الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: التقديس: الصلاة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن تأويل قوله:"وَإذْ قَالَ رَبكَ": وقال ربك، وأن «إذ» من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف... والأمر في ذلك بخلاف ما قال، وذلك أن «إذ» حرف يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت، وغير جائز إبطال حرف كان دليلاً على معنى في الكلام.

فإن قال قائل: فما معنى ذلك؟ وما الجالب ل«إذْ»، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يعطف به عليه؟ قيل له: قد ذكرنا فيما مضى أن الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وكُنْتُمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ "بهذه الآيات والتي بعدها موبخهم مقبحا إليهم سوء فعالهم ومقامهم على ضلالهم مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم، ومذكرهم بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم بأسه أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصية الله، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته ومعرّفهم ما كان منه من تعطفه على التائب منهم استعتابا منه لهم. فكان مما عدد من نعمه عليهم، أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا، وسخر لهم ما في السموات من شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع، فكان في قوله: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللّهِ وكُنْتُمْ أمْواتا فأحْياكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ ثُمّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ "معنى: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئا، وخلقت لكم ما في الأرض جميعا، وسوّيت لكم ما في السماء. ثم عطف بقوله: "وَإذْ قالَ رَبكَ للمَلائِكَة...ِ" على المعنى المقتضَى بقوله: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ..." إذ كان مقتضيا ما وصفت من قوله: اذكروا نعمتي إذْ فعلت بكم وفعلت، واذكروا فعلى بأبيكم آدم، إذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة...

(إِنّي جاعِلٌ في الأرْضِ). اختلف أهل التأويل في قوله: إنّي جاعِلٌ، فقال بعضهم: إني فاعل...

عن الحسن وقتادة، قالوا: قال الله للملائكة: إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قال لهم: إني فاعل...

وقال آخرون: إني خالق... عن أبي روق، قال: كل شيء في القرآن «جعل» فهو خلق...

والصواب في تأويل قوله: "إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَة" أي مستخلف في الأرض خليفة ومصير فيها خلفا، وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة. وقيل إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي مكة...

قوله تعالى: (خَلِيفَةً). والخليفة، من قولك: خلف فلان فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال جل ثناؤه: "ثُمّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" يعني بذلك: أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفا، يقال منه: خلف الخليفة يخلُف خلافة وخليفا...

عن ابن عباس، قال: أوّل من سكن الأرض الجنّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: "إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً". فعلى هذا القول "إني جاعل في الأرض خليفة" من الجنّ يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها...

وقال آخرون... أي خلفا يخلف بعضهم بعضا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله...

عن ابن سابط في قوله: "إني جاعلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدّماءَ" قال: يعنون به بني آدم...

قال ابن زيد، قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا، وأجعل فيها خليفة، وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة والأرض ليس فيها خلق...

وهذا القول يحتمل ما حُكي عن الحسن، ويحتمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة له، يحكم فيها بين خلقه بحكمه...

عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: "إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً" قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي، وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله لأنهما أخبرا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته إذ سألوه: ما ذاك الخليفة: إنه خليفة يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذرية خليفته دونه وأخرج منه خليفته. وهذا التأويل وإن كان مخالفا في معنى الخليفة ما حُكي عن الحسن من وجه، فموافق له من وجه. فأما موافقته إياه فصرف متأوّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة. وأما مخالفته إياها فإضافتهما الخلافة إلى آدم بمعنى استخلاف الله إياه فيها، وإضافة الحسن الخلافة إلى ولده بمعنى خلافة بعضهم بعضا، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة.

والذي دعا المتأوّلين قوله: "إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً" في التأويل الذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك؛ أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها إذ قال لهم ربهم: "إني جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفكُ الدّماءَ" إخبارا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه جاعله في الأرض لا غيره، لأن المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنه جرت. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله قد برأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء وطهره من ذلك، علم أن الذي عنى به غيره من ذرّيته، فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غير آدم، وأنهم ولده الذين فعلوا ذلك، وأن معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا غيرهم لما وصفنا. وأغفل قائلو هذه المقالة ومتأوّلو الآية هذا التأويل سبيل التأويل، وذلك أن الملائكة إذ قال لها ربها: "إنّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً" لم تضف الإفساد وسفك الدماء في جوابها ربها إلى خليفته في أرضه، بل قالت: "أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها"، وغير منكر أن يكون ربها أعلمها أنه يكون لخليفته ذلك ذرية يكون منهم الإفساد وسفك الدماء، فقالت: يا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ كما قال ابن مسعود وابن عباس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل...

"أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكَ الدّماءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ" : ذلك منها استخبار لربها بمعنى: أعلمنا يا ربنا، أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته وتارك أن تجعل خلفاءك منا، ونحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل، وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك أن يكون لله خلق يعصيه.

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على وجه التعجب، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة.

وأما وصف الملائكة من وصفت في استخبارها ربها عنه بالفساد في الأرض وسفك الدماء، فغير مستحيل فيه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما عليه قتادة من التأويل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: "أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها" على ما وصفت من الاستخبار.

فإن قال لنا قائل: وما وجه استخبارها والأمر على ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قيل: وجه استخبارها حينئذٍ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأرض حتى لا يعصوه.

وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس وتابعه عليه الربيع بن أنس من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض قبل آدم من الجن، فقالت لربها: أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب.

وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه.

وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع بن أنس وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ويلزم سامعه به الحجة. والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستحيل منه الكذب والخطأ والسهو. وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد. فأولى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بالآية، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ مما يصحّ مخرجه في المفهوم.

فإن قال قائل: فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الملائكة: أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا فأين ذكر إخبار الله إياهم في كتابه بذلك؟ قيل له: اكتفي بدلالة ما قد ظهر من الكلام عليه عنه.

"وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ" فإنه يعني: إنا نعظمك بالحمد لك والشكر، كما قال جل ثناؤه: "فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ" وكما قال: "وَالمَلائِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ" وكل ذكر لله عند العرب فتسبيح وصلاة، يقول الرجل منهم: قضيت سبحتي من الذكر والصلاة. وقد قيل إن التسبيح صلاة الملائكة...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "ونَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ" قال: يقولون: نصلي لك...

وقال آخرون: "نسبح بحمدك" التسبيح المعلوم...

(وَنُقَدّسُ لَكَ): والتقديس هو التطهير والتعظيم ومنه قولهم: سبّوح قدّوس، يعني بقولهم سبوح: تنزيه لله وبقولهم قدوس: طهارة له وتعظيم ولذلك قيل للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذا: "وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ" ننزّهك ونبرّئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، ونصلي لك. ونقدس لك: ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.

وقد قيل: إن تقديس الملائكة لربها صلاتها له...

عن قتادة في قوله: "وَنُقَدّسُ لَكَ" قال: التقديس: الصلاة...

[و] عن أبي صالح في قوله: "وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ" قال: نعظمك ونمجدك...

[و] عن مجاهد في قول الله: "وَنُقَدّسُ لَكَ" قال: نعظمك ونكبرك...

"قالَ إنّي أعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ": اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: يعني بقوله: "أعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصية لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفي على ملائكته...

عن ابن عباس: "إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره...

وقال آخرون: معنى ذلك أني أعلم ما لا تعلمون من أنه يكون من ذلك الخليفة أهل الطاعة والولاية لله...

عن قتادة: قال: "إني أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة...

وهذا الخبر من الله جل ثناؤه، ينبئ عن أن الملائكة التي قالت: "أتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدّماءَ" استفظعت أن يكون لله خلق يعصيه، وعجبت منه إذ أخبرت أن ذلك كائن فلذلك قال لهم ربهم: "إني أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" يعني بذلك: والله أعلم أنكم لتعجبون من أمر الله وتستفظعونه وأنا أعلم أنه في بعضكم، وتصفون أنفسكم بصفة أعلم خلافها من بعضكم وتعرّضون بأمر قد جعلته لغيركم. وذلك أن الملائكة لما أخبرها ربها بما هو كائن من ذرية خليفته من الفساد وسفك الدماء قالت لربها: يا رب أجاعل أنت في الأرض خليفة من غيرنا يكون من ذريته من يعصيك أم منا؟ فإنا نعظمك ونصلي لك ونطيعك ولا نعصيك ولم يكن عندها علم بما قد انطوى عليه كشحا إبليسُ من استكباره على ربه. فقال لهم ربهم: إني أعلم غير الذي تقولون من بعضكم. وذلك هو ما كان مستورا عنهم من أمر إبليس وانطوائه على ما قد كان انطوى عليه من الكبر. وعلى قيلهم ذلك ووصفهم أنفسهم بالعموم من الوصف عوتبوا...

