الله -كما يقرر السياق وكما هي في حقيقتها وفي مفهومهم كذلك- فاستجابوا بهذا لله والرسول (من بعد ما أصابهم القرح)، ونزل بهم الضر، وأثخنتهم الجراح.
لقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وحدهم. وكانت هذه الدعوة وما تلاها من استجابة تحمل إيحاءات شتى، وتومئ إلى حقائق كبرى، نشير إلى شيء منها:
فلعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شاء ألا يكون آخر ما تنضم عليه جوانح المسلمين ومشاعرهم، هو شعور الهزيمة، وآلام البرح والقرح؛ فاستنهضهم لمتابعة قريش، وتعقبها، كي يقر في أخلادهم إنها تجربة وابتلاء، وليست نهاية المطاف. وأنهم بعد ذلك أقوياء، وأن خصومهم المنتصرين ضعفاء، إنما هي واحدة وتمضي، ولهم الكرة عليهم، متى نفضوا عنهم الضعف والفشل، واستجابوا لدعوة الله والرسول.
ولعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شاء في الجانب الآخر ألا تمضي قريش، وفي جوانحها ومشاعرها أخيلة النصر ومذاقاته. فمضى خلف قريش بالبقية ممن حضروا المعركة أمس؛ يشعر قريشا أنها لم تنل من المسلمين منالا. وأنه بقي لها منهم من يتعقبها ويكر عليها..
وقد تحققت هذه وتلك كما ذكرت روايات السيرة.
ولعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شاء أن يشعر المسلمين، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض.. حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها. ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية في أنفسهم لا يبذلونها لها، ولا يقدمونها فداها..
لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها -بعد أن يشعر المؤمنين- بقيام هذا الأمر الجديد، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {الذين استجابوا لله والرسول} صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر أُحُد من الأرجاف بأنّ المشركين، بعد أن بلغوا الرّوحاء، خطر لهم أنْ لو لحقوا المسلمين فاستأصلوهم. وقد مرّ ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي عند قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم} [آل عمران: 149]. وقد تقدّم القول في القرح عند قوله: {إن يمسسكم قرح} [آل عمران: 140]. والظاهر أنَّه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}.
أصل استجابوا: طلبوا الإجابة، والمعنى هنا انهم عالجوا انفسهم وطلبوا إجابة داعي الله إلى النصر، فأجابوا، فالاستجابة لن السين والتاء للطلب تدل على انهم راضوا نفسهم على إجابة الله تعالى، ونالوا ذلك الشرف العظيم؛ إذ أجابوا داعي الله ورسوله من بعد ما أصابهم ذلك الجرح ولم ينهنه من قوتهم، بل استرسلوا في قوة وصبر وعزيمة، واستثارهم الجرح ولم يضعفهم، وأنهم أجابوا الداعي فور الواقعة، فإنه يروى في ذلك انه لما رجع المشركون قالوا: (لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا). فسمع رسول الله بذلك فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، ولكن خذل الله المشركين، وقوى المؤمنين، فرجع المشركون من حيث جاءوا، ويروى ان النبي صلى الله عليه وسلم عندما ندب المؤمنين أذن مؤذن رسول الله بطلب العدو، وأذن مؤذنه" ألا يخرجن معنا إلا من حضر أحدا، فخرجوا فهؤلاء هم الذين استجابوا لله والرسول، لأنه لم تأخذ الهزيمة من نفوسهم، وإن أصيبوا بكلوم في أجسامهم، وقد قال سبحانه وتعالى في جزائهم.
{للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} اختص سبحانه وتعالى من أولئك الذين جاهدوا ولم يستشهدوا بعد بان لهم أجرا عظيما، وهنا يلاحظ ثلاثة أمور:
(أولها) أن الله لم يذكر الأجر لهم جميعا، لأنهم كانوا أحياء، والحي قد يغير ويبدل، فكان لا بد من التقييد بالإحسان والتقوى، أي يستمر على ما هو عليه.
(وثانيها) أن الإحسان هنا غير التقوى؛ إذ الإحسان هو إجادة الخطة، واتباع المنهج المستقيم في القتال، وذلك لا بد منه في الانتصار، والطاعة المطلقة للقائد من إحكام الخطة.
