تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وتولى عنهم}، يعني: وأعرض يعقوب عن بنيه، ثم أقبل على نفسه، {وقال يا أسفى}، يعني: يا حزناه {على يوسف وابيضت عيناه} لم يبصر بهما، {من الحزن} على يوسف، {فهو كظيم}، يعني مكروب يتردد الحزن في قلبه...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكره بقوله:"وَتَوَلّى عَنْهُمْ": وأعرض عنهم يعقوب، "وَقالَ يا أسَفا على يُوسُفَ "يعني: يا حزنا عليه. يقال: إن الأسف هو أشدّ الحزن والتندم... يقول الله جلّ ثناؤه: وابيضت عينا يعقوب من الحزن "فَهُوَ كَظِيمٌ "يقول: فهو مكظوم على الحزن، يعني أنه مملوء منه ممسك عليه لا يبينه
... عن الضحاك، في قوله: "فَهُوَ كَظِيمٌ" قال: الكظيم: الكميد...
عن قتادة: "وَابْيَضّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ" يقول: يردّد حزنه في جوفه ولم يتكلم بسوء...
قال ابن زيد، في قوله: "وَابْيَضّتْ عَيناهْ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ" قال: الكظيم: الذي لا يتكلم، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلمهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... والحزن هو ما يؤثر التغيير في الخلقة، ولا يظهر في الأفعال. والجزع يظهر في الأفعال، ولا يغير الخلقة عن حالها؛ لذلك عمل الحزن في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه حيث ذهبت عيناه، وابيضت من الحزن...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشدّ على النفس وأظهر أثراً؟ قلت: هو دليل على تمادي أسفه على يوسف، وأنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طريا...
ولأنّ الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفاً على من لحق به...
{فَهُوَ كَظِيمٌ} فهو مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله {وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{فهو كظيم} بمعنى كاظم، كما قال {والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 134]، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشْكُ إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب... وقال ناس: {كظيم} بمعنى: مكظوم... وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله {إذ نادى وهو مكظوم} [القلم: 48] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره. وجريُ كظيم على باب كاظم أبين...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَانَ يَعْقُوبُ حَزِينًا فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا، وَلَكِنَّ حُزْنَهُ كَانَ فِي قَلْبِهِ جِبِلَّةً، وَلَمْ يَكْتَسِبْ لِسَانُهُ قَوْلًا قَلِقًا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِهِ فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ: (تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ).
وَقَالَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ). وَهُوَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ، سُبْحَانَهُ، حِينَ عَلِمَ عَجْزَ الْخَلْقِ عَنْ الصَّبْرِ؛ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الدَّمْعِ وَالْحُزْنِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِهِ، وَخَطَمَ الْفَمَ بِالزِّمَامِ عَنْ سُوءِ الْكَلَامِ، فَنَهَى عَمَّا نَهَى، وَأَمَرَ بِالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَا لِنَافِذِ الْقَضَاءِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. وَأَحْسَنُ الْكَلَامِ فِي الشَّكْوَى سُؤَالُ الْمَوْلَى زَوَالَ الْبَلْوَى، وَذَلِكَ قَوْلُ يَعْقُوبَ: {إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} مِنْ جَمِيلِ صُنْعِهِ وَغَرِيبِ لُطْفِهِ وَعَائِدَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ.
وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه:
الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن...
والوجه الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد.
الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفا على الكل.
الرابع: أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها. وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوما له، وأيضا أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة، وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وتولى} أي انصرف بوجهه {عنهم} لما تفاقم عليه من الحزن، وبلغ به من الجهد، وهاج به باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالاً على من إليه الأمر {وقال} مشتكياً إلى الله لا غيره، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء: {يا أسفى} أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له، وجناس "الأسف "مع "يوسف" مما لم يتعمد، فيكون مطبوعاً، فيصل إلى نهاية الإبداع، وأمثاله في القرآن كثير {على يوسف} هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك، وخصه لأنه قاعدة إخوانه، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها {وابيضت عينه} أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار، فعمي البصر {من الحزن} الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض، فذكر السبب الأول، يقال: بلغ حزنه عليه السلام حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط.
ثم علل ذلك بقوله: {فهو} أي بسبب الحزن {كظيم} أي شديد الكظم لامتلائه من الكرب، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه الله من العلم والحكمة، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن، فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو أبلغ منه، من كظم السقاء -إذا شده على ملئه.
ومادة "كظم" تدور على المنع من الإظهار...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
انتقال إلى حكاية حال يعقوب عليه السلام في انفراده عن أبنائه ومناجاته نفسه، فالتولي حاصل عقب المحاورة. و {تولى}: انصرف، وهو انصراف غَضَب. ولمّا كان التولّي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أخواله تجدد أسفه على يوسف عليه السلام فقال: {يا أسفى على يوسف} والأسف؛ أشد الحزن، أسِف كحزن. ونداء الأسف مجاز. نزّل الأسف منزلة من يعقل فيقول له: احضر فهذا أوان حضورك، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين جزئيات جنس الأسف. والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفاً. وإنما ذكر القرآن تحسّره على يوسف عليه السلام ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين لأن ذلك التحسّر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكرُه أن يعقوب عليه السلام لم يتحسّر قط إلاّ على يوسف، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها. وكذلك عطف جملة {وابيضت عيناه من الحزن} إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في مدة طويلة. فكل من التولّي والتحسر وابيضاض العينين من أحواله إلاّ أنها مختلفة الأزمان. وابيضاض العينين: ضعُف البصر. وظاهره أنه تبدّل لون سوادهما من الهزال. ولذلك عبّر ب {وابيضت عيناه} دون عميت عيناه. و {من} في قوله: {من الحزن} سببية. والحزن سبب البكاء الكثير الذي هو سبب ابيضاض العينين. وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار،
وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر. فإن توالي إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار؛ على أن البكاء من الحزن أمر جبليّ فلا يستغرب صدوره من نبيء، أو أن التصبّر عند المصائب لم يكن من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحزن والجزع عند المصائب... والكظيم: مبالغة للكاظم. والكَظم: الإمساك النفساني، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس، ويبكي في خلوته، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي محزون...