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :

... فإن قال قائل: إن الله عز وجل ذكر أنهم [أي الملائكة] قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} هذه تزكية لأنفسهم وقد قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم}. قلنا وبالله تعالى التوفيق: مدح المرء لنفسه ينقسم قسمين:

أحدهما: ما قصد به المرء الافتخار بغيا وانتقاصا لغيره، فهذه هي التزكية وهو مذموم جدا.

والآخر: ما خرج مخرج الإخبار بالحق، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر" و "فضلت على الأنبياء بست "وكقول يوسف عليه السلام {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم 55}، ولا يسمى هذا تزكية. ومن هذا الباب قول الملائكة هاهنا. برهان هذا: أنه لو كان قولهم مذموما لأنكره الله عز وجل عليهم، فإذ لم ينكره الله تعالى فهو صدق. ومن هذا الباب قولنا: نحن المسلمون ونحن خير أمة أخرجت للناس. وكقول الحواريين: {نحن أنصار الله}. فكل هذا إذا قصد به الحض على الخير لا الفخر، فهو خير. فإن قال قائل: إن الله تعالى قال لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون}، قلنا: نعم، وما شك الملائكة قط أن الله تعالى يعلم ما لا يعلمون، وليس هذا إنكارا...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

{إني أعلم ما لا تعلمون} من المصلحة فيه.

وقيل: إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فِي الأرض خَلِيفَةً}: ومعناه: مُصَيّرٌ في الأرض خليفة. والخليفة: من يخلف غيره. والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته.

فإن قلت: لأي غرض أخبرهم بذلك؟ قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم. وقيل: لِيُعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة.

فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة...

فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة، وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة. على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أَتبعه من قوله {وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا}...

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

الإشارة إلى خلق آدم عليه السلام. روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله عز وجل، خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك، والخبيث والطيب). قال الترمذي: هذا حديث صحيح.

وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: (خلق الله تعالى آدم طوله ستون ذراعا). وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة ما بين العصر إلى الليل) قال ابن عباس: لما نفخ فيه الروح، أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري منه في شيء إلا صار لحما ودما...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة... إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم، وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

في وجوه فوائد من الآية:

الأول: دلت الآية على أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، لاسيما عند الحيرة. والسؤال يكون بالمقال، ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها كالبحث العلمي، والاستدلال العقلي، والإلهام الإلهي.

الثاني: إذا كان من أسرار الله تعالى، وحكمه، ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا!.

الثالث: إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل -بعد الإرشاد- إلى الخضوع والتسليم. وذلك أنه -بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون- علّم آدم الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة، كما سيأتي بيانه.

الرابع: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، عن تكذيب الناس، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان، على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا. فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثِّلوا على أنهم يختصمون، ويطلبون البيان والبرهان، فيما لا يعلمون، فأجدرْ بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين. أي فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها. وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب، وكونه لا ريب فيه، والرسول، وكونه يبلغ وحي الله تعالى، ويهدي به عباده، واختلاف الناس فيها.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

(تمهيد للقصة ومذهب السلف والخلف في المتشابهات)

إن أمر الخلقة وكيفية التكوين من الشئون الإلهية التي يعز الوقوف عليها كما هي، وقد قص الله علينا في هذه الآيات خبر النشأة الإنسانية على نحو ما يؤثر عن أهل الكتاب من قبلنا، ومثل لنا المعاني في صور محسوسة، وأبرز الحكم والأسرار بأسلوب المناظرة والحوار، كما هي سنته في مخاطبة الخلق، وبيان الحق، وقد ذهب الأستاذ إلى أن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها بحسب قانون التخاطب إما استشارة وذلك محال على الله تعالى، وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم ومحاجة وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى أيضا ولا بملائكته، ولا يجامع ما جاء به الدين من وصف الملائكة ككونهم {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وقد أورد الأستاذ مقدمة تمهيدية لفهم القصة فقال ما مثاله:

أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات 536 وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إليه غيره، وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه. فللمسلمين فيه طريقتان:

(إحداهما) طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل في النقل كقوله تعالى {ليس كمثله شيء} وقوله عز وجل {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا وصورها لمخيلاتنا.

(والثانية) طريقة الخلف وهي التأويل يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل فلا يخرج شيء منها عن المعقول فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم العقلي القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره ولا بد له من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل (قال الأستاذ) وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته علم الغيب. وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين أنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها، لأن الله عز وجل لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى.

(وأقول) أنا – مؤلف هذا التفسير: إنني ولله الحمد على طريقة السلف وهديهم عليها أحيا وعليها أموت إن شاء الله تعالى وإنما أذكر من كلام شيخنا ومن كلام غيره ومن تلقاء نفسي بعض التأويلات لما ثبت عندي باختباري الناس أن ما انتشر في الأمة من نظريات الفلاسفة ومذاهب المبتدعة المتقدمين والمتأخرين جعل قبول مذهب السلف واعتقاده يتوقف في الغالب على تلقيه من الصغر بالبيان الصحيح وتخطئة ما يخلفه، أو طول ممارسة الرد عليهم، ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وإنني أقول عن نفسي: إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلا إلا بممارسة هذه الكتب.

فنحن قد سمعنا بآذاننا شبهات على بعض الآيات والأحاديث لم يسهل علينا دفعها وإقناع أصحابها بصدق كلام الله وكلام رسوله إلا بضرب من التأويل وأمثال تقربها من عقولهم ومعلوماتهم أحسن التقريب، وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف وفي معاني التفويض والتأويل وتجد تفصيل ذلك لنا في أوائل تفسير سورة آل عمران كما أخطأ من قالوا إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد إليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقا والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كلا من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما على الآخر، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقا، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منهما رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام الله ورسوله أولى بالإتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جدا، فظواهر الآيات في خلق آدم مثلا مقدم في الاعتقاد على النظريات المخالفة لها من أقوال الباحثين في أسرار الخلق وتعليل أطواره ونظامه مادامت ظنية لم تبلغ درجة القطع.

وينبغي أن تعلم أيها القارئ المؤمن أن من الخير لك أن تطمئن قلبا بمذهب السلف ولا تحفل بغيره، فإن لم يطمئن قلبك إلا بتأويل يرضاه أسلوب اللغة العربية فلا حرج عليك، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأئمة علماء السلف قد تأولوا بعد الظاهر كما فعل الإمام أحمد وغيره في آيات المعية. وآخرون في غيرها، والذي عليك قبل كل شيء أن توقن بأن كلام الله كله حق، وألا تؤول شيئا منه بسوء القصد. وكذا ما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر الدين بغير شبهة. والتفسير الموافق للغة العرب لا يسمى تأويلا وإنما يجب معه تنزيه الخالق وعدم تشبيه عالم الغيب بعالم الشهادة من كل وجه.

إذا تقرر هذا فهناك تفسير هذا السياق بما قرره شيخنا في الأزهر قال ما مثاله: أما الملائكة فيقول السلف فيهم: إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم، فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالما آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.

(قال الأستاذ) وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون، والدين إنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم يكاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء، فقد ورد في الصحيح عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في هذا العلم اللدنى الخاص وقد سئل "هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من العلم. فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن الخ "وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا، وأن هناك معاني قصدت إفادتها بهذه العبارات وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون، وشأن مع الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان، وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله.

وأما الفائدة فيما وراء البحث في حقيقة الملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهي من وجوه.

(أحدها) أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها (كالبحث العملي والاستدلال العقلي والإلهام الإلهي) وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

(ثانيها) إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليفة وحكمها لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا.

(ثالثها) أن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم؛ وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل؛ بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم مالا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

(رابعها) تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب الناس؛ ومحاجتهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين؛ وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبروا على هؤلاء المكذبين؛ ورشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها. وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده وفي اختلاف الناس فيهما، ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد.

وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة الملائكة ووضع لهم تعريفا ومنهم من أمسك عن ذلك وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون. والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية، وما لها من المكانة والخصوصية: أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، ففهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له تكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطا بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد، وهو متعين لازم الوقوع، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى، فعجبوا كيف يخلق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال والتوجيه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم، كما نسب القول إلى السموات والأرض في قوله {قالتا أتينا طائعين}.

فأول ما ألقى إليهم من الإلهام أو غيره من طريق الإعلام هو وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار في كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه، ومن شأن الإنسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه في العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع في اعتقاده، ومثل الأستاذ لذلك بمشايخ الصوفية مع مريديهم.

ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس في بلاد الحضارة والصناعات في هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر، فإذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فإنهم يصدقون، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.

