تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ألم تر أن الله يسبح له} يقول: ألم تعلم أن الله يذكره {من في السماوات} من الملائكة {و} من في {والأرض} من المؤمنين: من الإنس والجن {والطير صافات} الأجنحة {كل} من فيها: في السماوات والأرض {قد علم صلاته} من الملائكة، والمؤمنين من الجن والإنس، ثم قال عز وجل: {وتسبيحه} يعني: ويذكره كل مخلوق بلغته غير كفار الإنس والجن {والله عليم بما يفعلون}..
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السموات والأرض من مَلَك وإنس وجنّ. "والطّيْرُ صَافّاتٍ "في الهواء أيضا تسبح له.
"كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَه"، والتسبيح عندك صلاة، فيقال: قيل: إن الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق، ولذلك فصّل فيما بين ذلك...
ويتوجه قوله: "كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التي في قوله: صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ من ذكر «كلّ»، فيكون تأويل الكلام: كل مصلّ ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون «الكلّ» حينئذٍ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله: "كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ"، وهو الهاء التي في الصلاة.
والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا ل«الكلّ»، ويكون «الكلّ» مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في: عَلِمَ، ويكون: عَلِمَ فعلاً ل«الكلّ»، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: قد علم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كُلّفه وأُلْزمه.
والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم ل«الكل»، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: قد علم كلّ مسبّح ومُصَلّ صلاة الله التي كلّفه إياها، وتسبيحه.
وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام، المعنى الأوّل، وهو أن يكون المعنى: كلّ مصلّ منهم ومسبّح، قد علم الله صلاته وتسبيحه.
وقوله: "وَاللّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ" يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يفعل كلّ مصلّ ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، فإن التسبيح هو التنزيه لله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، فجميع ما خلقه الله منزّه له من جهة الدلالة عليه، والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة الاعتقاد والوصف له بما يليق به وتنزيهه عما لا يجوز عليه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{ألم تر} تنبيه، و «الرؤية» رؤية الفكر... {من في السماوات والأرض} عامة لكل شيء من له عقل وسائر الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه ب {من} تغليباً لحكم من يعقل...
اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد:
فالنوع الأول: ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم، لأن التسبيح لا تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاما فالمراد التقرير والبيان، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السماوات يسبح له وكذلك من في الأرض.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حساً بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من النور هلك: {ألم تر} أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشاهدة {أن الله} الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة {من في السماوات}.
ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: {والأرض} أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر ب "من "لأن المخبر به من وظائف العقلاء.
ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصاً: {والطير صافات} أي باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته.
ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: {كل} أي من المخلوقات {قد علم} أي بما كان سبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال {صلاته} أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه {وتسبيحه} أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتاً جامداً، وهذا بنموه مهتزاً رابياً، إلجاء وقهراً، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة...
ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {عليم بما يفعلون} بما ثبت مما أخبركم به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في الأعراف عند {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] ما ينفع هنا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن الإنسان ليس مفردا في هذا الكون الفسيح؛ فإن من حوله، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته؛ وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال.. إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى. ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده: (والله عليم بما يفعلون).. والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع الله، وإلى من حوله من خلق الله في السماوات والأرض، وهم يسبحون بحمده وتقواه؛ ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه. ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله: (كل قد علم صلاته وتسبيحه).. والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه؛ وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{كل قد علم صلاته وتسبيحه}...فتسبيح العقلاء حقيقة، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه. وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين: فريق العقلاء. وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة {كل} فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي. فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع؛ ولولا إرادة ذلك لقيل: كل قد علم تسبيحه، أو كل قد علم صلاته. والخطاب في قوله: {ألم تر} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
الاستفهام في {ألم تر}، إنكاري بمعنى النفي مع التنبيه إلى الحقائق لإدراكها، وهو داخل على نفي، وهو (لم)، ونفي النفي إثبات، والمعنى: قد رأيت أن الله يسبح له من في السموات والأرض...والتعبير ب (من) في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} مع أن فيها ما لا يعقل، فلأنها كلها في دلالتها على التسبيح أقيمت مقام العاقل، ولأن فيها عقلاء وغير عقلاء، غلّب في البيان العقلاء، لأنهم أعلى مكانة من غيرهم كالملائكة، فإنهم أعلى من غيرهم، ومثل ذلك عقلاء الإنس والجن المهديون، وغيرهم...
{وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ}، أي تطير في الفضاء تسير صافات، أي في صفوف متتالية ومتوازية، الأجنحة وراء الأجنحة، كما ترى في أسراب الحمام وغيرها من الطير من انتقالها من مكان إلى مكان متآخية منتظمة في صفوف، وذلك من إلهام العلي الخبير لها...
