الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله}، يعني صدق بالله، {واليوم الآخر}، يعني من صدق بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، {وأقام الصلاة} لوقتها، أتم ركوعها وسجودها، {وآتى الزكاة} يعني وأعطى زكاة ماله، {ولم يخش إلا الله}، يعني ولم يعبد إلا الله، {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} من الضلالة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إنما يعمر مساجد الله المصدّق بوحدانية الله، المخلص له العبادة واليوم الآخر، يقول: الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة، وأقام الصلاة المكتوبة بحدودها، وأدّى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له. "وَلمْ يَخْشَ إلاّ اللّهَ "يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه سوى الله. "فَعَسَى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ" يقول: فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحقّ وإصابة الصواب...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

والمعنى إن من كان بهذه الصفة فهو من أهل عمارة المسجد {ولم يخش} في باب الدين {إلا الله فعسى أولئك} أي فأولئك هم المهتدون والمتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة..

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله} وقرئ بالتوحيد: أي: إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها، والعمارة تتناول رمّ ما استرمّ منها، وقمها وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم، بل هو أجلّه وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلاً عن فضول الحديث...

فإن قلت: هلاّ ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لما علم وشهر أن الإيمان بالله تعالى قرينته الإيمان بالرسول عليه [الصلاة و] السلام لاشتمال كلمة الشهادة والأذان، والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى الإيمان بالرسول عليه [الصلاة و] السلام. وقيل: دلّ عليه بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟

فإن قلت: كيف قيل: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله} والمؤمن يخشى المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟ قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه أمران: أحدهما حقّ الله، والآخر حق نفسه أن يخاف الله، فيؤثر حقّ الله على حقّ نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم. {فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسن لأطماعهم من الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى. وفي هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الاغترار بالله تعالى.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... {إنما يعمر مساجد الله} بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان»..

وقوله {واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا يتلقى ذلك إلا منه، وقوله {ولم يخش إلا الله} حذفت الألف من «يخشى» للجزم،...وهذه المرتبة العدل بين الناس، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، و «عسى» من الله واجبة حيثما وقعت في القرآن، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة من العدالة، ففي هذا حض بليغ على التقوى.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة:

الصفة الأولى: قوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، فما لم يكن مؤمنا بالله، امتنع أن يبني موضعا يعبد الله فيه، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى.

فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول الله؟

قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمدا إنما ادعى رسالة الله طلبا للرياسة والملك، فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر. الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافيا. الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذا الوجه.

الصفة الثانية: قوله: {وأقام الصلاة} والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد.

الصفة الثالثة: قوله: {وآتى الزكاة}.

واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد.

والصفة الرابعة: قوله: {ولم يخش إلا الله} وفيه وجوه:

الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى.

الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلانا يبني مسجدا، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله...

ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال: {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وفيه وجوه:

الأول: قال المفسرون: {عسى} من الله واجب لكونه متعاليا عن الشك والتردد. الثاني: قال أبو مسلم: {عسى} ههنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

.. بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل لا بمجرد الشأن والاستحقاق، وهو الذي يقتضيه مقام الإيجاب، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق الذي بينه في كتابه من توحيده وتنزيهه واختصاصه بالعبادة والاستعانة والتوكل، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ويجزي كل نفس ما كسبت، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها وتدبر تلاوتها وأذكارها التي تكسب مقيمها مراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال -من نقد وزرع وتجارة لمستحقيها من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم ممن يأتي ذكرهم في هذه السورة- وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه، فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإن هذا لا ينافي خشية الله، ولا يقتضي خشية الطاغوت. والدليل عليها طاعة الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، رضي الناس أم سخطوا.

{فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} أي فأولئك الجامعون لهذه الخمس من أركان الإيمان والإسلام التي يلزمها سائر أركانها هم الذين يرجون بحق- أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم- أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى، واستحقاق الجزاء عليها بالجنة خالدين فيها، دون غيرهم من المشركين الجامعين لأضدادها -من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله- الذين دنسوا مسجده الحرام بالأصنام، والاستقسام بالأزلام، وصدوا المسلمين عن الحج والاعتمار والصلاة فيه، ولم تكن صلاة هؤلاء المشركين عنده إلا مكاء وتصدية كعبث الأطفال، وكانوا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام، وتقدم في هذا المعنى من سورة الأنفال، فشرور هؤلاء وضلالهم وطغيانهم التي هي لوازم الشرك تحبط كل عمل حسن عملوه كما تقدم.

... وكذلك من يطيع الله تعالى بفعل المستطاع مما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه حقيق بأن يرجو بذلك تزكية نفسه ورفعها إلى مقام المتقين أولياء الله تعالى، وما يترتب على ذلك من مثوبته ورضوانه في دار كرامته، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك لما يخشى على نفسه من التقصير وشوائب الرياء والسمعة، أو عدم الثبات على الطاعة حتى يموت عليها، وغير ذلك مما يحبط الأعمال أو يمنع من قبولها، والخير للمؤمن أن يكون بين الخوف الذي يصده عن التقصير، والرجاء الذي يبعثه على التشمير، وأن يرجح الخوف في حال الصحة والرجاء في حال المرض، ولا سيما مرض الموت. ومن أراد نعيم الآخرة ولم يسع لها سعيها الذي جعله الله سببا لها فهو من الحمقى أصحاب الأماني، لا من أصحاب الرجاء، فهو كمن أحب أن تنبت له أرضه غلة حسنة كثيرة ولم يزرعها الخ. فسنة الله في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.