فإن الذين يصنعون سلكا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة في دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك، وقد كان، ويصدقون بإمكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد، وليس تصديقنا تقليدا ولا تسليما أعمى كما يقال بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل. والملائكة أعلم منا بشأن الله في أفعاله وأنه العليم الحكيم، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه، ولذلك كان قوله تعالى {إني أعلم مالا تعلمون} جوابا مقنعا أي أقناع.

على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر. ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب، وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل، ولذلك تفضل الله تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الإنساني وسره عند طلوع فجره. فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه، وناهيك بمقام العلم وفائدته، وسر العالم وحكمته.

فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الإنكار. فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم، وتأويل وتفهيم؛ والله بكل شيء عليم، وهاك تفسير الآيات بالتفصيل.

قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعى إليه، فهي تجلى حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذ كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شيء اكتسابا، وهي من جهة أخرى تسلية له صلى الله عليه وسلم ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، أنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا، وأن الفساد في الأرض وجحود الحق ومناصب الداعي إليه ليس بدعا من قومه، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر.

ثم إن للمفسرين في (الخليفة) مذهبين: ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وأنه انقرض، وأن هذا الصنف الذي أخبر الله الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه، كما قال تعالى بعد ذكر إهلاك القرون {10: 14 ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} وقالوا: إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء وأن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم؛ ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه وليس ذلك من مقتضى الخلافة؛ أجاب الله الملائكة بأنه يعلم مالا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة (قال الأستاذ) وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة، وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا.

هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحن والبن، أو الطم والرم، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرة كانوا يسمون الجن، والقائلون منهم بالحن (بالمهملة) والبن قالوا إنهم كانوا قبل الجن، وقالوا: إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادا، فأبادهم الله (كما تقدم آنفا) وقالوا: إن الله تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار. وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبئ بأمر ذي بال، وهي متفقة فيه بالإجمال، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض.

هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة، وذهب الآخرون إلى أن المراد إني جاعل في الأرض خليفة عني، ولهذا شاع أن الإنسان خليفة الله في أرضه. وقال تعالى {38: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} والظاهر والله أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته، ولكن ما معنى هذه الخلافة، وما المراد من هذا الاستخلاف هل هو استخلاف بعض الإنسان على بعض؛ أم استخلاف البعض على غيره؟

جرت سنة الله في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه الوضعية (أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي) كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عاما في كل ما يميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات، نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه. فأما مالا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد فيها من الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدودة. قال تعالى {21: 20 يسبحون الليل والنهار لا يفترون} {27: 165 وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون} {37: 1، 2 والصافات صفا، فالزاجرات زجرا} {79: 1 – 5 والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا} على قول من قال: إن المراد بها الملائكة إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة، وورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائما، والراكع دائما إلى يوم القيامة.

وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل. وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه، فلو فرض أن له علما وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينا لحكم الله وسننه في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فإن له استعدادا محدودا، وعلما إلهاميا محدودا، وعملا محدودا، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته، ولا حصر لأحكامه وسننه، ولا نهاية لأعماله وتصرفه.

وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفا كما قال في كتابه {4: 27 وخلق الإنسان ضعيفا} وخلقه جاهلا كما قال تعالى {16: 78 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ولكنه على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان عالما بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان ويعطى قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغربية هي التي يسمونها العقل ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهي التي تغني الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان، وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان.

فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعة ليظهر بها أسرار خلقته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها – أعطاه أحكاما وشرائع حد فيها لأعماله وأخلاقه حدا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومرب للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة.

ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع، ويكتشف ويخترع ويجدّ ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلا، والماحل خصبا، والخراب عمرانا، والبراري بحارا أو خلجانا، وولد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن كالليمون المسمى "يوسف أفندي" فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخر لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات. أليس من حكمة الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض. يقيم سننه: ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته، وبدائع حكمه، ومنافع أحكامه وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم؟ وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه؟

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} بادروا إلى السؤال واستفهام الاستغراب و {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} بلا غفلة ولا فتور؟ لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد، والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم.

نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه به علمه علم الله تعالى، وكلما أوتى نصيبا منه ظهر له من جهله ما لم يكن يعلم، وكلما أعطي حظا من الأدب والعقل ظهر له ضعف عقله، ولله در الشافعي حيث قال:

كلما أدبني الدهْ *** رُ أراني نَقْصَ عقلي

وإذا ما ازددت علما *** زادني علما بجهلي

فهو على سعة علمه لم يؤت من العلم الإلهي إلا قليلا، وهو مع ذلك أوسع مظاهر العلم الإلهي، ولذلك أجاب الله الملائكة بالعلم {قال إني أعلم مالا تعلمون}.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض.

فقالت الملائكة عليهم السلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} بالمعاصي {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [و] هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، {وَنُقَدِّسُ لَكَ} يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.

قال الله تعالى للملائكة: {إِنِّي أَعْلَمُ} من هذا الخليفة {مَا لَا تَعْلَمُونَ}، لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يرد القصص في القرآن في مواضع ومناسبات. وهذه المناسبات التي يساق القصص من أجلها هي التي تحدد مساق القصة، والحلقة التي تعرض منها، والصورة التي تأتي عليها، والطريقة التي تؤدى بها. تنسيقا للجو الروحي والفكري والفني الذي تعرض فيه. وبذلك تؤدي دورها الموضوعي، وتحقق غايتها النفسية، وتلقي إيقاعها المطلوب. ويحسب أناس أن هنالك تكرارا في القصص القرآني، لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى. ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة، أو حلقة من قصة قد تكررت في صورة واحدة، من ناحية القدر الذي يساق، وطريقة الأداء في السياق. وأنه حيثما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه، ينفي حقيقة التكرار.

ويزيغ أناس فيزعمون أن هنالك خلقا للحوادث أو تصرفا فيها، يقصد به إلى مجرد الفن -بمعنى التزويق الذي لا يتقيد بواقع- ولكن الحق الذي يلمسه كل من ينظر في هذا القرآن، وهو مستقيم الفطرة، مفتوح البصيرة، هو أن المناسبة الموضوعية هي التي تحدد القدر الذي يعرض من القصة في كل موضع، كما تحدد طريقة العرض وخصائص الأداء. والقرآن كتاب دعوة، ودستور نظام، ومنهج حياة، لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ.

وفي سياق الدعوة يجيء القصص المختار، بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق، وتحقق الجمال الفني الصادق، الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق، ولكن يعتمد على إبداع العرض، وقوة الحق، وجمال الأداء. وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل. ويعرض قصة الدعوة إلى الله واستجابة البشرية لها جيلا بعد جيل؛ كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر، وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم.. وتتبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضى ونورا وشفافية؛ ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز -عنصر الإيمان- وأصالته في الوجود. كذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني ويميزه في الحس من سائر التصورات الدخيلة.. ومن ثم كان القصص شطرا كبيرا من كتاب الدعوة الكريم.

"وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة"..

وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله -بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه.

وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.

وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض -وتحكم الكون كله- والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك؛ وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة!

وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة. وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم.

هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: "إني جاعل في الأرض خليفة".. حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض!

"قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟".. ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض، وأنه سيسفك الدماء.. ثم هم -بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق، وإلا السلام الشامل- يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق.. وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته! لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا، في بناء هذه الأرض وعمارتها، وفي تنمية الحياة وتنويعها، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها، على يد خليفة الله في أرضه. هذا الذي قد يفسد أحيانا، وقد يسفك الدماء أحيانا، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل. خير النمو الدائم، والرقي الدائم. خير الحركة الهادمة البانية. خير المحاولة التي لا تكف، والتطلع الذي لا يقف، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير...

عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء، والخبير بمصائر الأمور:

(قال: إني أعلم ما لا تعلمون)..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

"إني جاعل في الأرض خليفة": الخليفة في الأصل: الذي يخلف غيره أو يكون بدلاً عنه في عمل يعمله، فهو فعيل بمعنى فاعل والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالعَلاَّمة. والمراد من الخليفة هنا إما المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلِف مثل الوكيل والوصي، أي جاعل في الأرض مدبراً يعمل ما نريده في الأرض فهو استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حَالاً في الأرض ولا عاملاً فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطنة على موجودات الأرض، ولأن الله تعالى لم يترك عملاً كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلافَ غيره من الحيوان، وإما أن يراد من الخليفة معناه الحقيقي إذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبلُ بطائفة من المخلوقات يسمَّون الحِن والبِن بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني وقيل اسمهم الطَّم والرَّم بفتح أولهما، وأحسبه من المزاعم، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس: هيَّان بن بَيَّان إشارة إلى غير موجود أو غير معروف.

ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطَّم والرَّم كان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى التِيتَان وأن زفس وهو المشتري كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم.

