الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قالوا}، أي قال بنوه يعيرونه: {تالله تفتؤا}، يعني والله ما تزال {تذكر يوسف حتى تكون حرضا}، يعني الدنف، {أو تكون من الهالكين} يعني الميتين...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره: قال ولد يعقوب الذين انصرفوا إليه من مصر له حين قال "يا أسَفَا على يُوسُفَ": تالله لا تزال تذكر يوسف... لا تفتر من حبه...

وقوله: "حتى تَكُونَ حَرَضا "يقول: حتى تكون دنف الجسم، مخبول العقل. وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو العشق... عن ابن عباس، قوله: "حتى تَكُونَ حَرَضا" يعني: الجهد في المرض البالي...

عن مجاهد: "حتى تَكُونَ حَرَضا" قال: الحرض: ما دون الموت...

وقوله: "أوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ" يقول: أو تكون ممن هلك بالموت...

عن مجاهد: "أوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ": من الميتين...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

أي لا تزال تذكر يوسف، ولا تنسى ذكره، حتى تسلو من حزنك، كأنهم دعوه إلى السلو من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن، ويحدث...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وإنما قالوا هذا القول إشفاقا عليه وكفا له عن البكاء أي لاتزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه، لأنه كان قد أشفى على ذهاب بصره وفساد جسمه، أو تموت بالغم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و «الحرض»: الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم، ووقع لأبيهم هذا الفادح العظيم، تشوف السامع إلى قولهم له، فاستأنف الإخبار عنه بقوله: {قالوا} أي حنقاً من ذلك {تالله} أي الملك الأعظم، يميناً فيها تعجب {تفتؤا} أي ما تزال {تذكر يوسف} حريصاً على ذكره قوياً عليه حرص الفتى الشاب الجلد الصبور على مراده {حتى} أي إلى أن {تكون حرضاً} أي حاضر الهلاك مشرفاً عليه متهيئاً له بدنف الجسم وخبل العقل -كما مضى بيانه في الأنفال عند {حرض المؤمنين على القتال} {أو تكون} أي كوناً لازماً هو كالجبلة {من الهالكين}...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرون عنه، ولا يعزونه، ولا يعللونه بالرجاء، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير: (قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين!). وهي كلمة حانقة مستنكرة. تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزنا أو تهلك أسى بلا جدوى. فيوسف ميؤوس منه قد ذهب ولن يعود!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وجواب القسم هو {تفتأ تذكر يوسف} باعتبار ما بعده من الغاية، لأن المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه مصيبة يوسف عليه السلام وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف. وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو كان مثبتاً لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا...

قوله: {يا أسفى على يوسف} تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه بردّ يوسف عليه السلام إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة، وعلم ذلك بوحي أو بفراسة صادقة...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

كانت الإجابة غير مخففة لآلامه، بل كانت مؤججة لها، كانت إجابة من لا يهتم بالأمر في ذاته، والحزين يحتاج إلى من يشاركه في الحزن، لا إلى من يلومه على حزنه، ويل للشجي من الخلي، والحرض هو المريض الذي أشرف على الهلاك أو أذابه الهم والمرض. والمعنى أنهم يؤكدون بالقسم أنه لا يزال يذكر يوسف حتى يؤدي به الأمر أن يكون في مرض دائم مستمر يذيب نفسه، وينتهي بالهلاك لا محالة،،و {أو} هنا بمعنى الواو...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وفوجئ أولاده بحديثه عن يوسف، فقد أصبح شيئاً قديماً جدّاً، وانتهى كحقيقة، لقد أصبح ذكرى ميتةً، فما باله يعيدها إلى الحياة ليربك حياتهم من جديد، وليبعث فيهم عقدة الإحساس بالذنب؟ ولهذا واجهوه بعنف أن يرحم نفسه أو أن يرحمهم، لما اختزنوه من شعورٍ بالألم: {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ}...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

قوله تعالى : " قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف " أي قال له ولده : " تالله تفتا تذكر يوسف " قال الكسائي : فتأت وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت . وزعم الغراء أن " لا " مضمرة ، أي لا تفتأ ، وأنشد{[9242]} :

فقلت يمينَ الله أبرحَ قاعدا *** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

أي لا أبرح ، قال النحاس : والذي قال حسن صحيح . وزعم الخليل وسيبويه أن " لا " تضمر في القسم ، لأنه ليس فيه إشكال ، ولو كان واجبا{[9243]} لكان باللام والنون ، وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك ، يقال : ما زال يفعل كذا ، وما فتئ وفتأ فهما لغتان ، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر{[9244]} :