ومن قال: إن عسى هنا وعد من الله تعالى، قالوا: إنها منه تعالى للإيجاب والقطع، وهو منزه عن التوقع والظن وعن الإطماع في الشيء وإخلافه بعد تقريبه. ورووا هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه في الآيات الصريحة في وعد الله تعالى وخبره. كقوله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} [المائدة:52] وقوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} [الممتحنة:7]، فكل من هذين وعد قطعي عنده تعالى، فعلى هذا تكون نكتة التعبير عنه بعسى إبهامه، وعدم إعلام المخاطبين بالوقت الذي يقع فيه، ومن أمعن النظر رأى أن هذا قد يرجع إلى ما فسرنا به عسى هنا، وهو أن كلا من الإتيان بالفتح أو أمر آخر يترتب عليه ندم المشركين، ومن وقوع المودة بين المؤمنين ومن عادوهم من المشركين قريب الوقوع، فهو مرجو ومتوقع في نفسه بوقوع أسبابه ومقدماته، فينبغي أن يعدوا له عدته ويحسبوا له حسابا في معاملتهم، وفي معنى هذا ما اختاره شيخنا من أن معنى لعل في كلام الله تعالى الإعداد لمتعلقها، وتقدم تفصيله (راجع ج1 تفسير).

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن العبادة تعبير عن العقيدة؛ فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة؛ وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح، وبالعمل الواقع الصريح، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله).. والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر، لا يجيء نافلة. فلا بد من التجرد لله؛ ولابد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك؛ وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله. وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله، ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ومجيء صيغة القصر فيها مؤذن بأنّ المقصود إقصاء فِرق أخرى عن أن يعمروا مساجد الله، غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح، فتعيّن أن يكون المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين، لأنّ مجموع الصفات المذكورة في الصلة لا يثبت لغيرهم، فاليهود والنصارى آمنوا بالله واليوم الآخر لكنّهم لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة، لأنّ المقصود بالصلاة والزكاة العبادتان المعهودتان بهذين الإسمين والمفروضتان في الإسلام، ألا ترى إلى قوله تعالى: {قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 43، 44] كناية عن أن لم يكونوا مسلمين.

واستغني عن ذكر الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما يدلّ عليه من آثار شريعته: وهو الإيمان باليوم الآخر، وإقامُ الصلاة: وإيتاء الزكاة.

وقصر خشيتهم على التعلّق بجانب الله تعالى بصيغة القصر ليس المراد منه أنّهم لا يخافون شيئاً غير الله فإنّهم قد يخافون الأسَد ويخافون العدوّ، ولكن معناه إذا تردّد الحال بين خشيتهم الله وخشيتهم غيره قدّموا خشية الله على خشية غيره كقوله آنفاً {أتخشونهم فاللَّهُ أحق أن تخشوه} [التوبة: 13]، فالقصر إضافي باعتبار تعارض خشيتين.

وهذا من خصائص المؤمنين: فأمّا المشركون فهم يخشون شركاءهم وينتهكون حرمات الله لإرضاء شركائهم، وأمّا أهل الكتاب فيخشون الناس ويعصون الله بتحريف كَلمِه ومجاراة أهواء العامّة، وقد ذكَّرهم الله بقوله: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44].

وفرّع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين، أي من الفريق الموصوف بالمهتدين وهو الفريق الذي الاهتداء خُلق لهم في هذه الأعمال وفي غيرها. ووجه هذا الرجاء أنّهم لما أتوا بما هو اهتداء لا محالة قوي الأمل في أن يستقرّوا على ذلك ويصير خُلُقا لهم فيكونوا من أهله، ولذلك قال: {أن يكونوا من المهتدين} ولم يقل أن يكونوا مهتدين.

وفي هذا حثّ على الاستزادة من هذا الاهتداء وتحذير من الغرور والاعتماد على بعض العمل الصالح باعتقاد أنّ بعض الأعمال يغني عن بقيتها.

والتعبير عنهم باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقّوا هذا الأمل فيهم بسبب تلك الأعمال التي عُدّت لهم.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وبعمارة المؤمنين لها يعود الحق إلى نصابه، فمن أراد المساهمة في عمارة بيوت الله، عليه قبل كل شيء أن يخلع الشرك ويؤمن بالله، ومن أراد الوقوف فيها بين يدي الله، فلا يأت إليها عريانا على عادة الجاهلية، وليتزين بزينة الله...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} فهذا هو النموذج الإنساني الذي يحقق للمساجد رسالتها، ويعطيها معناها، ويحركها في الاتجاه الروحي الذي يجعل أبواباً مفتوحة على الحياة المتحركة من خلال الله وباسمه، لينطلق الإنسان على أساس ذلك، عاملاً في أرض الله في الأجواء الروحيّة التي يختزنها في أعماقه من روحيّة الإيمان في المسجد. فقصة المسجد، ليست في هذه الأحجار الجامدة التي تمثل سقفه وحيطانه، وليست في هذه الأشكال المزخرفة التي توحي بعظمة الفن وروعة الإبداع، بل هي في الإنسان الذي يعمر المسجد بالعبادة المنطلقة من الفكر الإيماني، والشعور الروحي، والممارسة الخيّرة، حيث يتحول المسجد إلى ساحةٍ للانطلاق الإنساني من أجل بناء الحياة على قواعد الحقّ والقوّة والعدل،...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