وكل هذا ينافيه سياق الآية فإن تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جَعْلَ الخليفة دليل على أن جعْل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقِراً في المكان من قبل، فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقينُ ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي، ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسَن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم، فكانت الآية من هذا الوجه إيماءً إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر بدون ذلك، وقد بعث الله الرسل وبين الشرائع فربما اجتمعت الرسالة والخلافة وربما انفصلتا بحسب ما أراد الله من شرائعه إلى أن جاء الإسلام فجمع الرسالة والخلافة لأن دين الإسلام غاية مراد الله تعالى من الشرائع وهو الشريعة الخاتمة ولأن امتزاج الدين والمُلْك هو أكمل مظاهر الخطتين قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، من جُفاة الأعراب ودُعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سُدًى.

والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ الروح فيه أو قبل النفخ والأول أظهر، فيكون المراد بالمخبَر عن جعله خليفة هو ذلك المخلوق كما يقول الذي كتب كتاباً بحضرة جليس إني مرسل كتاباً إلى فلان فإن السامع يعلم أن المراد أن ذلك الذي هو بصدد كتابته كتاب لفلان، ويجوز أن يكون خطابهم بذلك قبل خلق آدم، وعلى الوجوه كلها يكون اسم الفاعل في قوله: {جاعل} للزمن المستقبل لأن وصف الخليفة لم يكن ثابتاً لآدم ساعتئذٍ.

وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني على وجه يزيل ما عَلِم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس، وليكون كالاستشارة لهم تكريماً لهم فيكونُ تعليماً في قالب تكريم مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب وليَسُنَّ الاستشارة في الأمور، ولتنبيه الملائكة على ما دقَّ وخفي من حكمة خلق آدم كذا ذكر المفسرون.

وعندي أن هاته الاستشارة جعلت لتكونَ حقيقةً مقارنةً في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموساً أُشْرِبَتْه نفوس ذريته لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء مَّا، تؤثر تآلُفاً بين ذلك الكائن وبين المقارن. ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعاً لذوات مَقامَ أمر التكوين في الذوات فكما أن أمره إذا أراد شيئاً أي إنشاءَ ذاتٍ أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قَبول العلم من خصائص الإنسان علَّم آدم الأسماء عندما خلقه.

وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضاً للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا أيضاً طَلبت منا الشريعة تخيُّر أكمل الحالات وأفضلِ الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب، وتقدم هذا في الكلام على البسملة، وسنذكر ما يتعلق بالشورى عند قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} في سورة آل عمران (159).

وأسندت حكاية هذا القول إلى الله سبحانه بعنوان الرب لأنه قول منبئ عن تدبير عظيم في جعل الخليفة في الأرض، ففي ذلك الجعل نعمة تدبير مشوب بلطف وصلاح وذلك من معاني الربوبية كما تقدم في قوله: {الحمد لله رب العالمين} (الفاتحة 2)، ولما كانت هذه النعمة شاملة لجميع النوع أضيف وصف الرب إلى ضمير أشرف أفراد النوع وهو النبيء محمد صلى الله عليه وسلم مع تكريمه بشرف حضور المخاطَبة.

"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء": وفي المجيء بالصلة جملة فعلية دلالة على توقع أن يتكرر الإفساد والسفك من هذا المخلوق وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية إما بوصف الله لهم هذا الخليفة أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب وعن الامتثال إلى العصيان فإن العقل يشتمل على شاهية وغاضبة وعاقلة ومن مجموعها ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة، ثم إن القدرة التي في الجوارح تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله ثم إن النطق يستطيع إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل، فيكون من أحوال ذلك فساد كبير ومن أحواله أيضاً صلاح عظيم وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من صالح وسيء، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منها في الخارج لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة

وإذا كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات، وفي توجه نورانية النفوس إلى المعلومات، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات النفس جبلية واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة، فما ظنك بالنفوس الملكية البحتة. وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه من توقيف واطلاع على ما في اللوح أي علم الله، أو قياس على أمة تقدمت وانقرضت، أو قياس على الوحوش المفترسة إذ كانت قد وجدت على الأرض قبل خلق آدم كما في سفر التكوين من التوراة. وبه أيضاً تعلم أن حكم الملائكة هذا على ما يتوقع هذا الخلق من البشر لم يلاحظ فيه واحد دون آخر، لأنه حكم عليهم قبل صدور الأفعال منهم وإنما هو حكم بما يصلحون له بالقوة، فلا يدل ذلك على أن حكمهم هذا على بني آدم دون آدم حيث لم يفسد، لأن في هذا القول غفلة عما ذكرناه من البيان...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } فيه سبع عشرة مسألة :

لأولى : قوله تعالى : " وإذ قال ربك للملائكة " إذ وإذا حرفا توقيت ، فإذ للماضي ، وإذا للمستقبل ، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى . وقال المبرد : إذا جاء " إذ " مع مستقبل كان معناه ماضيا ،

نحو قوله : " وإذ يمكر بك " [ الأنفال : 30 ] " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " [ الأحزاب : 37 ] معناه مكروا ، وإذ قلت . وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلا ، كقوله تعالى : " فإذا جاءت الطامة " [ النازعات : 34 ] " فإذا جاءت الصاخة " [ عبس : 33 ] و " إذا جاء نصر الله " [ النصر : 1 ] أي يجيء . وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : " إذ " زائدة ، والتقدير : وقال ربك ، واستشهد بقول الأسود بن يعفر :

فإذ{[431]} وذلك لا مهاةَ لذكره *** والدهر يُعقب صالحا بفساد

وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين . قال النحاس : وهذا خطأ ، لأن " إذ " اسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد . وقال الزجاج : هذا اجترام من أبي عبيدة ، ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم ، فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال ، فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام ، كما قال :

فإن المنية من يخشها *** فسوف تصادفه أينما

يريد أينما ذهب . ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال . وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى : " اعبدوا ربكم الذي خلقكم " [ البقرة : 21 ] فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة . وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم . وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته . وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي . وقد أتينا عليه في كتاب : الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى . والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر ، وقد تقدم{[432]} بيانه .

والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر ، وقد تقدم بيانه :

الثانية : قوله تعالى : " للملائكة " الملائكة واحدها ملك . قال ابن كيسان وغيره : وزن ملك فعل من الملك . وقال أبو عبيدة ، هو مفعل من لأك إذا أرسل . والألوكة والمألَكة والمألُكة : الرسالة ، قال لبيد :

وغلام أرسلته أمه *** بألوك فبذلنا ما سأل

وقال آخر{[433]} :

أبلغ النعمان عني مَأْلُكًا *** إنني قد طال حبسي وانتظاري

ويقال : ألكني أي أرسلني ، فأصله على هذا مألك ، الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملأك ، ثم سهلوه فقالوا ملك . وقيل أصله ملأك من ملك يملك ، نحو شمأل من شمل ، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا ، وقد تأتي في الشعر على الأصل ، قال الشاعر :

فلست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ *** تنزل من جو السماء يصوبُ

وقال النضر بن شميل : لا اشتقاق للملك عند العرب . والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ، ومثله الصلادمة . والصلادم : الخيل الشداد ، واحدها صلدم . وقيل : هي للمبالغة ، كعلامة ونسابة . وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس ، ثم ردهم إلى قيمتهم ، فقال عز وجل : " اسجدوا لآدم " [ البقرة : 34 ] .

الثالثة : قوله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة " " جاعل " هنا بمعنى خالق ، ذكره الطبري عن أبي روق ، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد ، وقد تقدم . والأرض قيل إنها مكة . روى ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( دحيت الأرض من مكة ) ولذلك سميت أم القرى ، قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام . و " خليفة " يكون بمعنى فاعل ، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض ، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي . ويجوز أن يكون " خليفة " بمعنى مفعول أي مخلف ، كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة . والخلف ( بالتحريك ) من الصالحين ، وبتسكينها من الطالحين ، هذا هو المعروف ، وسيأتي له مزيد بيان في " الأعراف{[434]} " إن شاء الله . و " خليفة " بالفاء قراءة الجماعة ، إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ " خليقة " بالقاف . والمعني بالخليفة هنا - في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل - آدم عليه السلام ، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره ، لأنه أول رسول إلى الأرض ، كما في حديث أبي ذر ، قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا ؟ قال : ( نعم ) الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد ؟ فيقال : كان رسولا إلى ولده ، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى ، وتوالدوا حتى كثروا ، كما قال الله تعالى : " خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء{[435]} " [ النساء : 1 ] . وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولم الخنزير . وعاش تسعمائة وثلاثين سنة ، هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة ، والله أعلم .

