جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني بقوله:"آمِنُوا": صدّقوا...
ويعني بقوله:"بمَا أنْزَلْت": ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن.
ويعني بقوله: "مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ "أن القرآن مصدّق لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة. فأمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه نظير الذي من ذلك في الإنجيل والتوراة. ففي تصديقهم بما أنزل على محمد، تصديق منهم لما معهم من التوراة، وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما معهم من التوراة...
عن مجاهد في قول الله: "وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ "يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقا لما معكم؛ التوراة والإنجيل...
[و] عن أبي العالية: "وآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ" يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدّقا لما معكم. يقول: لأنهم يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل...
"وَلاَ تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ": يا معشر أحبار أهل الكتاب؛ صدّقوا بما أنزلت على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدّق كتابكم، والذي عندكم من التوراة والإنجيل المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبي المبعوث بالحقّ، ولا تكونوا أوّل من كذّب به وجحد أنه من عندي وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم.
وكفرُهم به: جحودهم أنه من عند الله...
قال ابن جريج في قوله: "وَلا تَكُونُوا أولَ كَافِرٍ بِهِ": بالقرآن... [و] عن أبي العالية: "وَلاَ تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ" يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: "وَلا تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ" يعني بكتابكم؛ ويتأوّل أن في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبا منهم بكتابهم لأن في كتابهم الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ عليه التلاوة بعيدان. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر المخاطبين بهذه الآية في أوّلها بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا محمد، لأن محمدا صلوات الله عليه رسول مرسل لا تنزيلٌ مُنزل، والمنزل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أوّل الآية من أهل الكتاب. فذلك هو الظاهر المفهوم، ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ذكر ظاهر فيعاد عليه بذكره مكنيّا في قوله: وَلا تَكُونُوا أوّلَ كافِرٍ بِهِ، وإن كان غير محال في الكلام أن يذكر مكنيّ اسم لم يجر له ذكر ظاهر في الكلام. وكذلك لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في «به» على «ما» التي في قوله: لِمَا مَعَكُمْ لأنّ ذلك وإن كان محتملاً ظاهر الكلام، فإنه بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التلاوة والتنزيل، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به في أوّل الآية هو القرآن، فكذلك الواجب أن يكون المنهي عن الكفر به في آخرها هو القرآن. وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غير المنهي عن الكفر به في كلام واحد وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر في الكلام، هذا مع بعد معناه في التأويل.
[و] عن ابن عباس: "وَآمنُوا بِمَا أنْزَلْتَ مصَدّقا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ" وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم...
"وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنا قَلِيلاً": اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك...
[ف] عن أبي العالية... لا تأخذوا عليه أجرا. قال: هو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم عَلّمْ مجانا كما عُلّمْتَ مَجّانا...
وعن السدي: "وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنا قَلِيلاً" يقول: لا تأخذوا طمعا قليلاً وتكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو الثمن.
فتأويل الآية إذا: لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيس وعرض من الدنيا قليل. وبيعهم إياه تركهم إبانة ما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس، وأنه مكتوب فيه أنه النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بثمن قليل، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من أهل ملتهم ودينهم، وأخذهم الأجر ممن بينوا له ذلك على ما بينوا له منه.
وإنما قلنا معنى ذلك: «لا تبيعوا» لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائع الآيات بالثمن، فكل واحد من الثمن والمثمن مبيع لصاحبه، وصاحبه به مشتري. وإنما معناه على ما تأوّله أبو العالية: بينوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تبتغوا عليه منهم أجرا، فيكون حينئذٍ نهيه عن أخذ الأجر على تبيينه هو النهي عن شراء الثمن القليل بآياته...
"وَإيّايَ فاتّقُونِ": فاتقون في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن، وشرائكم بها القليل من العَرَض، وكفركم بما أنزلت على رسولي، وجحودكم نبوّة نبيي أن أحلّ بكم ما أحللت بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنّقِمَات...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به. وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة} إلى قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة} [البينة: 1-4] {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [البقرة: 89]
يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً وإلا فالثمن هو المشترى به. والثمن القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها، وهي بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير.
وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
"ولا تكونوا أول كافر به": ولا تكونوا أول فريق كافر به.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم.
و قال قوم: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيَّ وآياتي ثمناً قليلاً، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
قلت: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم؛ فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه، وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا، فقد دخل في مقتضى الآية، والله أعلم...
و قد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{وإيّاي فاتقون}: الكلام عليه إعراباً، كالكلام على قوله: {وإيّاي فارهبون}، ويقرب معنى التقوى من معنى الرهبة. قال صاحب المنتخب: والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأمّا الاتقاء فإنه يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه، فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم، انتهى كلامه.
ومعنى جواز العقاب هناك وتعيينه هنا: أن ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعهد ظاهره أنه من المعاصي التي تجوز العقاب، إذ يجوز أن يقع العفو عن ذلك، وترك الإيمان بما أنزل الله تعالى، وشراء الثمن اليسير بآيات الله من المعاصي التي تحتم العقاب وتعينه، إذ لا يجوز أن يقع العفو عن ذلك، فقيل في ذلك: {فارهبون}، وقيل في هذا: {فاتقون}، أي اتخذوا وقاية من عذاب الله إن لم تمتثلوا ما أمرتكم به. والأحسن أن لا يقيد "ارهبون "و"اتَّقون" بشيء، بل ذلك أمر بخوف الله واتقائه، ولكن يدخل فيه ما سيق الأمر عقيبه دخولاً واضحاً، فكان المعنى: "ارهبون"، إن لم تذكروا نعمتي ولم توفوا بعهدي. و"اتقون" إن لم تؤمنوا بما أنزلت وإن اشتريتم بآياتي ثمناً قليلاً.
قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}. عظم الآيات بالجمع والإضافة إليه إضافة تشريف، وحقر الثمن بالإفراد، والوصف بالقلة، فهو حقير في قدره وفي صفته...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وفي قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم}: تقرير لذلك الكتاب لا ريب فيه، وأمروا كما قال الحرالي: تجديد الإيمان بالقرآن لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده -ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة- انتهى.
وفي قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} معنى دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم وذلك أنه ليس المراد من {أول} ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب كثيراً ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته بل المبالغة في السبق... هذا في جانب الإثبات، فإذا نفيت ناهياً فقلت: لا تكن أول فاعل لكذا، فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك، فهو خارج مخرج المبالغة في الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له، وعبر به تنبيهاً على أنهم لما تركوا اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة فكان عملهم في كفرهم وإن تأخر عمل من يسابق شخصاً إلى شيء، أو يكون المعنى أنهم لم يمنعهم من الإيمان به جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشر بل مجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما هو من أفراد الأعم. فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب الجاهلين به أو الحاسدين له صلى الله عليه وسلم بخصوصه لا لعموم العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه الذي هو أقبح الوجوه، فالمعنى لا تكفروا به، فإنه إن وقع منكم كفر به كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل: كافرين -والله أعلم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون} من تعليم التوراة وكتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة، فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين (أحدهما) إعجازه (وثانيهما) كونه مصدقا لما معكم {ولا تكونوا أول كافر به} أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها. والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان ثم قال {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي صلى الله عليه وسلم وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى {اشتروا الضلالة بالهدى} أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاه أوقعاهم في الكبر والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء واتباعهم وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمى هذا الجزاء قليلا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر عن الحق وما يكون له من الشأن العظيم وحسن العاقبة، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعالى وتحل به نقمه في الدنيا وعقوبته في الآخر، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله {وإياي فاتقون}
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