ولما نفى عنهم أهلية العمارة ، بين من يصلح لها فقال { إنما يعمر مساجد الله } أي إنما يؤهل لذلك القرب ممن له الأسماء الحسنى والصفات العلى حساً بإصلاح الذات ومعنى بالتعظيم بالقربات من قمها{[35789]} وتنظيفها ورمّ ما تهدم منها وتنويرها بالمصابيح الحسية وبالمعنوية من الذكر والقراءة - ودرس العلم أجلّ ذلك - وصيانتها مما لم تبن له من أحاديث{[35790]} الدنيا { من آمن بالله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله { واليوم الآخر } أي فكان من أهل المعرفة{[35791]} الذين تصح عبادتهم وتفيدهم ، فإنها إنما تفيد{[35792]} في ذلك اليوم ، ولم يذكر الإيمان بالرسول لأن هذه{[35793]} البراءة عن لسانه أخذت ، فالإيمان بها إيمان به لا محالة ، فعدم ذكره أقعد في إيجاب الإيمان به { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } أي وأيد دعواه الإيمان بهذين الشاهدين ، وذلك أن عمارة المساجد ليست مقصودة لذاتها ، بل الدلالة على رسوخ الإيمان ، والصلاة أعظم عمارتها{[35794]} ، والزكاة هي المعين لعمدتها على عمارتها .

ولما كان ربما فهم من قوله : { آمن } أنه يكفي في الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، أعلم أنه لابد في ذلك من إيجاد التصديق حقيقة المثمر لخشية الله فلذلك قال{[35795]} : { ولم يخش } أي في الأعمال الدينية { إلا الله } أي ولم يعمل بمقتضى خشية غير الملك الأعظم من كف عما يرضي الله بما فيه سخطه ، بل تقدم على ما انحصر رضى الله فيه ولو أن فيه تلفه ، وحاصله أنه يقدم خشيته من الله على خشيته من غيره ، فهو يرجع إلى قوله { فالله أحق أن تخشوه } ولكن هذا أبلغ لكونه نفى نفس الخشية وإن كان المراد نفي لازمها عادة ، وفيه تعريض لهم بأنهم لا يصلحون لخدمته لأنهم يخافون الأصنام ويفعلون معها بعبادتها فعل من يخافها{[35796]} ؛ ولما سبب{[35797]} عما مضى نفياً وإثباتاً أن المتصف بهذه الأوصاف يكون جديراً بالهداية وحقيقاً بها ، قال{[35798]} تعالى : { فعسى أولئك } أي العالو الهمم { أن يكونوا } أي جبلة ورسوخاً { من المهتدين* } فأقامهم - مع ما قدم لهم من الكمال بالمعارف والأفعال - بين الرجاء والخوف مع الإشارة بإفراد الخشية إلى ترجيح الخوف على الرجاء إيذاناً بعلو أمره وعظيم كبره إشارة إلى أنه لا حق لأحد عليه وأنه إن {[35799]}شاء أثاب{[35800]} ، وإن أراد حكم - وهو الحكم العدل - بالعقاب ، لا يسأل عما يفعل ، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وعزة المرام ، ومادة عسى بجميع تصاريفها تدور على الحركة ، وهذه بخصوصها للأطماع ، {[35801]}والحاصل{[35802]} أن من اتصف بالأوصاف الأربعة كان صالحاً وخليقاً وجديراً وحقيقاً بان يتحرك طمعه ويمتد أمله إلى أن يكون من جملة أهل الهدى ، فكيف توجبون أنتم لمن لم يتصف بواحد منها ما يختص به المهتدون من الموالاة ، هكذا كان ظهر لي أولاً في مدار المادة ، ثم ظهر لي أن ذلك في أكثر تقاليبها ، مع إمكان أن يكون غيره للإزالة ، وأن الشامل لها - يائية وواوية بتقاليبها العشر : عسى ، عيس ، سعى يسع ، عسو ، عوس ، سعو ، سوع ، وسع ، وعس - أنها لما يمكن أن يكون ، وهو جدير وخليق بأن يكون ، من قولهم : أعس به - أي أخلق .