الرابعة : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفذ به أحكام الخليفة . ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم{[436]} حيث كان عن الشريعة أصم ، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه ، قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك ، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم ، وتناصفوا فيما بينهم ، وبذلوا الحق من أنفسهم ، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها ، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه ، أجزأهم ذلك ، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك . ودليلنا قول الله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة " [ البقرة : 30 ] ، وقوله تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " [ ص : 26 ] ، وقال : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " [ النور : 55 ] أي يجعل منهم خلفاء ، إلى غير ذلك من الآي .

وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين ، حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك ، وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، ورووا لهم الخبر في ذلك ، فرجعوا وأطاعوا لقريش . فلو كان فرض الإمام غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ، ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم ، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب . ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك ، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا ، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل ، فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل . وهذا فاسد ؛ لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن ، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل ، وهذا واضح . فإن قيل وهي :

الخامسة : إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع ، فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم من جهة اختيار أهل الحل والعقد له ، أم بكمال خصال الأئمة فيه ، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه ؟ .

فالجواب أن يقال : اختلف الناس في هذا الباب ، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه . وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام ، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه ، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا ، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا . ثم اختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر ، وفرقة تدعي النص على العباس ، وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنهم . والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك ، لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين ، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف ، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر ، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين ، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين ، لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا ، أو يكون من أخبار الآحاد ، ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة ، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه ، كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات ، وصوم رمضان ، وحج البيت ونحوها ، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة ، فبطلت هذه الدعوى ، وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به . وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان ، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس ، لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته ، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد ، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر . وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد . فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص ، ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص ، وهم الخلق الكثير والجم الغفير . والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما .

السادسة : في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه ، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت ، وخالفت أمر الرسول عنادا ، منها قوله عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) . قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى ، فلما قال : ( فعلي مولاه ) بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله " مولى " أنه أحق وأولى . فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة ، وقوله عليه السلام لعلي : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) . قالوا : ومنزلة هارون معروفة ، وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي ، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي ، وكان خليفة ، فعلم أن المراد به الخلافة ، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .

والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر ، وقد اختلف في صحته ، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي ، واستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله ) . قالوا : فلو كان قد قال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) لكان أحد الخبرين كذبا .

جواب ثان : وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته ، وإنما يدل على فضيلته ، وذلك أن المولى بمعنى الولي ، فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه ، قال الله تعالى : " فإن الله هو مولاه " [ التحريم : 4 ] أي وليه . وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه ، وذلك فضيلة عظيمة لعلي .

جواب ثالث : وهو أن هذا الخبر ورد على سبب ، وذلك أن أسامة وعليا اختصما ، فقال علي لأسامة : أنت مولاي . فقال : لست مولاك ، بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) .

جواب رابع : وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة رضي الله عنها : النساء سواها كثير . شق ذلك عليها ، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم ، وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام . وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام - على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة " المائدة{[437]} " - وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون ، فلو أراد بقوله : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى ، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا ، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي ، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه . وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه ، فأرجف به أهل النفاق وقالوا : إنما خلفه بغضا وقلى له ، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا ! فقال : ( كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون ) . وقال : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) . وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه ، منهم : ابن أم مكتوم ، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه ، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد . وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر ؟ فقال : ( إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس ) . وقال : ( هما وزيراي في أهل الأرض ) . وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى ) . وهذا الخبر ورد ابتداء ، وخبر علي ورد على سبب ، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة ، والله أعلم .

السابعة : واختلف فيما يكون به الإمام إماما وذلك ثلاث طرق ، أحدها : النص ، وقد تقدم الخلاف فيه ، وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة ، وأبو بكر على عمر . فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق ، أو على جماعة كما فعل عمر ، وهو الطريق الثاني ، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في تعيين{[438]} عثمان بن عفان رضي الله عنه . الطريق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد ، وذلك أن الجماعة في مصر من أنصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام ، إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد ، لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل{[439]} عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة ) .

الثامنة : فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله ، خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ، ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ، ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود . قال الإمام أبو المعالي : من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت ، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر ، قال : وهذا مجمع عليه .

التاسعة : فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا ، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام ؟ قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه ، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه . وقال ابن خويز منداد : ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة ، والله أعلم .

العاشرة : واختلف في الشهادة على عقد الإمامة ، فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر إلى الشهود ، لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع ، وليس ههنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة . ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود ، فمن قال بهذا احتج بأن قال : لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعي كل مدع{[440]} أنه عقد له سرا ، وتؤدي إلى الهرج والفتنة ، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان ، خلافا للجُبّائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له ، لأن عمر حيث جعلها شورى في{[441]} ستة دل على ذلك . ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة ، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر .

الحادية عشرة : في شرائط الإمام ، وهي أحد عشر :

الأول : أن يكون من صميم قريش ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الأئمة من قريش ) . وقد اختلف في هذا .

الثاني : أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث ، وهذا متفق عليه .

الثالث : أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة{[442]} وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم . الرابع : أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار ، والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم ؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه ، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام ، وله أن يباشر الفصل والحكم ، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به . والله أعلم .

الخامس : أن يكون حرا ، ولا خفاء باشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس .

السابع : أن يكون ذكرا ، سليم الأعضاء وهو الثامن . وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه .

التاسع والعاشر : أن يكون بالغا عاقلا ، ولا خلاف في ذلك .

الحادي عشر : أن يكون عدلا ، لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم ، لقوله عليه السلام : ( أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون ) . وفي التنزيل في وصف طالوت : " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم{[443]} " [ البقرة : 247 ] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء . وقوله : " اصطفاه " معناه اختاره ، وهذا يدل على شرط النسب . وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ ، ولا عالما بالغيب ، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم ، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش ، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم .

يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة ، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها . فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ، ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول ، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم ، والله أعلم .

الثالثة عشرة : الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم ، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره ، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها . فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله ، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له ، وكذلك هذا مثله . وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة ، لقوله عليه السلام في حديث عبادة : ( وألا ننازع الأمر أهله قال{[444]} إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) . وفي حديث عوف بن مالك : ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ) الحديث . أخرجهما مسلم . وعن أم سلمه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع - قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ قال : - لا ما صلوا ) . أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه . أخرجه أيضا مسلم . الرابعة عشرة : ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة . فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره ؟ اختلف الناس فيه ، فمنهم من قال : ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته . ومنهم من قال : له أن يفعل ذلك . والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقيلوني أقيلوني . وقول الصحابة : لا نقيلك ولا نستقيلك ، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك ! رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك ! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له : ليس لك أن تقول هذا ، وليس لك أن تفعله . فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ، ولأن الإمام ناظر للغيب{[445]} فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم ، والوكيل إذا عزل نفسه . فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه ، وكذلك الإمام بجب أن يكون مثله . والله أعلم .

الخامسة عشرة : إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة ، وإقامة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر ، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر ؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين . وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر ، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته . والأول أظهر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) . رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم . وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : ( ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه أن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر ) . رواه مسلم أيضا ، ومن حديث عرفجة : ( فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) . وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم ، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

السادسة عشرة : لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده ، فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل ، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول ، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف من ما أظهر .

السابعة عشرة : فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا . قال الإمام أبو المعالي : ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم ، ثم قالوا : لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر . قال : والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخِطط والمخاليف{[446]} غير جائز وقد حصل الإجماع عليه . فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شُسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع . وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد ؛ لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم . وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل ، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد ، وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين . قالوا : وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ، ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ، ولا تؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة . والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه ، لقوله : ( فاقتلوا الآخر منهما ) ولأن الأمة عليه . وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة . ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما ، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام . فإن قالوا : العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه . وقلنا : أقوى السمع الإجماع ، وقد وجد على المنع .

قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول ، وذلك عام في جميع الملائكة ؛ لأن قوله : " لا يسبقونه بالقول " خرج على جهة المدح لهم ، فكيف قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ؟ فقيل : المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد ، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد ، لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية ، فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم : " إني أعلم " وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء ، وكشف لهم عن مكنون علمه . وقيل : إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء . وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء ، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال ، فمن حينئذ دخلته العزة . فجاء قولهم : " أتجعل فيها " على جهة الاستفهام المحض : هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا ؟ قاله أحمد بن يحيى ثعلب . وقال ابن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا لذلك هذه المقالة ، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك ، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعا : الاستخلاف والعصيان . وقال قتادة : كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء ، فسألوا حين قال تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة " أهو الذي أعلمهم أم غيره .

