فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّـٰيَ فَٱتَّقُونِ} (41)

{ وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ، ولا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق وأنتم تعلمون } .

{ وآمنوا بما أنزلت } يعني القرآن { مصدقا لما معكم } أي لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم { ولا تكونوا أول كافر به } المراد أهل الكتاب لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء وما يلزم من التصديق ، أي لا تكونوا يا معشر اليهود أول كافر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم مع كونكم قد وجدتموه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل ، مبشرا به في الكتب المنزلة عليكم .

وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة ، وقيل الضمير في { به } عائد إلى القرآن المدلول عليه قوله { بما أنزلت } وقيل عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله لما معكم ، والخطاب لجماعة ، والكافر لفظه واحد وهو في معنى الجمع أي أول الكفار أو أول فريق كافر ، ومفهوم الصفة غير مراد هنا فلا يرد أن المعنى بل آخر كافر ، وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر ، بل يجب أن تكونوا أول فريق مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه وصفاته .

{ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } أي لا تستبدلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في التوراة عوضا يسيرا من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشيء اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل ، وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم ، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه ، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به أو إثبات باطل نهى الله عنه ، أو امتنع من تعليم ما علمه الله وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا { وإياي فاتقون } بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا .

ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادئ لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى ، أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين ، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى وباقي الكلام فيه كالكلام في قوله { وإياي فارهبون } وقد تقدم قريبا .