(ثالثها) أن التقوى- وهي وقاية النفس من الغرض والهوى والاتجاه إلى الله بإخلاص وقلب سليم خال من الشوائب- أساس الأجر العظيم، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
انظر إلى المنزلة العالية كي تعلم أن الهزة التي حدثت في أُحُد أعادت ترتيب الذرات الإيمانية في نفوس المؤمنين. ولذلك أراد الله ألا يطول أمد الغم على مَن ندموا بسبب ما وقع منهم، وألا يطول أمد الكفار الذين فرحوا بما أُلحق بالمؤمنين من الضرر في المعركة الأخيرة، هؤلاء المشركون فرحون، وهؤلاء المسلمون في حزن؛ لأننا قلنا: ما داموا مسلمين ومؤمنين فلهم الحق، وإن قَصَّروا فعليهم عقوبة، وسبحانه قد أنزل بهم العقوبة لكن بقي لإسلامهم حق على الله؛ لأنه أجرى تلك الأقدار ليُهذب ويُمحص ويُربي، فلا يطيل أمد الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحالة كما تعلمون هكذا، ويؤذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب قريش قائلا:"لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال". ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بعدد لا يزيد على عدد المقاتلين الذين كانوا يواجهونهم حتى لا يقال إنهم جاءوا بمددٍ إضافي، بل بالعكس، فالذين خرجوا لمطاردة الكفار هم الذين بقوا مع الرسول في أُحد، ونقص منهم من قُتل ونقص منهم أيضا كل من أثقلته جراحه. لقد كانوا أقل ممن كانوا في المعركة، وكأن الله يريد أن يبين لنا أن التمحيص قد أدى مطلوبه. هم في هذه الحالة استجابوا للرسول، كأن المسألة جاءت رد اعتبار لمن شهدوا المعركة؛ حتى لا يضعفوا أمام نفوسهم؛ وحتى لا يجعلوها زلة تطاردهم وتلاحقهم في تاريخهم الطويل، بل يعلمون أن معركة أُحد قد انتهت وعرفوا آثارها.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
قلنا إن جيش أبي سفيان المنتصر أسرع بعد انتصاره في معركة «أُحد» على الجيش الإِسلامي يغذ السير في طريق العودة إلى مكّة حتى إذا بلغ أرض «الروحاء» ندم على فعله، وعزم على العودة إلى المدينة للإِجهاز على ما تبقى من فلول المسلمين، واستئصال جذور الإِسلام حتى لا تبقى له ولهم باقية. ولما بلغ هذا الخبر إِلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر مقاتلي أُحد أن يستعدوا للخروج إلى معركة أخرى مع المشركين، وخص بأمره هذا الجرحى والمصابين حيث أمرهم بأن ينضموا إلى الجيش. يقول رجل من أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد شهد أُحداً: شهدت أُحداً وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوالله مالنا دابة نركبها وما منّا إِلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنت أيسر جرحاً من أخي، فكنت إِذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلى «حمراء الأسد». فلما بلغ هذا الخبر أبا سفيان وأدرك صمود المسلمين، والذي تجلّى في اشتراك الجرحى والمصابين خاف وأُرعب، ولعله ظن أنه أدركت المسلمين قوّة جديدة من المقاتلين وأتاهم المدد. هذا وقد حدثت في هذا الموضع حادثة زادت من إضعاف معنوية المشركين، وألقت مزيداً من الوهن في عزائمهم، وهي أنه: مرّ برسول الله «معبد الخزاعي» وهو يومئذ مشرك، فلما شاهد النّبي وما عليه هو وأصحابه من الحالة تحركت عواطفه وجاشت، فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا محمّد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثمّ خرج من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالرّوحاء وقد أجمعوا الرّجعة إِلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراك يا معبد؟ قال: محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر قط مثله يتحرقون عليكم تحرقاً، وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم، وفيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط. قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال معبد: «فأنا والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل». قال أبو سفيان: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصلهم. قال معبد: فأنا والله أنهاك عن ذلك. فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه وقفل راجعاً ومنسحباً إِلى مكّة بسرعة، وحتى يتوقف المسلمون عن طلبه وملاحقته ويجد فرصة كافية للانسحاب قال لجماعة من بني عبد قيس كانوا يمرون من هناك قاصدين المدينة لشراء القمح: «اخبروا محمّداً إِنا قد أجمعنا الكرّة عليه وعلى أصحابه لنستأصل بقيتهم» ثمّ انصرف إِلى مكّة. ولما مرّت هذه الجماعة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بحمراء الأسد أخبره بقول أبي سفيان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حسبنا الله ونعم الوكيل» وبقي هناك ينتظر المشركين ثلاثة أيّام، فلم ير لهم أثراً فانصرف إِلى المدينة بعد الثالثة. والآيات الحاضرة تشير إِلى هذه الحادثة وملابساتها.