وهذا قول حسن ، رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله " أتجعل فيها من يفسد فيها " قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فلذلك قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " . وفي الكلام حذف على مذهبه ، والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا ، فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره ؟ والقول الأول أيضا حسن جدا ، لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء ، وما بين القولين حسن ، فتأمله . وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ) - على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره - إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها ، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : " إني أعلم ما لا تعلمون " .

قوله : " من يفسد فيها " " من " في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه " فيها " . " يفسد " على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى . وفي التنزيل : " ومنهم من يستمع إليك " [ الأنعام : 25 ] على اللفظ ، " ومنهم من يستمعون " على المعنى . " ويسفك " عطف عليه ، ويجوز فيه الوجهان . وروى أسيد عن الأعرج أنه قرأ : " ويسفك الدماء " بالنصب ، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال{[447]} :

ألم أكُ جاركم وتكون بيني *** وبينكم المودة والإخاء

والسفك : الصب . سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته ، وكذلك الدمع ، حكاه ابن فارس والجوهري . والسفاك : السفاح ، وهو القادر على الكلام . قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم ، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره . وواحد الدماء دم ، محذوف اللام . وقيل : أصله دَمْي . وقيل : دَمَيٌ ، ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه ، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل ، قال الشاعر :

فلو أنا على حجر ذُبحنا *** جرى الدّميان بالخبر اليقين

قوله تعالى : " ونحن نسبح بحمدك " أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك . والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة :

أقول لما جاءني فخره *** سبحان من علقَمَةَ الفاخِرِ

أي براءة من علقمة . وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ) . وهو مشتق من السبح وهو : الجري والذهاب ، قال الله تعالى : " إن لك في النهار سبحا{[448]} طويلا " [ المزمل : 7 ] فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء . وقد تقدم الكلام في " نحن{[449]} " ، ولا يجوز إدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان .

مسألة : واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة ، فقال ابن مسعود وابن عباس : تسبيحهم صلاتهم ، ومنه قول الله تعالى : " فلولا أنه كان من المسبحين{[450]} " [ الصافات : 143 ] أي المصلين . وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر ، قاله المفضل ، واستشهد بقول جرير :

قبح الإله وجوه تغلبَ كُلَّمَا *** سَبَّحَ{[451]} الحجيجُ وكبروا إهلاَلاَ

وقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله ، على عرفه في اللغة ، وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ قال : ( ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده{[452]} سبحان الله وبحمده ) . أخرجه مسلم . وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السموات العلا : سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ، ذكره البيهقي .

قوله تعالى : " بحمدك " أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به . والحمد : الثناء ، وقد تقدم{[453]} . ويحتمل أن يكون قولهم : " بحمدك " اعتراضا بين الكلامين ، كأنهم قالوا : ونحن نسبح ونقدس ، ثم اعترضوا على جهة التسليم ، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك . والله أعلم .

قوله تعالى : " ونقدس لك " أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون ، قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما . وقال الضحاك وغيره : المعنى نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك . وقال قوم منهم قتادة : " نقدس لك " معناه نصلي . والتقديس : الصلاة . قال ابن عطية : وهذا ضعيف .

قلت : بل معناه صحيح ، فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) . روته عائشة أخرجه مسلم . وبناء " قدس " كيفما تصرف فإن معناه التطهير ، ومنه قوله تعالى : " ادخلوا الأرض المقدسة{[454]} " [ المائدة : 21 ] أي المطهرة . وقال : " الملك القدوس{[455]} " [ الحشر : 23 ] يعني الطاهر ، ومثله : " بالواد المقدس{[456]} طوى " [ طه : 12 ] وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر ، ومنه قيل للسطل : قَدَس ، لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ، ومنه القادوس . وفي الحديث : ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ) . يريد لا طهرها الله ، أخرجه ابن ماجه في سننه . فالقدس : الطهر من غير خلاف ، وقال الشاعر{[457]} :

فأدركنه يأخذن بالساق والنَّسَا *** كما شَبْرَقَ الولدان ثوب المقدّس

أي المطهر . فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب ، والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال ، والله أعلم .

قوله تعالى : " إني أعلم ما لا تعلمون " " أعلم " فيه تأويلان ، قيل : إنه فعل مستقبل . وقيل : إنه اسم بمعنى فاعل ، كما يقال : الله أكبر ، بمعنى كبير ، وكما قال{[458]} :

لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ *** على أينا تعدو المنية أَوَّلُ

فعلى أنه فعل تكون " ما " في موضع نصب بأعلم ، ويجوز إدغام الميم في الميم . وإن جعلته اسما بمعنى عالم تكون " ما " في موضع خفض بالإضافة . قال ابن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة ، وإنما الخلاف في " أفعل " إذا سمي به وكان نكرة ، فسيبويه والخليل لا يصرفانه ، والأخفش يصرفه . قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في " أعلم " إذا قدرته بمعنى عالم ، وتنصب " ما " به ، فيكون مثل حواج بيت الله . قال الجوهري : ونسوة حواج بيت الله ، بالإضافة إذا كن قد حججن ، وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله ، فتنصب البيت ، لأنك تريد التنوين في حواج .

قوله تعالى " ما لا تعلمون " اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : " ما لا تعلمون " . فقال ابن عباس : كان إبليس - لعنه الله - قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه ، فاعتقد أن ذلك لمزية له ، فاستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام . وقالت الملائكة : " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " [ البقرة : 30 ] وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك ، فقال الله تعالى لهم : " إني أعلم ما لا تعلمون " . [ البقرة : 30 ] . وقال قتادة : لما قالت الملائكة " أتجعل فيها " [ البقرة : 30 ] وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم " إني أعلم ما لا تعلمون " .

قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن ، فهو عام .


[431]:يلاحظ أن رواية البيت: "فإذا" ولا يستقيم الوزن إلا به.
[432]:راجع المسألة الثامنة وما بعدها ص 126 من هذا الجزء.
[433]:هو عدي بن زيد، كما في اللسان مادة ويروي "إنه" بدل: "إنني"
[434]:راجع ج 7 ص 310.
[435]:راجع ج 4 ص 2
[436]:الأصم: من كبار المعتزلة واسمه أبو بكر.
[437]:راجع ج 6 ص 131.
[438]:لزيادة في تفسير العلامي عن القرطبي.
[439]:روى "لا يغل" بضم الياء وكسر الغين؛ أي: لا يكون معها في قلبه غش ودغل ونفاق. وروى "لا يغل" بفتح الياء؛ أي: لا حقد يزيله عن الحق.
[440]:في تفسير العلامي: "مبتدع".
[441]:الستة: هم الذين نصح عمر –رضي الله عنه- للمسلمين أن يختاروا واحدا منهم لولاية الأمر بعده حين طلب إليه أن يعهد عهدا. وهم: علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة ابن أبي عبيد الله. راجع قصة الشورى في تاريخ ابن الأثير ( ج 3 ص 50.) طبع أوروبا.
[442]:بيضة الإسلام: جماعتهم.
[443]:راجع ج 3 ص 246
[444]:الزيادة عن صحح مسلم (ج 6 ص 17) طبع الآستانة. و"بواحا" أي جهارا، من باح بالشيء يبوح به إذا أعلنه.
[445]:في بعض الأصول: "للغير".
[446]:المخاليف: الأطراف والنواحي.
[447]:القائل هو: الحطيئة.
[448]:راجع ج 19 ص 41.
[449]:راجع ص 203من هذا الجزء.
[450]:راجع ج 15 ص 123
[451]:في ديوان جرير: "سبح". وفسر الشبح بأنه رفع الأيدي بالدعاء. راجع اللسان مادة "شبح" وديوان جرير المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية رقم 1 أدب ش.
[452]:زيادة عن صحيح مسلم (ج 8 ص 86 طبع الآستانة).
[453]:راجع المسألة الرابعة ص 133 من هذا الجزء.
[454]:راجع ج 6 ص 125.
[455]:راجع ج 18 ص 45
[456]:راجع ج 11 ص 175
[457]:هو امرؤ القيس. والهاء في "أدركنه" ضمير الثور، والنون ضمير الكلاب. والنسا: عرق في الفخذ. والشبرقة: تقطيع الثوب وغيره. والمقدس (بكسر الدال وتشديدها): الراهب: وبالفتح: المبارك. يقول: أدركت الكلاب الثور يأخذن بساقه وفخذه، وشبرقت جلده كما شبرق ولدان النصارى ثوب الراهب المسبح لله عز وجل إذا نزل من صومعته فقطعوا ثيابه تبركا به. (عن شرح الديوان واللسان).
[458]:القائل هو معن بن أوس. كان له صديق وكان معن متزوجا بأخته، فاتفق أنه طلقها وتزوج غيرها، فآلى صديقه ألا يكلمه أبدا، فأنشأ معن يستعطف قلبه عليه ويسترقه له. (عن أشعار الحماسة).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (30)

قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لم قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( إذ ظرف زمان يفيد الإخبار عن المستقبل ، وقال أكثر المغربين ، إنه مفعول به فهم يقدرون : اذكر وقت كذا . {[34]}

والملائكة مفردها ملك وهو مشتق من الألوك وقيل من المألك وهي تعني الرسالة ، وأصل ملك ملأك ثم نقلت حركة الهمزة إلى الام فسقطت ، وقيل في لفظ ملك أنه مشتق من الفعل أنك بمعنى أرسل ، وقيل غير ذلك وعلى العموم فإن الملائكة من حيث المفهوم اللغوي تعنى الرسل . {[35]}

وفي الآية إخبار من الله عن خطابه للملائكة بأنه خالق في الأرض ( خليفة ( جاء في معناها عدة أقوال منها أنه يخلق من كان قبله من الملائكة أو غير الملائكة .