وبالعسى{[35803]} أن يفعل - أي بالحري ، وإنه لمعساة بكذا - أي مخلقه{[35804]} ، وبهذا فسرها سيبويه : قال ابن هشام الخضراوي{[35805]} في شرح الإيضاح لأبي علي : وقال سيبويه : إن عسى بمنزلة اخلولق ، والمعساء كمكسال : الجارية{[35806]} المراهقة لأنها جديرة بقبول النكاح ، ومن ثمَّ أتت للطمع{[35807]} والإشفاق ، وقد يزيد الرجاء فيطلق على القرب فيكون مثل كاد ، وقد يشتد فيصل إلى اليقين فنستعمله{[35808]} حينئذ في معنى كان ، ومنه : عسى الغوير أبؤسا لكن قال الرضى : وأنا لا أعرف عسى في غير كلامه تعالى لليقين . وقد يضعف الرجاء فيصير شكاً{[35809]} ، ومنه المعسية كمحسنة{[35810]} للناقة ، قد{[35811]} يشك{[35812]} أبها لبن أم لا ، وعسى النبات - كفرح ودعا : غلظ ويبس{[35813]} ، أي صار خليقاً لأن يرعى وأن يقطع ، واليد من العمل مثله ، أي فصارت جديرة بالصبر على المشاق ، والعاسي{[35814]} ، والنخل : لأنه جدير بكمال ما يطلب منه من المنافع ، وعسي الشيخ كرضي عساء وعسا كدعا يعسو : كبر ، أي صار خليقاً بالموت وبأن لا يتعلم ما لم يكن في غريزته ، وكذا عسى وعسا{[35815]} الإنسان عن الأدب ، أي كبر عنه ، والعود يبس وصلب واشتد أي فصار خليقاً لما يراد منه ، والليل{[35816]} : اشتدت ظلمته ، فصار جديراً بمطابقة اسمه{[35817]} لمسماه وبتغطية الأمور ، والعسو : الشمع ، كأنه لإزالته{[35818]} ظلمة الليل بنوره إذا أحرق ، وعسي بالشيء كفرح : لزمه ، أي فصار جديراً{[35819]} بإضافته إليه ؛ والعيس - بالفتح : ضراب الفحل ويقال : ماؤه لأنه جدير بالإنتاج{[35820]} ، والعيس - بالكسر ؛ الإبل البيض يخالط بياضها شقرة ، وجمل وظبي أعيس وناقة عيساء ، لأنها خليقة بكل محمدة لحسن{[35821]} لونها ، وتعيست{[35822]} الإبل صارت بياضاً في سواد كذلك أيضاً وعيساء : امرأة والأنثى من الجراد ، لشبهها بلون العيس ، وأعيس الزرع إذا{[35823]} لم يكن فيه رطب ، لأنه صار حقيقاً بالحصاد ، والعوس - بالفتح - والعوسان : الطوفان بالليل ، لأنه جدير ببلوغ المقاصد ، وبالضم : ضرب من الغنم وهو كبش عوسي ، إلحاقاً لها بالعيس لكنها لصغرها اختير لها الضم جبراً لها وتقوية وتفاؤلاً بالكبر{[35824]} ، واختير للإبل الكسر تفاؤلاً بسهولة القياد ، وبالتحريك : دخول الشدقين عند الضحك وغيره : تشبيهاً بالغنم ، فكأنه جدير بأن يترك ما يحدث منه ذلك من الضحك وغيره ، والنعت أعوس وعوساء ، وعاس على عياله : كد عليهم وكدح ، وعياله : قاتهم ، وماله عوساً وعياسة : أحسن القيام عليه فعمل بما هو الأليق به في كل ذلك والعواسة - بالضم : الشربة{[35825]} من اللبن وغيره ، لأنها جديرة بالري{[35826]} ، والأعوس : الصيقل والوصّاف للشيء ، لأنه جدير بإظهار الخبء ، والعواساء كبراكاء الحامل{[35827]} من الخنافس ، لأنها في تلك الحالة أجدر بما تفهمه مادتها من الكراهة فإنه يقال : خنفس عن القوم : كرههم وعدل عنهم ، والخنافس - بالضم : الأسد ، لأنه جدير بأن يكره ويعدل عنه ؛ والسعي : عدو دون الشد{[35828]} وكل عمل سعي ؛ قال في القاموس : سعى كرعى{[35829]} : قصد وعمل ومشى وعدا ونمّ وكسب ، كل ذلك يكون جديراً بدرك حاجته ، والسعاية : مباشرة عمل الصدقات التي بها يدرك الإمام أخذ الحقوق ، فيكون خليقاً بإغناء الفقراء ، وسعت الأمة : بغت ، فكانت خليقة بعمل الإماء عند العرب ، وساعاها : طلبها للبغاء ، وأسعاه : جعله يسعى ، والمسعاة{[35830]} : المكرمة والمعلاة في أنواع المجد ، لأنها جديرة بأن يسعى لها ، واستسعى العبد : كلفه من العمل ما يؤدي به عن نفسه إذا عتق بعضه ليعتق به ما بقي لأنه جدير بذلك ، والسعاية - بالكسر : ما كلف من ذلك ؛ والسيع{[35831]} : الماء الجاري على وجه الأرض ، وقد انساع{[35832]} - إذا جرى ، لأن الماء خليق بالجري والحركة ، ساع الماء والشراب : اضطرب على وجه الأرض ، وسيعاء من الليل وكسيراء : قطع منه ، كأنه ينظر إلى الساعة وهي جزء ، هو لنفاسته خليق بأن يحفظ ولا يضيع وأن يتدارك إن ضيع ، والسياع - بالفتح : ما يطين به ، والشحم تطلى به المزادة ، كأنه{[35833]} يمنع ما هو خليق بالجري ، وقد سيعت الجب - إذا طينته بطين أو جص ؛ وكذلك الزق والسفن إذا طليت بالقار ، والمسيعة : خشبة مملسة يطين بها تكون مع حذاق{[35834]} الطيانين ، والتسييع ، التطيين {[35835]}بها تكون مع حذاق التدهين ، وقال القزاز : والسياع : تطيينك بالجص أو الطين{[35836]} أو القير ، تسيع به السفن ، والسياع : شجر العضاه له ثمر كهيئة الفستق وشجر اللبان ، وكل منها خليق بالرغبة فيه ، والمسياع ؛ الناقة تذهب في المرعى ، كأنها شبهت بالماء الجاري ، وهي أيضاً خليقة بالسمن ، والتي تحمل الضيعة ، وسوء القيام عليها ، والتي يسافر عليها ويعاد ، لأنها خليقة بأن يرغب فيها وأساعة : أهمله ، أي أزال ما هو خليق به من الحفظ فصار خليقاً بالهلاك ، والسعوة - بالكسر : الساعة كالسعواء بالكسر والضم - وقد تقدم تخريجها - والمرأة البذية الخالعة{[35837]} ، كأنها جديرة بسرعة الفراق كالساعة ، والساعي : الوالي على أي أمر وقوم كان ، ولليهود والنصارى : رئيسهم ، لأنه خليق بأن يسعى عليهم ويذب عنهم ، والسعاة : التصرف ، لأن الإنسان جدير به ، وسعيه{[35838]} علم للعنز ، لأنها خليقة بالسعي ، والسعاوي - بالضم : الصبور على السهر والسفر ، نسبة إلى السعي على وجه بليغ وهو خليق بأن يرغب فيه ، وأسعوا به ، أي طلبوه{[35839]} بقطع همزتها ، والساعة : جزء من أجزاء الجديدين والوقت الحاضر والقيامة ، لأن كل ذلك جدير وحقيق بالاحتفاظ من إضاعته ، والهالكون{[35840]} كالجاعة للجياع ، كأنهم أضاعوا ساعتهم فكانوا جديرين بما حصل لهم ، وساعة سوعاء : شديدة ، وساعت الإبل تسوع : بقيت بلا راع ، فصارت جديرة بالهلاك والضياع ، وأساعه : أهمله وضيعه ، فصار كذلك ، ومنه ناقة مسياع{[35841]} : تدع ولدها حتى يأكله السباع ، وبعد سوع من الليل وسواع ، أي هدءه{[35842]} ، وأسوع : انتقل من ساعة إلى ساعة فصار جديراً بأن يتحفظ فيتدارك في الثانية ما فاته في الأولى ، وأسوع الحمار : أرسل غرموله ، فصار جديراً بالنزوان ، وسواع : اسم صنم عبد{[35843]} في عهد نوح عليه السلام ، غرقه الطوفان فاستثاره{[35844]} إبليس حتى عبد أيضاً ، لأنه كان خليقاً - عندهم وفي زعمهم - بما أهّلوه له - تعالى الله عن ذلك ! والوسع مثلثة{[35845]} : الجدة والطاقة كالسعة ، ومعناها الخلاقة بالاحتمال ، وسعه الشيء - بالكسر - يسعه كيضعه سعة كدعة وزنة : كان جديراً باحتماله ، واللهم سع علينا ، أي وسع ، وليسعك بيتك ، أمر بالقرار{[35846]} فيه ، وهذا الإناء يسع عشرين كيلاً ، أي يتسع لها ، والواسع : ضد الضيق - كالوسيع ، وفي الأسماء الحسنى : الكثير العطاء الذي يسع لما يسأل ، أو{[35847]} المحيط بكل شيء أو{[35848]} الذي وسع رزقه جميع خلقه ورحمته{[35849]} كل شيء ، والوساع كسحاب : الندب ، وهو الخفيف في الحاجة الظريف النجيب ، لأنه جدير بما يندب له ، ومن الخيل : الجواد أو الواسع الخطو والدرع - كالوسيع ، وقد وسع ككرم وساعة وسعة{[35850]} وأوسع : صار ذا سعة ، و( وسع ) الله عليه : أغناه ، وتوسعوا في المجلس : تفسحوا ، فصاروا جديرين باحتمال الداخل بينهم ، ووسعه توسيعاً ضد ضيقه ، ورحمة الله وسعت كل شيء ، أي أحاطت به ، ووسع كل شيء علماً ، أي أحاط به وأحصاه ؛ والوعس كالوعد : شجر تعمل منه البرابط{[35851]} والعيدان ، لأنه أحق الأشجار بذلك ، والرمل السهل يصعب{[35852]} فيه المشي ، لأنه يرى لسهولته خليقاً بأن يمشى فيه ، وإذا حقق النظر كان خليقاً بصعوبة المشي لكونه رملاً ، وأوعس ركبه ، والوعساء :رابية من رمل{[35853]} لينة تنبت أحرار البقول ، لأنها للينها حقيقة من بين روابي{[35854]} الرمل بالنبت ، ومكان أوعس وأمكنة وعس ، والميعاس : ما تنكب عن الغلظ ، فهو جدير بالمشي فيه ، والأرض ؛ لم توطأ ، فهي جديرة بالكف عن سلوكها ، والطريق ، لأنه جدير بأن يسلك ، قال في القاموس : كأنه ضد ، والمواعسة : ضرب من سير الإبل ، كأنه وسط فهو جدير بالخير{[35855]} والمباراة في السير ، أو لا تكون إلا ليلاً ؛ وقال القزاز : توعست في وجهه حمرة أو صفرة ، أي كانت خليقة بالظهور ، قال : وإذا ذكروا الرملة قالوا : وعساء ، وإذا ذكروا الرمل قالوا : أوعس - هذا ما في تنزيل الجزيئات من اللغة على مدار هذه المادة ، وأما كلام أهل العربية في قواعد " عسى " الكلية فقال أبو عبد الله القزاز : هو فعل لا ينصرف فلا تقول ؛ يعسى ، ولا هو عاسٍ ، وقال عبد الحق الإشبيلي : ولا يأتي{[35856]} منه مستقبل ولا فاعل ولا مفعول ولا مصدر قال القزاز : ويصحبه " أن " ويجوز حذفها ، و " أن " وما بعدها بمعنى{[35857]} المصدر وهي في موضع نصب ، ولا يقع بعدها المصدر ولا اسم الفاعل ، وإنما جاء هذا في مثل العرب : عسى الغوير أبؤساً ، وأبؤس جمع بأس ، وهذا يدل على أن خبر عسى في موضع نصب ، وقال في القاموس : والأبؤس : الداهية ، ومنه عسى الغوير أبؤساً ، أي داهية ، {[35858]}قال أبو عبيد في الغريب : كأنه أراد : عسى الغوير أن يحدث أبؤساً وأن يأتي بأبؤس{[35859]} ، فهذا طريق النصب ، ومما يبينه{[35860]} قول الكميت :