قوله تعالى : " ألم تر أن الله " لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات ، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال ، فله بعثة الرسل ، وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات ، وأخبروا بالجنة والنار . والخطاب في " ألم تر " للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : ألم تعلم ، والمراد الكل . " أن الله يسبح له من في السماوات " من الملائكة . " والأرض " من الجن والإنس . " والطير صافات " قال مجاهد وغيره : الصلاة للإنسان والتسبيح لما سواه من الخلق . وقال سفيان : للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود . وقيل : إن ضربها بأجنحتها صلاة ، وإن أصواتها تسبيح ، حكاه النقاش . وقيل : التسبيح ها هنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة . ومعنى " صافات " مصطفات الأجنحة في الهواء . وقرأ الجماعة " والطير " بالرفع عطفا على " من " . وقال الزجاج : ويجوز " والطير " بمعنى مع الطير . قال النحاس : وسمعته يخبر - قمتُ وزيدا - بمعنى مع زيد . قال : وهو أجود من الرفع . قال : فإن قلت قمت أنا وزيد ، كان الأجود الرفع ، ويجوز النصب . " كل قد علم صلاته وتسبيحه " يجوز أن يكون المعنى : كل قد علم الله صلاته وتسبيحه ؛ أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح . ولهذا قال : " والله عليم بما يفعلون " أي لا يخفي عليه طاعتهم ولا تسبيحهم . ومن هذه الجهة يجوز نصب " كل " عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده . وقد قيل : المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه . وقرأ بعض الناس " كل قد عُلِم صلاته وتسبيحه " غير مسمى الفاعل . وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ " كل قد عَلَّم صلاته وتسبيحه " ، فيجوز أن يكون تقديره : كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه . ويجوز أن يكون المعنى : كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه أي صلاة نفسه ؛ فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص ؛ لأن من الناس من لم يعلم . ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل ، فعبر عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي . والصلاة هنا بمعنى التسبيح ، وكرر تأكيدا ، كقول " يعلم السر والنجوى " . والصلاة قد تسمى تسبيحا ، قاله القشيري .
قوله تعالى : { ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ( 41 ) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ( 42 ) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( 43 ) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( 44 ) } الخطاب من الله لرسوله ( ص ) . والاستفهام للتقرير . والمعنى : قد علمت يا محمد بالحس والمشاهدة والنظر ( أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ) أي ينزهونه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله . والمراد بمن في السماوات والأرض ؛ كل كائن سواء في ذلك العقلاء من الإنس والجن والملائكة ، أو غير العقلاء كالكواكب والبحار والأشجار والجبال . أما العقلاء : فيخشى الله منهم المؤمنون الذين يعبدونه ويسبحونه . أما غير المؤمنين : فإنما يعبدون الله بصفاتهم وهيئاتهم الخِلْقية التي جُبلوا عليها . أي أن آثار الصنعة الإلهية في غير المؤمنين تنطق بأن الله حق ، وأنه الخالق الموجد المتصف بصفات الكمال . وكذلك غير العقلاء من خلق الله كالطير والبهيمة ، فإن ما يسمع من أصواتها وما يشاهد فيها من آثار الصنعة الإلهية من توالد وتكاثر وتذليل وغير ذلك من وجوه الحركة فيها ، فإن ذلك كله تسبيح لله ؛ أي تنزيه له عن كل عيب أو نقيصة .
وأما الجمادات : فإنها على الدوام تسبح بحمده وذكره فلا تفتر ولا تكلّ ، وهيئة تسبيحها وذكرها لا يعلمها غير الذي ذرأها وكوّنها . وفي ذلك من التوبيخ للكافرين الضالين ما لا يخفى ؛ فقد ضل هؤلاء الغافلون العصاة عن أمر الله وزاغوا عن منهجه الحق وصراطه المستقيم ، وانفتلوا يعبدون الأوثان على اختلافها من الأحجار والتماثيل وغير ذلك من طواغيت الجن والإنس الذين أضلوهم وزينوا لهم الفساد والشر ، وحملوهم على التلبس بالباطل حملا ، مخلفين وراءهم منهج الله القائم على الحق والعدل والتوحيد .
قوله : ( والطير صافات ) الطير ، معطوف على الموصول ( من ) و ( صافات ) منصوب على الحال . أي يصففن أجنحتهن في الهواء طائرات محلقات ، وقد خصهن الله بالذكر لما يتجلى فيهن من بديع الصنعة وعجيب الهيئة والمنظر المثير مما نجده في الطير وهو يجوب الفضاء خافقا بجناحيه في صورته الجميلة وطيرانه العجيب ورفيفه المذهل الخلاب مما يستوقف العقل أيما استيقاف كيما يتدبر ويتفكر وإنه لا يدّكر بعد ذلك من البشر إلا كل عتّل جاحد أثيم .
قوله : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) الضمير في ( علم ) ، يعود إلى ما سبق ذكره من المسبحات ؛ أي كل واحد مما ذكر قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه . والصلاة هنا بمعنى الدعاء . والمراد من الإخبار بأن كل واحد من المذكورات قد علم دعاء نفسه وتسبيحه : أن ذلك كله صادر عن علم الله الذي ألهمها ذلك وعلّمها إياه . وذلك دليل على عظيم شأن الله وبالغ قدرته .