وقيل : بل سمي خليفة لأن نسله وذريته يعقب بعضهم بعضا على هيئة أمم وأجيال ، وثمة قول ثالث جدير بالاهتمام وهو أن آدم خليفة الله في إمضاء أحكامه وتنفيذ أمره وشرعه ، فالله سبحانه هو الآمر الموجب ، وهو سبحانه شارع الدين لعباده بما في الدين من أصول وكليات وما يتفرع عن ذلك من فروع وتفصيلات ، وذلك كله بتقدير الله وأمره الذي ينبغي للناس أن يمتثلوه دون تقصير أو تخلف ، ومن بعد ذلك يأتي دور الإنسان وهو دور كبير حقا ، يتجسد في اضطلاع هذا الإنسان الخليفة بتطبيق شرع الله كاملا غير منقوص وباتخاذ كل ما يلزم من أسباب إجرائية أو وقائية أو غير ذلك من أسباب وذلك لإجراء شرع الله على العباد .

والإنسان " الخليفة " لهو كائن عظيم القدر في تصور الإسلام ، وهو كذلك بالغ الشأن وكبير الاعتبار في ميزان الله ، وهو لا يعدله في شأنه واعتباره أي كائن آخر إذا ما كان ( الإنسان ) على صراط الله ويمضي في الحياة على بصيرة من منهج الله الكبير ، أو كان من المؤمنين الأوفياء الذين صدقوا الله المقاصد والنوايا ، واستمسكوا بعقيدة الإسلام تعمر قلوبهم بالأمن والرضا ، ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يمشي على الأرض ذاكرا لآلاء الله شاكرا لأنعمه ، لا يند عن صراطه وشرعه ولو احتمل معطاء وباعثا للخير له ولمن حوله من الناس حتى البهائم والأنعام ينظر إليها بعين الرعاية والحدب والرحمة .

ذلك هو الإنسان " الخليفة " الذي يحمل في الأرض أفدح أمانة قد عجزت دون حملها السماوات والأرض والجبال ، وتلك هي أمانة العقيدة التي يطويها القلب في شغافه وحناياه لينطلق في ضوئها عاملا كادحا باذلا لا يتوانى عن أداء الخير والفريضة والمعروف ، ولا يثني عن وجيبة التبليغ للناس في شجاعة وحماسة وإحساس بفريضة الجهاد يؤديها العبد المؤمن دون تهيب أو فرق ودون ضعف أو جل أو خجل .

والإنسان وهو على هذه الشاكلة من الإيمان والعمل ومن البذل والاستقامة والصبر ، لهو ذو شأن عظيم من حيث المنزلة ، وهو الكائن المكرم المفضل الذي يسمو على الكائنات جميعا والذي يرصد له الله من العناية والصيانة والتشريع ما يرقى به رقيا عظيما ، وليس لأحد بعد ذلك أن يعتدي على هذا الإنسان " الخليفة " كيفما كان الاعتداء ، فإنه لا يعتدي عليه إلا جانف هالك ، وأصدق ما يرد في هذا الصدد ، ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ) {[36]} ويقول في حديث آخر يطير منه القلب هلعا رعبا : ( لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ) {[37]} وفي الحديث القدسي : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته ) .

وقوله : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( لا تتصور أن مثل هذا السؤال من الملائكة يرد على وجه الاعتراض أو الاستنكار وهم العباد الأبرار المقربون الذين ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( ولكنه يرد على سبيل التعرف والاستفهام ، على أن ظاهر الآية يدل على علم الملائكة بما ستؤول إليه حال البشر لدى وجودهم في هذه الدنيا ، فلسوف يكون ثمة إفساد وسفك للدماء وغير ذلك من وجوه المعاصي والمفاسد والآثام وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومشكلات تجرجر المتاعب والشدائد ونسبب الهموم والبلايا .

أما سبب إدراك الملائكة لهذه الحقيقة من الإفساد وسفك الدماء : فلعل ذلك لعلم قد علموه من الله بوجه من الوجوه كالإلهام أو غيره ، فهم لا يعلمون الغيب ، لكنهم أعلموا أن بني آدم لو جاءوا الى هذه الأرض فسوف يكثر الفساد ، وتنتشر الآثام والمعاصي ، ويقع القتل والجور وسفك الدماء بغير حق ، وقد جاء في تعليل معرفة الملائكة كذلك أنهم قد أدركوا هذه الحقيقة من خلال اللفظة القرآنية التي واجههم بها الله وهي ( خليفة ( فعرفوا بما أوتوه من نباهة وعميق إدراك أن الخلافة مناط القضاء والفصل بين العباد ، وفي ذلك من المنازعات والخصومات ما يقود في الغالب إلى المحظورات والخطايا والمعاصي ، وقيل غير ذلك من تأويلات والله أعلم بالصواب .

ويستفاد من قوله تعالى : ( جاعل في الأرض خليفة ( وجوب نصب إمام أو خليفة للمسلمين يسمعون له ويطيعون ، لتجتمع به كلمتهم وينفذ فيهم أحكام الشريعة فيفصل بين الناس فيما يعرض لهم من خلافات ومنازعات فينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم فيهم حدود الله بما يزجرهم عن فعل الفواحش والمنكرات إلى غير ذلك مما لا يمكن إقامته أو تنفيذه إلا بالإمام المسلم العادل ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

أما طريقة اختيار الخليفة للمسلمين فأوسط ذلك وأعدله أن يجتمع أهل الحل والعقد – وهم فئة العلماء في المسلمين – فينظروا أكثر الناس صلاحا لحمل هذه الأمانة الكؤود ، لينصبوه إماما للمسلمين ، فإذا رضي من نصبوه لذلك بحمل أمانة الخلافة بايعه أهل الحل والعقد ، ثم بادره المسلمون جميعا بالبيعة بعد أن يعرض على مسامع الناس برامجه وخططه في سياسة البلاد ورعاية شؤون المسلمين .

أما الواجبات المنوطة بالإمام والتي يضطلع بمراعاتها وتنفيذها دون لين أو تردد فقد ذكرها الماوردي بما نوجزها هنا إيجازا وهي عشرة أشياء .

الأول : حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة .

الثاني : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم .

الثالث : حماية البيضة{[38]} والذب عن الحريم{[39]} لينصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال .

الرابع : إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك ، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .

الخامس : تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون منها محرما أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما .

السادس : جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله في إظهاره على الدين كله .

السابع : جناية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف .

الثامن : تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .

التاسع : استكفاء الأمناء{[40]} وتقليد النصحاء{[41]} فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال .

العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض{[42]} تشاغلا بلذة أو عبادة ، فقد يخون الأمين وبغش الناصح{[43]} .

ويشترط في الإمام كيما تناط به وجيبة الإمامة جملة شروط هي :

أولا : الإسلام فلا يجوز بحال أن تناط إمامة المسلمين بغير مسلم ، وكيف يعقل أن يكون حاكم المسلمين على غير ملتهم ثم يسوسهم بشريعة الله التي يجحدها ويستدل على ذلك بقوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( وهذا يدل بظاهره على أن الذي يلي أمور المسلمين هو أحدهم وعلى ملتهم .