قالوا أساء بنو كرز{[35861]} فقلت لهم *** عسى الغوير بإبآس{[35862]} وإغوار

وقال شارح الجزولية{[35863]} أبو محمد بن{[35864]} الموفق{[35865]} : لما كانت للرجاء دخلها معنى{[35866]} الإنشاء فلم تتصرف ، لأن تصرفها ينافي الإنشاء لأنها إذا تصرفت دلت على الخبر فيما مضى والحال والاستقبال ، وذلك ينافي معنى الإنشاء الذي لا يصلح لماض ولا مستقبل ، وقال بعض المتأخرين : عسى موضوعة لفعل يتوهم كونه في الاستقبال وهو على لفظ الماضي فاحتيج إلى " أن " بعده إذ لا مستقبل له{[35867]} ، وذهب بعضهم إلى أن عسى حرف لعدم تصرفها ولا{[35868]} معناها في غيرها ، والصحيح أنها فعل لفظاً ومعنى ، أما لفظاً فظاهر ، أي للحاق الضمائر وتاء التأنيث الساكنة ، وأما معنى فلأنه إخبار عن طمع وقع للمتكلم ، وجعل لفظها بلفظ الماضي لأن الطمع قد وقع ، وإنما المطموع هو الذي يتوقع وينتظر ، وأدخل " أن " على المطموع فيه لأنه{[35869]} لم يقع بعد ، وجردت أخواتها عن " أن " لأن خبرها محقق في الحال إذ قد شرع فيه إلا " كاد " فإنها للمقاربة في الجملة ؛ وقال ابن هشام المصري في توضيحه : ويجب كون خبرها جملة ، وشذ كونه مفرداً نحو عسى الغوير أبؤساً ، ويكون الاسم مرفوعاً بعسى وأن ، والفعل في موضع نصب على الخبر ، وقال الرضى : إنما لم يتصرف في عسى لتضمنها{[35870]} معنى الحرف ، أي إنشاء الطمع والرجاء ، وقوله : أبؤساً وصائماً ، لتضمن عسى معنى كان{[35871]} فأجري مجراه ومذهب المتأخرين أن عسى ترفع الاسم وتنصب الخبر ككان ، وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي{[35872]} : الأفعال موضوعة للتصرف من حيث كانت مقسمة بأقسام الزمان ، ولولا ذلك لأغنيت المصادر عنها ، ولهذا قال سيبويه فأما الأفعال فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء فبنيت لما مضى ولما يكون ولما هو كائن لم{[35873]} ينقطع ، ولما خالفت هذه الأفعال - يعني عسى ونعم وبئس وفعل التعجب - سائر الأفعال في الدلالة ترك تصرفها أبداً بما أريدت له من المبالغة فيما جعلت دالة{[35874]} عليه ، فمعنى عسى الطمع والإشفاق - كذا قال سيبويه ، ولما اختصت بهذا المعنى ترك تصرفها ، قال الرماني : منعت ذلك حملاً على " لعل " كما حملت " ما " على " ليس " والأول أولى لأنه ليس ينبغي أن يحمل باب الأفعال على الحروف ، ولأن الأفعال في بابها بمنزلة الحروف في بابها في لزوم البناء ، وإنما الأسماء تحمل عليها كما تقول في قطام وحزام{[35875]} : إنه بني لوقوعه موقع الفعل ، وأن أسماء الاستفهام بنيت لوقوعها موقع الحرف ولا تقول في الأفعال إنها بنيت حملاً على الحروف ولا الحروف بنيت حملاً على الأفعال ، بل كل منهما أصل فكذلك التصرف ، ليس امتناعه لحمله على الحرف وجريه مجراه ، وعسى من أخوات " كان " وإنما لم تذكر معها للمخالفة بترك التصرف وبلزوم " أن " الخبر وبكونه فعلاً ، ويدل على أنها من أخوات " كان " عسى الغوير أبؤساً ، فقد انكشف الأصل كما انكشف أصل أقام وأطال ونحوه بقوله :