{وإياي فاتقون} بالإيمان وإتباع الحق، والإعراض عن لذات الدنيا متى شغلت عن أعمال الآخرة. وليس في هذا تكرار مع قوله: وإياي فارهبون، لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان لاتقاء الرئيس خوف منفعة تفوته من المرؤوس، واتقاء المرؤوس خوف غضب الرئيس، فطلب إليهم أن يتقوا الله وحده، إذ بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، وإليه المصير...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والثمن والمال والكسب الدنيوي المادي.. كله شنشنة يهود من قديم!! وقد يكون المقصود بالنهي هنا هو ما يكسبه رؤساؤهم من ثمن الخدمات الدينية والفتاوى المكذوبة، وتحريف الأحكام حتى لا تقع العقوبة على الأغنياء منهم والكبراء، كما ورد في مواضع أخرى، واستبقاء هذا كله في أيديهم بصد شعبهم كله عن الدخول في الإسلام، حيث تفلت منهم القيادة والرياسة.. على أن الدنيا كلها -كما قال بعض الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في تفسير هذه الآية- ثمن قليل، حين تقاس إلى الإيمان بآيات الله، وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة عند الله...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... والمراد من كون القرآن مصدقاً لما معهم، أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل، ومن الوعيد والوعد والمواعظ والقَصص، فما تماثل منه بها، فأمره ظاهر، وما اختلفَ، فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد، ولذلك سمي ذلك الاختلاف نسخاً، لأن النسخ إزالة حكم ثابت، ولم يسم إبطالاً أو تكذبياً، فظهر أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفاً فيه لما معهم، لأنه ينادي على أن المخالفة تغيير أحكام تبعاً لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت الأعصار بحيث يكون المغيِّر والمغيَّر حقاً بحسب زمانه وليس ذلك إبطالاً ولا تكذيباً.
قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات} [النساء: 160] الآية. فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه. ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت به كتبهم، فيكون وروده معجزة لأنبيائهم، وتصديقاً آخر لدينهم، وهو أحد وجهين ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق؛ لأن التصديق حقيقة في إعلام المخبَر (بفتح الباء) بأن خبر المخبِر مطابق للواقع، إما بقوله: صدقت، أو صدقَ فلان، كما ورد في حديث جبريل في « صحيح البخاري» لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان؛ أنه لما أخبره، قال السائل: صدقتَ، قال: فعَجِبْنا له يَسْأَلُه ويُصدقه،
وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره، فيكون إخباره الثاني تصديقاً لإخبار الأول.
وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدقِ خبرٍ مَّا، فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقاً لما معهم بأخباره وأحكامه، لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى...
والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام، فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته؛ هما معنى المبادرة إلى الإسلام، ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي، فيكون معنى النهي مراداً ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مراداً وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معاً، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر، فيتأكد به الأمر الذي قبله، كأنه قيل: وآمنوا بما أنزلت وكونوا أول المؤمنين، وباعتبار الملزوم يكون نهياً عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان...
ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشئ عما قبله:
الأول: كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانياً لما كان كفرهم منهيًّا عنه؟
الثاني: أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل. ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر، أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان، وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب « الكشاف» واختاره البيضاوي فاقتصر عليه.
واعلم أن التعريض في خصوص وصف {أول}، وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به، فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحاً. والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه. وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية...في هذه السورة.
المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفراً أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب « الكشاف» من قوله: « ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة» ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه.
المعنى الثالث: أن يراد من {أول} المبادرُ والمستعجِل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى: {فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81]...
المعنى الرابع: أن يكون {أول} كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم، قال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة} [هود: 98]... المعنى الخامس: أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعد الهجرة هو حال ثانية للإسلام، فيها ظهر الإسلام متميزاً مستقلاً...
وبهذا كله يتضح أن قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} لا يتوهم منه أن يكون النفي منصباً على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو ثالث كافر بسبب القرينة الظاهرة وأن أول كافر ليس من قبيل الوصف الملازم حتى يستوي في نفي موصوفه أن يذكر الوصف وأن لا يذكر...