فما فَتِئَتْ حتى كأن غبارَها{[9245]} *** سرادقُ يوم ذي رياحٍ تُرَفَّعُ

أي ما برحت فتفتأ تبرح . وقال ابن عباس : تزال . " حتى تكون حرضا " أي تالفا . وقال ابن عباس ومجاهد : دنفا من المرض ، وهو ما دون الموت ، قال الشاعر :

سَرَى هَمِّي فأمْرَضَنِي *** وقِدْمًا زادَنِي مَرَضَا

كذا الحبُّ قبل اليو *** م مما يُورِث الحَرَضَا

وقال قتادة : هرما . الضحاك : باليا دائرا . محمد بن إسحاق : فاسدا لا عقل لك . الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل ، وكذا الحرض . ابن زيد : الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر . الربيع بن أنس : يابس الجلد على العظم . المؤرج : ذائبا من الهم . وقال الأخفش : ذاهبا . ابن الأنباري : هالكا ، وكلها متقاربة . وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم ، عن أبي عبيدة وغيره ، وقال العرجي :

إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأحرضنِي *** حتى بَلِيتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَمُ

قال النحاس : يقال حَرَضَ حَرَضًا وحَرُضَ حُرُوضًا وحُرُوضَة إذا بليي وسقم ، ورجل حارض وحَرَض ، إلا أن حرضا لا يثني ولا يجمع ، ومثله قَمِن وحَرِي لا يثنيان ولا يجمعان . الثعلبي : ومن العرب من يقول حارض للمذكر ، والمؤنثة حارضة ، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنى وجمع وأنث . ويقال : حَرِض يَحْرِض حَرَاضَةً فهو حريض وحرض . ويقال : رجل محرض ، وينشد :

طلبتْهُ الخيل يوما كاملا *** وَلَو الْفَتْهُ لأضحى مُحْرَضَا

وقال امرؤ القيس :

أرى المرءَ ذا الأذوادُ يُصْبِحُ مُحْرَضَا*** كإحراضِ بِكْرٍ في الديار مريضِ{[9246]}

قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه ، ورجل حارض أي أحمق . وقرأ أنس : " حُرْضا " بضم الحاء وسكون الراء ، أي مثل عود الأشنان . وقرأ الحسن بضم الحاء والراء . قال الجوهري : الحَرَض والحُرُض الأشنان . " أو تكون من الهالكين " أي الميتين ، وهو قول الجميع ، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه ، وإن كانوا السبب في ذلك .


[9242]:البيت لامرئ القيس و "يمين" بالرفع على الابتداء وإضمار الخبر، والتقدير: يمين الله لازمني، وبالنصب على إضمار فعل، وهو كثير في كلام العرب كقولهم: أمانة الله. وقد وصف أنه طرق محبوبته فخوفته الرقباء. وأمرته بالانصراف، فقال لها هذا، وأراد: لا أبرح فحذف "لا" والأوصال (جمع وصل) وهي المفاصل.
[9243]:في ع: موجبا.
[9244]:هو أوس بن حجر التميمي الجاهلي.
[9245]:الضمير للنحيل.
[9246]:الأذواد: جمع ذود، وهو القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع. والبكر: الفتى من الإبل، يقول: أرى المرء ذا المال يدركه الهرم والمرض، والفناء بعد ذلك فلا تغني كثرة ماله، كما أن البكر يدركه ذلك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

قوله : { قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } { تفتأ } ، جواب القسم { تالله } وهو على حرف لا ، أي لا تفتأ . و { تفتأ } فعل ناقص بمعنى لا تزال ، فيرفع الاسم وهو الضمير ، وينصب الخبر وهو الجملة من قوله { نذكر } أي لا تزال ذاكرا{[2281]} .

والمعنى : أنك لا تزال تذكر يوسف { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } أي إلى حال القرب من الهلاك . والحرض هو الإشفاء على الموت ، أو الفساد في البدن وفي العقل . أو هو الرجل الفاسد المريض . يقال : حرض الرجل يحرض حرضا بفتح الراء . ويستوي فيه المفرد والمثنى والمذكر والمؤنث{[2282]} .


[2281]:الدر المصون جـ 6 ص 546.
[2282]:الدر المصون جـ 6 ص 547 والقاموس المحيط ص 824.