صددت{[35876]} وأطولت الصدود و{[35877]} قلما *** وصال على طول الصدود يدوم

ولزوم الفعل بخبرها لجعله عوضاً من التصرف الذي كان ينبغي أن يكون لها ، وأما لزوم " أن " فلما أريد من صرف الكلام إلى تأويل الاستقبال لأن " أن " تخلص إليه ، والبيت الممثل به فيه شيء طريف ، وهو مصدر مجموع واقع موقع مصدر واقع موقع فعل ، والمصادر في أصلها لا تجمع ولكنه ضرورة ومثل ، فالأصل أن " بأس " ثم أبؤساً - انتهى كلام العبدي ، وعندي أنه عند ما يقوى المعنى الذي سيقت له من طمع أو إشفاق يجعل خبرها اسماً تنبيهاً على أنها الآن بمنزلة كان لما اشتد من شبهها لها بذلك ؛ قال أبو طالب : وإذا وليها " أن " والفعل كان في موضع رفع ، وسد طول الكلام مسد الخبر ، ومعناها الذي هو الإشفاق والطمع قريب من المقاربة في كاد ، فلذلك حذف " أن " من خبرها حملاً لها على كاد كما جوزوا دخول " أن " في خبر كاد{[35878]} حملاً لها على عسى ؛ وقال شارح الجزولية : وحذف " أن " من خبر عسى أكثر من إلحاق " أن " في خبر " كاد " لمقاربة كاد ذات الفعل ، و " أن " تنافي ذلك ، قال : ومن الفرق بينهما أن عسى لا يضمر فيها ضمير الشأن والقصة لشبهها بالحرف لعدم تصرفها ، وتضمر في كاد لتصرفها ، ثم رجح أنه يضمر فيها وإن لم تتصرف كما أضمر في نعم وبئس{[35879]} وقال ابن هشام الخضراوي في شرح الإيضاح أيضاً : إن سيبويه قدر عسى بقارب ، أي فترفع وتنصب لأن قارب متعد ، وقدرها بقرب ، أي فلا تنصب لعدم تعديه ، قال : ولا تدخل عسى على الماضي ؛ قال أبو علي : لأنها للاستقبال المحض ولذلك وقع بعدها " أن " فلا تصلح للماضي بوجه ؛ وقال شارح الجزولية : عسى لها مع الظاهر مذهبان : أحدهما أن تكون ناقصة{[35880]} بمعنى كان الناقصة ، تحتاج إلى اسم وخبر إلا أنه يشترط في خبرها أن يكون فعلاً ، وأصله أن يكون اسماً مثل خبر كان إلا أنه عدل عنه إلى الفعل{[35881]} تنبيهاً على الدلالة على ما هو المقصود من الرجاء وتقوية لما يفيده الرجاء من الاستقبال ، وشبهت في هذا الوجه ب " قارب زيد الخروج " تحقيقاً لبيان الإعراب ، لا في المعنى ، لأن " قارب زيد الخروج " ليس فيه إنشاء رجاء ولا غيره ، وإنما هو تمثيل لتقدير الإعراب اللفظي لأنه أصلها أن تكون كذلك ، وإنما طرأ عليها إنشاء الرجاء كما كان ذلك في التعجب ونعم وبئس وغيرهما ؛ والمذهب الثاني أن تأتي تامة{[35882]} فتستعمل استعمال " قرب " فتدخل على " أن " مع الفعل فتقول : عسى أن يقوم زيد ، واستغنى فيها - بأن والفعل - عن الخبرين كما استغنى في " ظننت أن يقوم زيد " عن المفعولين ، وذلك لاشتماله{[35883]} على مسند ومسند إليه ، وهو المقصود بهذه الأفعال ، فإذا قلت : زيد عسى أن يقوم{[35884]} ، احتمل أن تكون الناقصة فيكون فيها ضمير يعود على زيد هو اسمها و " أن " مع الفعل خبرها ، ويحتمل أن تكون التامة{[35885]} فلا يكون فيها ضمير وكون " أن " مع الفعل فاعلها ؛ وقال ابن الخباز{[35886]} الموصلي في كتابه النهاية في شرح كفاية{[35887]} الكفاية : عسى للطمع للمبالغة في الطمع ، فلا يكون خبرها ماضياً لأن معناها الرجاء والطمع ، والماضي لا يطمع فيه ولا يرجى لحصوله ، واستدل على أنها لا تستعمل إلا في المستقبل بقول بعض شعراء الحماسة :

عسى طيئ من طيىء بعد هذه *** ستطفىء غلات الكلى والجوانح{[35888]}

فأتى بالسين لأنه لم يمكنه الإتيان ب " أن " في الشعر ؛ وقال شارح الجزولية ما معناه : إنه التزم في خبرها الفعل للدلالة على الاستقبال وألزم{[35889]} " أن " تقوية لذلك ، ولهذا لم يكن خبرها اسماً وإن كان أصله{[35890]} أن يكون اسماً إذ لا دلالة للاسم على الزمان ، ولم يوضع مكانها السين وسوف لأنهما يدلان على تنفيس في الزمان والغرض هنا تقريبه ، وقد يجيء في الشعر قليلاً - وأنشد البيت المذكور ؛ وقال ابن الخباز : ودخول الاستفهام عليها يؤذن بأنها ليست للطمع لأن الاستفهام لا يدخل على الطمع ولا على ما ليس بخبر ، فدخول هل عليها مما يؤذن بأنها خبر - انتهى . فتفسيرها بما ذكرته - من أنها لما يمكن أن يكون{[35891]} وهو خليق بأن يكون - أول ، ويكون الطمع لازماً لمضمون الكلام لا أنه مدلولها بالمطابقة - والله الموفق .