ثانيا : الذكورة فإنه لا يكون حاكم المسلمين إلا واحدا من الرجال ، ولا يجوز أن تناط إمامة المسلمين أو ولايتهم بامرأة لقوله عليه الصلاة والسلام ، " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " . {[44]}

أما وجه ذلك من المعقول : فهو أن وجيبة الخلافة أو الولاية ثقيلة وصعبة وكؤود إنها وجيبة لا يقوى على احتمالها غير الصناديد النوادر من الرجال أولي العزم والحزم والبأس ، لا جرم أن الإمامة أو الولاية لا يطيقها الناس برمتهم أو جلتهم ، وذلك بالنظر لفداحة هذه المهمة الخطرة التي تضطرب لها عزائم الرجال وهممهم فهي لا يصلح لها من الناس إلا من كان لا يلين ولا يضطرب ولا يتعثر لدى مواجهة الملمات والنوائب ، وذلك – لعمر الحق- عمل فادح ومزلزل لا يطيقه إلا من أوتي حظا هائلا من قوة الإرادة والصبر ، وشدة العزيمة والبأس فضلا عن أوصاف أخريات في العلم والحلم والخلق ، لا جرم أن ذلك مما تنكص دون بلوغه النساء اللواتي جبلن على الرقة والعاطفة واللين تمشيا مع طبيعة الأنوثة التي لا تطيق مثل هذه الوجيبة الشاقة العسيرة ، أما توليها لوظيفة القضاء فلا يجوز كذلك ، وهو قول أكثر العلماء خلافا للحنفية إذ قالوا بجواز تقلدها القضاء ، فلها أن تقضي في عامة الأمور باستثناء الدماء والحدود .

ثالثا : العدالة وهي ضد الفسق ، ويراد بها الاعتدال في الأحوال الدينية ، وبيان ذلك اجتناب الكبائر والمحافظة على المروءة بترك الصغائر ، وأن يكون الإمام ظاهر الأمانة غير مغفل .

وقال ابن حزم في صفة الإمام : إن يكون مجتنبا للكبائر مستترا بالصغائر . {[45]}

رابعا : العلم الذي يكون بمقتضاه مجتهدا في مختلف النوازل والأحكام قال القرطبي في ذلك : أن يكون ( الإمام ) ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث .

خامسا : السلامة من العيوب وذلك كالعيوب البدنية ، كما لو كان فاقدا أرجليه أو إحداهما ، أوز كان فاقدا ليديه أو إحداهما أو كان ضريرا لا يبصر ، أو أصم لا يسمع ، أو كان أخرس لا ينطق ، فتلك عيوب لا يستطيع المرء معها من تولي أمر الناس ، فالذي تناط به وجيبة الإمامة ينبغي أن يكون على غاية من النشاط والحركة وتمام اليقظة والحذر وبالغ الاهتمام واليقظة والحرص ، وتمام القدرة على الإقناع وفض النزاعات والخصومات .

وكذلك العيوب العقلية ، كالجنون والعته والصرع وانفصام الشخصية ، واضطراب الأعصاب المستديم إلى غير ذلك من الأمراض المزمنة والخطيرة التي تحول بين المصاب بها وبين تولي أمور المسلمين . {[46]}

سادسا : أن يكون الإمام من قريش إلا أن يطرأ زمان فلا يكون في قريش إمام مناسب تتوفر فيه شروط الإمام العادل الصالح ، وحينئذ لا بأس في اختيار الإمام من غير قريش ، {[47]}

ما رواه الحاكم والبيهقي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " الأئمة من قريش " {[48]} وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته تعليلا لاشتراط الإمامة من قريش وذلك من وجهين :

الوجه الأول : مجرد التبرك من قريش لكونها موطن النبوة .

الوجه الثاني : الغلبة التي كانت لقريش ، وذلك لقوة سلطانهم ونفوذهم بما يحمل الناس على السمع والطاعة بعيدا عن الفتنة والاضطراب . {[49]}

سابعا : أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحروب وإعداد الجيوش والتخطيط لقتال العدو في حنكة وبراعة واقتدار .

تاسعا : أن يكون بالغا عاقلا ، وهو ما لا خلاف فيه . {[50]}

وإذا انبرم العقد للإمام فنصب خليفة للمسلمين ثم أصبح بعد ذلك فاسقا فسقا ظاهرا معلوما ، فإنه تتفسخ إمامته ويخلع بفسقه الظاهر المعلوم ، ووجه ذلك : أن للإمام إنما نصب للإمامة لتنفيذ شريعة الله بين العباد بإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والنظر في شؤون المسلمين بما يصلح حالهم ، فإذا بات الإمام فاسقا كان ذلك مدعاة لإبطال ما أقيم لأجله ، والحيلولة دون قيامه بواجب الرعاية للمسلمين فوجب بذلك خلعه ، وهو قول الجمهور وقال آخرون : لا ينعزل بالفسق بل ينعزل بالكفر أو بترك شيء من الشريعة ، وذلك للخير : " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " .

وإذا انعقدت الإمامة لأحد المسلمين باتفاق أهل الحل والعقد وجب على الناس جميعا أن يبايعوه على السمع والطاعة وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أبى البيعة لعذر عذر ، أما من أبى لغير عذر كان ناكفا مريئا فيجبر على المبايعة كيلا تفترق كلمة المسلمين . {[51]}

قوله : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ( تسبيح الله هو تنزيهه عن النقائص والعيوب وذلك من السبح وهو لغة الذهاب ، أي أن المسبح ذاهب في عبادة الله وتقديسه وفي تنزيهه عما لا يليق بجلاله ، أما التقديس فهو التطهير ويؤخذ من ذلك المقدس والقدس أي الظاهر النقي ، ومنه بيت المقدس حيث يتطهر العبد فيه بالعبادة والصلاة والتحنث من الأخطاء والذنوب .

قوله : ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ( الله جل وعلا يعلم ما لا تعلمه الملائكة ، إنه سبحانه عليم بما كان وما هو كائن أو سوف يكون وقد جاء في إعراب ( أعلم ( قولان : أحدهما أن ذلك فعل مضارع وهو في تقديرنا الراجح ، وعلى ذلك تكون ما اسم موصول في محل نصب مفعول به وقيل : اسم بمعنى عالم فيكون بذلك مضافا ، وما مضافا إليه والله سبحانه وتعالى عالم بما سيكون عليه هذا الإنسان الخليفة وبما سيؤول إليه من أحداث ومعطيات وما يتحقق على يديه من ظواهر غاية في الضخامة والعجب ، وغاية في الأهمية وبالغ التأثير بما ينطوي عليه ذلك كله من جليل القضايا في العقيدة والإيمان وما ينشأ عن ذلك من روائع ومثاليات تحار لها الملائكة وتعجب .

الله جل وعلا يعلم أن سيكون من نسل آدم الخليفة أنبياء ومرسلون ودعاة الى الله بإحسان ، وأن سيكون من ذريته أتقياء بررة ، ينشرون في الأرض منهج الخير والعدل ، ويرسون فيها أسباب الهداية والاستقامة ، وأن سيكون كذلك أجيال وأمم يؤمنون بالله ويدينون بدينه الذي يحوي كطل قواعد الحق والخير ، ويندد بكل بواعث الجريمة والشر .


[34]:الدر المصون جـ 1 ص 247.
[35]:البيان للأنباري جـ 1 ص 70.
[36]:رواد الترمذي والنسائي عن ابن عمرو انظر الجامع الصغير للسيوطي جـ 2 ص 403.
[37]:روى مثله الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة انظر الجامع الصغير جـ 1 ص 426.
[38]:البيضة : الساحة والحوزة استباح بيضتهم، أي أصلهم ومجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم وبيضة الإسلام جماعتهم وبيضة الدار وسطها، انظر تاج العروس للزبيدي جـ 5 ص 11.
[39]:الحريم : وفعله حرم ومنه الإحرام والمحرم، وسميت بذلك الأشهر الحرم ومنه الحرمة وهس ما لا يحل انتهاكه وتأتي بمعنى الذمة والمهانة وتجمع على الحرمات يقول سبحانه : ومن يعظم حرمات الله أي يجتنب معاصيه ومحارمه فالحريم أو الحرمة أو الحرمات هي حدود الله التي لا يجوز تعديها انظر مختار الصحاح ص 132 والمعجم المحيط جـ 4 ص 95.
[40]:استكفاء الأمناء : أي طلب الأكفاء من الناس ليستأمنوا على شؤون الرعية.
[41]:تقليد النصحاء أي تعيين العاملين المخلصين ليضطلعوا بإدارة شؤون المسلمين.
[42]:التفويض معناه أن يناط بالإمام تعيين الولاة والأمراء وتفويضهم بتصريف شؤون المسلمين
[43]:الأحكام السلطانية للماوردي ص 15-16.
[44]:رواه النسائي وروى البخاري نحوه انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس جـ 3 ص 197.
[45]:المحلى لابن حزم جـ 9 ص 362.
[46]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 270 انظر بدائع الصنائع المكاساني جـ 7 ص 3 وشرح فتح القدير للكمال بن الهمام ج 7 ص 253.
[47]:الأحكام السلطانية للماوردي ص 66 والأشياء والنظائر للسيوطي ص 384 وتفسير القرطبي جـ 1 ص 270.
[48]:انظر الجامع الصغير للسيوطي جـ 1 ص 480.
[49]:مقدمة ابن خلدون ص 195.
[50]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 270 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 72.
[51]:تفسير القرطبي جـ 1 ص 271، 272 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 72.