{ للذين استجابوا } صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره للذين أحسنوا الآية ، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتباع المشركين بعد غزوة أحد ، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة ، وأقام بها ثلاثة أيام ، وكانوا قد أصابتهم جراحات وشدائد ، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك .
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة ، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم{[19775]} ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان{[19776]} ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم{[19777]} إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : { الذين استجابوا } أي أوجدوا{[19778]} الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان { لله والرسول } أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان - : { من بعد ما أصابهم القرح } .
ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف{[19779]} حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : { للذين أحسنوا{[19780]} } وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : { منهم واتقوا أجر عظيم * } وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو {[19781]}غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي ، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد ، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم و{[19782]}أن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فليس كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد{[19783]} أن يرهبهم{[19784]} وأن{[19785]} يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد{[19786]} من يوم أُحد{[19787]} - بطلب العدو ، وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في{[19788]} أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك{[19789]} في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف{[19790]} منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم{[19791]} يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه{[19792]} رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة{[19793]} ذكرها في التخلف عن أحد محمودة{[19794]} .
قال الواقدي : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، ويقال : إلى{[19795]} أبي بكر رضي الله عنه ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج{[19796]} وهو مجروح{[19797]} ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت{[19798]} ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن{[19799]} منكبه الأيمن بضربة{[19800]} ابن قميئة ، وركبتاه{[19801]} مجحوشتان بأبي هو{[19802]} وأمي ووجهي وعيني ! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى{[19803]} يسير ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك ! قال : قلت : قريب ، قال{[19804]} : فأخرج{[19805]} ، أعدو فألبس{[19806]} درعي {[19807]}ولأنا أهم{[19808]} بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال : " أين ترى القوم الآن ؟ قال : هم بالسيالة{[19809]} ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19810]} : {[19811]}ذلك الذي ظننت ! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا ! " ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد{[19812]} بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء ، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين{[19813]} وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم {[19814]}في النهار{[19815]} {[19816]}بجمع الحطب{[19817]} ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل ناراً ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى{[19818]} من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهذا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين{[19819]} بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل{[19820]} جريح ، بل كلهم{[19821]} - رضي الله عنهم ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير{[19822]} رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعاً وطاعة لله ولرسوله ! {[19823]}فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء{[19824]} جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير ، فلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال : هذا منادي{[19825]} رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم ! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً ، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً ، وبقطبة{[19826]} بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا{[19827]} النبي صلى الله عليه وسلم ببئر{[19828]} أبي عتبة{[19829]} إلى رأس الثنية{[19830]} عليهم السلاح ، قد صفوا{[19831]} لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال :
" اللهم ارحم بني سلمة ! " وحدث{[19832]} ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما{[19833]} جراح كثيرة{[19834]} ، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه : والله{[19835]} إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَبنا{[19836]} والله ما عندنا دابة نركبها{[19837]} وما ندري كيف نصنع{[19838]} ! قال عبد الله : انطلق بنا ، قال رافع : لا والله {[19839]}ما بي مشي{[19840]} ! قال أخوه : انطلق بنا{[19841]} نتجارّ{[19842]} ، فخرجا يزحفان{[19843]} فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران ، فأتى{[19844]} بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد {[19845]}بن بشر فقال{[19846]} : " ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلتهما ، فدعا لهما بخير {[19847]}وقال : إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال{[19848]} وإبل ، وليس ذلك بخير لكم " وأما غزوة بدر الموعد{[19849]} فروى الواقدي - و{[19850]}من طريقه{[19851]} الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم ، وكانت الخيل عشرة قال{[19852]} الواقدي : وأقبل رجل من بني ضمرة يقال له مخشى{[19853]}بن عمرو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19854]} أكثر أهل الموسم : يا محمد ! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد{[19855]} ، فما أعلمكم إلا أهل الموسم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ليرفع ذلك إلى عدوه : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا ، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح{[19856]} من منزلنا هذا ، فقال الضمري : بل نكف{[19857]} أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك{[19858]} " .