[35789]:من ظ، وفي الأصل: لها، وراجع أيضا روح المعاني 3/284.
[35790]:من ظ، وفي الأصل: أحاريب.
[35791]:في ظ:
[35792]:من ظ، وفي الأصل: بيد.
[35793]:في ظ: تنزه.
[35794]:في ظ: عبارتها.
[35795]:في ظ: فقال.
[35796]:في ظ: يخالفها.
[35797]:في ظ: تسبب.
[35798]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[35799]:في ظ: أناب.
[35800]:في ظ: أناب.
[35801]:في ظ: فالحاصل.
[35802]:في ظ: فالحاصل.
[35803]:من القاموس، وفي الأصل وظ: بالعس.
[35804]:من القاموس، وفي الأصل: مخلفه، وفي ظ: مخلقه.
[35805]:هو محمد بن يحيى، واسم شرحه: الإفصاح بفوائد الإيضاح ـ كما في كشف الظنون.
[35806]:في ظ: الجارة.
[35807]:من ظ، وفي الأصل: للمطمع.
[35808]:في ظ: فتستعمل.
[35809]:في ظ: كسا.
[35810]:من القاموس، وفي الأصل: لمحضة، وفي ظ كمحسبة ـ كذا.
[35811]:ليس في ظ والقاموس.
[35812]:من القاموس، وفي الأصل: شبك، وفي ظ: تشك.
[35813]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: يبس ـ كذا.
[35814]:من ظ، وفي الأصل: العاس، وفي ظ: المعاس.
[35815]:في ظ: عسى.
[35816]:في ظ: الليل.
[35817]:من ظ، وفي الأصل: اسم.
[35818]:في ظ: لإزالة.
[35819]:في ظ: جدير.
[35820]:من ظ، وفي الأصل: بالانتجاح.
[35821]:من ظ، وفي الأصل: باحسن.
[35822]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: تعسيت.
[35823]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: إذ.
[35824]:من ظ، وفي الأصل: بالكبير.
[35825]:في ظ: الشوم.
[35826]:من ظ، وفي الأصل: بالراي.
[35827]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: لحامل.
[35828]:من تاج العروس، وفي الأصل وظ: الشديد.
[35829]:من القاموس، وفي الأصل وظ: كرعن.
[35830]:في ظ: المساعاة.
[35831]:في ظ: اليسع.
[35832]:من ظ والقاموس وتاج العروس، وفي الأصل: اساع.
[35833]:في ظ: لأنه.
[35834]:من القاموس، وفي الأصل وظ: حذاف ـ كذا.
[35835]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35836]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35837]:من القاموس، وفي الأصل: الخالقة، وفي ظ: الحالعه ـ كذا.
[35838]:من القاموس، وفي الأصل وظ: سيعة.
[35839]:من ظ، وفي الأصل: اطلبوه.
[35840]:في القاموس: الهلكى.
[35841]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: سباع.
[35842]:في ظ: هداة.
[35843]:زيد من القاموس.
[35844]:في ظ: فاستشار.
[35845]:من القاموس، وفي الأصل: مثليه، وفي ظ: مثلة ـ كذا.
[35846]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: القرار.
[35847]:من القاموس، وفي الأصل وظ "و".
[35848]:زيد من القاموس.
[35849]:زيد في ظ: وسعت.
[35850]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: سبعة ـ كذا.
[35851]:في ظ: الرابط.
[35852]:في ظ: يتصعب.
[35853]:في ظ: الرمل.
[35854]:في ظ: رابي.
[35855]:من ظ، وفي الأصل: في الخير.
[35856]:في ظ: لايتأتى.
[35857]:في ظ: في معنى.
[35858]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[35859]:من غريب الحديث 3/322، وفي ظ: بأوس.
[35860]:من غريب الحديث، وفي ظ: بينه.
[35861]:من اللسان، وفي ظ: بنو بكر، وليس المصراع في غريب الحديث.
[35862]:من غريب الحديث واللسان، وفي ظ: وأناس ـ كذا.
[35863]:هي المشهورة بالمقدمة الجزولية لعيسى بن عبد العزيز الجزولي ـ راجع كشف الظنون.
[35864]:سقط من ظ.
[35865]:وهو القاسم بن أحمد بن الموفق أبو محمد الأندلسي ـ كما ترجمه في بغية الوعاة 375 وعد في جملة مصنفاته شرح الجزولية، وراجع أيضا كشف الظنون ـ المقدمة الجزولية.
[35866]:سقط من ظ.
[35867]:سقط من ظ.
[35868]:من ظ، وفي الأصل: لأن.
[35869]:سقط من ظ.
[35870]:من ظ، وفي الأصل: لتضمنه.
[35871]:في ظ: كأنه.
[35872]:من كشف الظنون، وفي الأصل وظ: للفارس.
[35873]:في ظ: كما.
[35874]:في ظ: دلالة.
[35875]:ويمكن يكون: حذار.
[35876]:في ظ: صدت.
[35877]:زيد من لسان العرب ـ طول.
[35878]:من ظ، وفي الأصل: كان.
[35879]:من ظ، وفي الأصل: سى ـ كذا.
[35880]:من ظ، وفي الأصل: قصة.
[35881]:في ظ: العقل.
[35882]:من ظ، وفي الأصل: بامة ـ كذا.
[35883]:في الأصل: اشتماله، وفي ظ: لاشتماله.
[35884]:من ظ، وفي الأصل: يكون.
[35885]:في ظ: تامة.
[35886]:هو أحمد بن الحسن ـ راجع الأعلام للزركلي 1/114.
[35887]:في ظ: كتابه.
[35888]:البيت لقسامة بن رواحة السنبسي ـ راجع باب المراثي من الحماسة.
[35889]:في ظ: إلزام.
[35890]:زيد بعده في الأصل: أسماء، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[35891]:زيد من ظ.