الأولى : قوله تعالى : " وتولى عنهم " أي أعرض عنهم ، وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين تتام حزنه ، وبلغ جهده ، وجدد الله مصيبته له في يوسف فقال : " يا أسفا على يوسف " ونسى ابنه بنيامين فلم يذكره ، عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير : لم يكن عند يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع ، ولو كان عنده لما قال : " يا أسفا على يوسف " قال قتادة والحسن : والمعنى يا حزناه{[9240]} ! وقال مجاهد والضحاك : يا جزعاه ! ؛ قال كُثَيِّر :
فيا أسفا للقلب كيف انصرافُه *** وللنفسِ لمَّا سلِّيت فَتَسَلَّتِ
والأسف شدة الحزن على ما فات . والنداء على معنى : تعال يا أسف فإنه من أوقاته . وقال الزجاج : الأصل يا أسفي ، فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة . " وابيضت عيناه من الحزن " قيل : لم يبصر بهما ست سنين ، وأنه عمي ، قاله مقاتل . وقيل : قد تبيض العين ويبقى شيء من الرؤية ، والله أعلم بحال يعقوب ، وإنما ابيضت عيناه من البكاء ، ولكن سبب البكاء الحزن ، فلهذا قال : " من الحزن " . وقيل : إن يعقوب كان يصلي ، ويرسف نائما معترضا ببن يديه ، فغط في نومه ، فالتفت يعقوب إليه ، ثم غط ثانية فالتفت إليه ، ثم غط ثالثة فالتفت إليه سرورا به وبغطيطه ، فأوحى الله تعالى إلى ملائكته : " انظروا إلى صفيي وابن خليلي قائما في مناجاتي يلتفت إلى غيري ، وعزتي وجلالي ! لأنزعن الحدقتين اللتين التفت بهما ، ولأفرقن بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة ، ليعلم العاملون أن من قام بين يدي يجب عليه مراقبة نظري " .
الثانية : هذا يدل على أن الالتفات في الصلاة - وإن لم يبطل - يدل على العقوبة عليها ، والنقص فيها ، وقد روى البخاري عن عائشة قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال : ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) . وسيأتي ما للعلماء في هذا في أول سورة " المؤمنون " موعبا إن شاء الله تعالى .
الثالثة : قال النحاس : فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب - صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا - فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة : منها - أن يعقوب لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم حي خاف على دينه ، فاشتد حزنه لذلك . وقيل : إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا ، فندم على ذلك . والجواب الثالث : وهو أبينها - هو أن الحزن ليس بمحظور ، وإنما المحظور الولولة وشق الثياب ، والكلام بما لا ينبغي وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب ) . وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله : " فهو كظيم " أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه ، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه ، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه ، قال الله تعالى : " إذ نادى وهو مكظوم{[9241]} " [ القلم : 48 ] أي مملوء كربا . ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم ، وهو المشتمل على حزنه . وعن ابن عباس : كظيم مغموم ، قال الشاعر :
فإن أكُ كاظِمًا لمصابِ شَاسٍ *** فإني اليوم منطلقٌ لسَانِي
وقال ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال : ذهبت عيناه من الحزن " فهو كظيم " قال : فهو مكروب . وقال مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في قوله : " فهو كظيم " قال : فهو كَمِد ، يقول : يعلم أن يوسف حي ، وأنه لا يدري أين هو ، فهو كمد من ذلك . قال الجوهري : الكَمَد الحزن المكتوم ، تقول منه كَمِد الرجل فهو كَمِدٌ وكميدٌ . النحاس . يقال فلان كظيم وكاظم ، أي حزين لا يشكو حزنه ، قال الشاعر :
فحضضتُ قومي واحتسبتُ قتالَهم *** والقومُ من الخوف المنايا كُظَّم
قوله : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } الألف في أسفا منقلبة عن ياء المتكلم . وقيل : ألف الندبة وحذفت هاء السكت{[2279]} .
والمعنى : أن يعقوب أعرض عنهم كارها ما جاءوه به من خبر أخيهم حتى ساء ظنه بهم أكثر ولم يصدقهم ؛ بل إنه أخذ قي التفجع والأسى والاستزادة من ذكرى حبيبه يوسف فعادوه الحزن البالغ والبكاء الحرور حتى ابيضاض العينين وهو العمى { مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } فقد ابيضت عيناه من فرط الحزن والبكاء { فهو كظيم } أي شديد الكظم . والكظيم ، الذي يكتم حزنه في نفسه ويمسك همه في صدره فلا يرسله بالشكوى والغضب والضجر . وقيل : كظيم بمعنى مكروب ومكمود وهو الذي تغير لونه{[2280]} .