وقد عدي الاشتراءُ هنا إلى الآيات بالباء فكانت الآيات هي الواقعة موقع الثمن لأن الثمن هو مدخل الباء فدل دخول الباء على أن الآيات شبهت بالثمن في كونها أهون العوضين عند المستبدل، وذكر الباء قرينة المكنية لأنها تدخل على الثمن ولا يصح كونها تبعية إذ ليس ثم معنى حقه أن يؤدى بالحرف شبه بمعنى الباء، فها هنا يتعين سلوك طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية. ولا يصح أيضاً جعل الباء تخييلاً إذ ليست دالة على معنى مستقل يمكن تخيله. ثم عبر عن مفعول الاشتراء بلفظ الثمن وكان الظاهر أن يعطى لفظ الثمن لمدخول الباء أو أن يعبر عن كل بلفظ آخر كأن يقال: لا تشتروا بآياتي متاعاً قليلاً فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر.
وعبر عن المتاع ونحوه بالثمن على طريق الاستعارة التحقيقية لتشبيه هذا العوض من الرئاسة أو المال بالثمن أو لأنه يشبه الثمن في كونه أعياناً وحطاماً جعلت بدلاً عن أمر نافع وفي ذلك تعريض بهم في أنهم مغبونو الصفقة إذ قد بذلوا أنفس شيء وأخذوا حظًّا ما قليلاً فكان كلا البدلين في الآية مشبهاً بالثمن إلا أن الآيات شبهت به في كونها أهون على المعتاض، والمتاع الذي يأخذونه شبه بالثمن في كونه شيئاً مادياً يناله كل أحد أو للإشارة إلى أن كلاً من الآيات والثمن أمر هين على فريق فالآيات هانت على الأحبار والأموال هانت على العامة وخُص الهين حقيقة بإعطائه اللفظ الحقيقي الدال على أنه هين وأما الهين صورة فقد أعطى الباء المجازية وكل من الاستعارتين قرينة على الأخرى،
ولأنه لما غلب في الاستعمال إطلاق الثمن على النقدين اختير إطلاق ذلك على ما يأخذونه تلميحاً إلى أنهم يأخذون المال عن تغيير الأحكام الشرعية كقوله {يأخذون عرض هذا الأدنى} [الأعراف: 169]...
فعلماؤنا منهيون على أن يأتوا بما نهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأعراض الدنيا، وكذلك كانت سيرة السلف رضي الله عنهم. ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية وإن كان تعلقها بها ضعيفاً وهي مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين ويتفرع عنها أخذ الأجرة على تعليم العلم وعلى بعض ما فيه عبادة كالأذان والإمامة. وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على تعليم القرآن فضلاً عن الفقه والعلم.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الآيات المذكورة أعلاه تتطرق إلى تسعة من بنود العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل.
(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُم)، فالقرآن مصدق لما مع اليهود من كتاب. أي أن البشائر التي زفتها التوراة والكتب السماوية الأخرى بشأن النّبي الخاتم، والأوصاف التي ذكرتها لهذا النّبي والكتاب السماوي تنطبق على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى القرآن المنزل عليه. فلماذا لا تؤمنون به؟!
(وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ) أي لا عجب أن يكون المشركون والوثنيون في مكة كفّاراً بالرسالة، بل العجب في كفركم، بل في كونكم روّاداً للكفر، وسباقين للمعارضة. لأنكم أهل الكتاب، وكتابكم يحمل بشائر ظهور هذا النّبي، وكنتم لذلك تترقبون ظهوره. فما عدى ممّا بدا؟ ولماذا كنتم أول كافر به؟!. إنه تعنتهم الذي لولاه لكانوا أول المؤمنين برسالة النّبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم).
(وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلا). آيات الله، لا ينبغي دون شك معاوضتها، بأي ثمن، قليلا كان أم كثيراً. وفي تعبير هذه الآية إشارة إلى دناءة هذه المجموعة من اليهود، التي تنسى كل التزاماتها من أجل مصالحها التافهة. هذه الفئة، التي كانت قبل البعثة من المبشرين بظهور نبي الإِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبكتابه السماوي، أنكرت بشارات التوراة وحرفتها، حين رأت مصالحها معرضة للخطر، وعلمت أن مكانتها الاجتماعية معرضة للانهيار عند انكشاف الحقيقة للناس.
[و] في الواقع، لو أعطيت الدنيا بأجمعها لشخص ثمناً لإِنكار آية واحدة من آيات اللّه، لكان ثمناً قليلا، لأنّ هذه الحياة فانية، والحياة الأخرى هي دار البقاء والخلود. فما بالك بإنسان يفرّط بهذه الآيات الإِلهية في سبيل مصالحه التافهة؟!
(وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)، والخطاب موجّه إلى زعماء اليهود الذين يخشون أن ينقطع رزقهم، وأن يثور المتعصبون اليهود ضدّهم، وتطلب منهم أن يخشوا الله وحده، أي أن يخشوا عصيان أوامره سبحانه.
قوله تعالى : " وآمنوا بما أنزلت " أي صدقوا ، يعني بالقرآن . " مصدقا " حال من الضمير في " أنزلت " ، التقدير بما أنزلته مصدقا ، والعامل فيه أنزلت . ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقران مصدقا . ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال . " لما معكم " يعني من التوراة .
قوله تعالى : " ولا تكونوا أول كافر به " الضمير في " به " قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو العالية . وقال ابن جريج : هو عائد على القرآن ، إذ تضمنه قوله " بما أنزلت " . وقيل : على التوراة ، إذ تضمنها قوله : " لما معكم " فإن قيل كيف قال " كافر " ولم يقل كافرين . قيل التقدير : ولا تكونوا أول فريق كافر به ، وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل ؛ لأن المعنى أول من كفر به . وحكى سيبويه : هو أظرف الفتيان وأجمله ، وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال " أول كافر به " وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب ؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا ؛ لأنهم حجة مظنون بهم عِلم . و " أول " عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل ، وهو على أفعل عينه وفاؤه واو ، وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين العين والفاء ، وهذا مذهب البصريين . وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا ، فأصله : أوأل ، ثم خففت الهمزة ، وأبدلت واوا وأدغمت فقيل : أول كما تخفف همزة خطيئة ، قال الجوهري : والجمع الأوائل والأوالي أيضا على القلب . وقال قوم : أصله وولِّ على فوعل ، فقلبت الواو الأولى همزة ، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع ، وقيل هو أفعل من آل يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم .
مسألة : لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب ، وهم الكوفيون ومن وافقهم ؛ لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا ، وخص الأول بالذكر ؛ لأن التقدم{[608]} فيه أغلظ ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا ، وهذا واضح .
قوله تعالى :{ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " ولا تشتروا " معطوف على قوله " ولا تكونوا " نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر ، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى . وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه ، قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره . وقيل : كانت لهم مأكل يأكلونها على العلم كالراتب ، فنهوا عن ذلك . وقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك ، وفي كتبهم : يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة ، قاله أبو العالية . وقيل المعنى : ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا ، يعني : الدنيا ومدتها ، والثمن الذي هو نزر لا خطر له ، فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا ؛ لأنهم جعلوه عوضا ، فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر :
إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به *** فما أصبت بترك الحج من ثمن
قلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم ، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه ، وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا ، فقد دخل في مقتضى الآية ، والله أعلم .
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) يعني ريحها .
الثانية : وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم - لهذه الآية وما كان في معناها ، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص ، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " . وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم ، وأغلظهم على المسكين . روى أبو هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال ( درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء ) وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله . فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها ) . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام حديث ابن عباس حديث الرقية ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه .
وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام فاسد ؛ لأنه في مقابلة النص ، ثم إن بينهما فرقانا ، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن . قال ابن المنذر وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بأجرة ، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم ، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة .
وأما الجواب عن الآية - فالمراد بها بنو إسرائيل ، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا ، فيه خلاف ، وهو لا يقول به .
جواب ثان : وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا ، فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك ، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله ، فلا يجب عليه التعليم ، وله أن يقبل على صنعته وحرفته . ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين ؛ لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك ، فقال : ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته . وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل ، أما حديث ابن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك . وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له : أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزِّم ، وهو متروك الحديث أيضا ، وهو حديث لا أصل له . وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه ، والمغيرة معروف عند{[609]} أهل العلم ، ولكنه له مناكير هذا منها ، قاله أبو عمر . ثم قال : وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم ؛ لأنه روي عن عبادة من وجهين ، وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي ، وهو منقطع . وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل ، وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل ؛ لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون ، كلما خلق الدين جددوه ، أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم ، فإن المعلم إذا قال للصبي قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال الصبي : بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي ، وبراءة للمعلم ، وبراءة لأبويه من النار )
الثالثة : واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة ، فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس ، فقال : أرجو ألا يكون به بأس ، وهو أشد كراهة له في الفريضة . وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه . وقال الأوزاعي : لا صلاة له . وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم : قال ابن عبد البر : وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد .
قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في " براءة " إن شاء الله تعالى . وكره ابن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو . وقال ابن حبيب : لا بأس بالإجارة على تعليم ا لشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء ، قال أبو الحسن اللخمي : ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه . وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال .
الرابعة : روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة ، فأقام بها أياما فقال : هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي ؟ قالوا له : أبو حازم ، فأرسل إليه ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ما هذا الجفاء ؟ قال أبو حازم يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني ؟ قال : أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني ، قال : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ، ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك . قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال : أصاب الشيخ وأخطأت ، قال سليمان : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت . قال : لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا ، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ، قال : أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه ، فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لنا عند الله ؟ قال : اعرض عملك على كتاب الله . قال : وأي مكان أجده قال " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم{[610]} " [ الإنفطار : 13 - 14 ] قال سليمان فأين رحمة الله يا أبا حازم ؟ قال أبو حازم رحمة الله قريب من المحسنين . قال له سليمان : يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم ؟ قال : أولو المروءة والنهى . قال له سليمان : فأي الأعمال أفضل ؟ قال أبو حازم : أداء الفرائض مع اجتناب المحارم . قال سليمان : فأي الدعاء أسمع ؟ قال : دعاء المحسن إليه للمحسن ، فقال أي الصدقة أفضل ؟ قال : للسائل البائس وجهد المقل{[611]} ليس فيها منٌ ولا أذى . قال : فأي القول أعدل ؟ قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه . قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها ، قال : فأي المؤمنين أحمق ؟ قال : رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره . قال له سليمان : أصبت فما قولك فيما نحن فيه ؟ قال : يا أمير المؤمنين أوَ تُعفيني ؟ قال له سليمان : لا ولكن نصيحة تلقيها إلي ، قال : يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف ، وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها ، فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم ؟ فقال له رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم ، قال أبو حازم : كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان : فكيف لنا أن نصلح ؟ قال : تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية . قال له سليمان : فكيف لنا بالمأخذ به ؟ قال أبو حازم : تأخذه من حله وتضعه في أهله . قال له سليمان : هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك ؟ قال أعوذ بالله قال له سليمان : ولم ذاك ؟ قال : أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات . قال له سليمان : ارفع إلينا حوائجك . قال : تنجيني من النار وتدخلني الجنة . قال له سليمان : ليس ذاك إلي . قال أبو حازم : فما لي إليك حاجة غيرها . قال : فادع لي . قال أبو حازم : اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى . قال له سليمان : قط . قال أبو حازم : قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله ، فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر . قال له سليمان : أوصني . قال : سأوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك ، فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب [ إليه ]{[612]} أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير ، قال : فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك [ بذلا ] ، {[613]} وما أرضاها لك فكيف [ أرضاها ]{[614]} لنفسي ، إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان [ فسألهما فقالتا : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ] ، {[615]} فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ، فقال رب : إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن ، فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان ، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله . فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام : هذا رجل جائع فقالت إحداهما : اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها . وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ، فشق على موسى حين ذكرت " أجر ما سقيت لنا " ولم يجد بدا من أن يتبعها ؛ لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا ، فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها ، فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز ، وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى ، فلما عيل صبره ناداها : يا أمة الله كوني خلفي وأريني السمت بقولك ، فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب : اجلس يا شاب فتعش . فقال له موسى عليه السلام : أعوذ بالله فقال له شعيب لم ؟ أما أنت جائع ؟ قال : بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما ، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا ، فقال له شعيب : لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل .
فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه ، وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء ، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة .
قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء . انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا{[616]} بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول بالحق حيث كان ) وفي التنزيل " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم{[617]} " [ المائدة 54 ]
قوله تعالى : " وإياي فاتقون " قد تقدم معنى التقوى{[618]} . وقرئ " فاتقوني " بالياء وقد تقدم . وقال سهل بن عبد الله قوله " وإياي فاتقون " قال موضع علمي السابق فيكم . " وإياي فارهبون " قال موضع المكر والاستدراج{[619]} لقول الله تعالى " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون{[620]} " [ الأعراف : 182 ] " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون{[621]} " [ الأعراف : 99 ] فما استثنى نبيا ولا صديقاً
قوله : ( وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ( يأمر الله بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي أنزل وفيه تصديق لما معهم من التوراة والإنجيل وما فيهما من إيراد لذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، في صراحة جلية ، لولا أنهم كتموا وبدلوا وافتروا افتراء عظيما .
قوله : ( ولا تكونوا أول كافر به ( لعل أصوب تفسير لأول كافر بالقرآن أو النبي هو القول بأن المقصود بذلك أنهم أول من كفر من جنس أهل الكتاب بعدما سمعوا بمقدم النبي وما أنزل عليه من قرآن إذ كانوا يقرأون ذلك في كتبهم ، ولا يستقيم المعنى إذا ما أخذ بظاهر العبارة التي تبين أنهم أول الناس كفرا ، ذلك أنهم كانوا مسبوقين في الكفر بمشركي العرب .
قوله : ( ولا تشتروا بئاياتي ثمنا قليلا( من حيث خصوص السبب فقد نزلت في بني إسرائيل الذين كانوا يكتمون خبر النبي في التوراة فقد جاء اسمه عليه فيها مكتوبا جليا ، لكنهم أخفوا ذلك وأنكروه مقابل ما اشتروه من حطام الدنيا وما رضوه لأنفسهم من فسق عن أمر الله وتمرد عليه .
لكن عموم الآية أولى بالاعتبار وهو خطاب للناس عموما ألا يشتروا بأوامر الله ونواهيه أو بدينه وشرعه ثمنا قليلا ، والثمن القليل يقصد منه الدنيا وما فيها من طيبات ومعايش وتلك هي صورة من صور البيع الذي يقوم على المعاوضة حيث الخسران الفادح الذي يتفاوت فيه العوضان تفاوتا ليس له نظير ، مثلما يكون الفرقان بين الصدق والكذب ، ولا محالة بعد ذلك أن يكون الثمن المقبوض بدلا من الدين والشرع قليلا ، فهو قليل حقا ، وهو هين بالغ الهوان حقا .
أما في أخذ الأجرة على تعليم القرآن وما استنبط منه من معان ودراسات فهو جائز رغم ما ورد في ذلك من أقوال مخالفة ، ونستند في الجواز لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه يحذرهم من هذه المخالفات الكبيرة ، لاحتوائها على الجحد والغمط .