تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يوم يأت} ذلك اليوم، {لا تكلم نفس إلا بإذنه}، بإذن الله تعالى، {فمنهم}، يقول الله تعالى: فمن الناس {شقي وسعيد}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: يوم يأتي القيامة أيها الناس، وتقوم الساعة لا تكلم نفس إلا بإذن ربها...
وقيل: {لا تَكَلّمُ}، وإنما هي: «لا تتكلم»، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
وقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيّ وسَعِيدٌ}، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقي وسعيد، وعاد على النفس، وهي في اللفظ واحدة بذكر الجميع في قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ}.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها، وعملها، أدخله النار... ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها، وعملها، أدخلته الجنة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: فاعل يأتي ما هو؟ قلت: الله عز وجل، كقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله} [البقرة: 210]، {أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، {وَجَاء رَبُّكَ} [الفجر: 22] وتعضده قراءة: «وما يؤخر» بالياء. ويجوز أن يكون الفاعل ضمير اليوم، كقوله تعالى: {أو تَأْتِيَهُمُ الساعة}... فإن قلت: فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتاً لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه قلت: المراد إتيان هوله وشدائده...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ومعنى قوله: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} وصف المهابة يوم القيامة وذهول العقل وهول القيامة، وما ورد في القرآن من ذكر كلام أهل الموقف في التلاوم والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن وإما أن تكون هذه هنا مختصة في تكلم شفاعة أو إقامة حجة. وقوله {فمنهم} عائد على جميع الذي تضمنه قوله: {نفس} إذ هو اسم جنس يراد به الجمع...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان كأنه قيل: يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل وفيهم الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء! أجيب بقوله: {يوم يأت} أي ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل ولا على مطلق الكلام، وحذف ابن عامر وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما هو فاشٍ في لغة هذيل، وكان ذلك إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلاً في مقدار ثلثيه، ثم يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء، فإن العادة أن يكون المستثنى أقل من المستثنى منه {لا تكلم} ولو أقل كلام بدلالة حذف التاء {نفس} من جميع الخلق في ذلك اليوم الذي هو يوم الآخرة، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جداً ذو ألوان وفنون وأهوال وشؤون، تارة يؤذن فيه في الكلام، وتارة يكون على الأفواه الختام، وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام، وتارة ينطقهم الجدال والخصام {إلا بإذنه} أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية وإحكام التدبير.
ولما علم من هذا أنه يوم عظمة وقهر، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين فقال: {فمنهم} أي الخلائق الحاضرين لأمره {شقي} ثبتت له الشقاوة فيسر في الدنيا لأعمالها {وسعيد} ثبتت له السعادة فمشى على منوالها؛ والتأخير: الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه، وضده التقديم؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر من الأمور؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف "إلى"؛ والشقاء: قوة أسباب البلاء.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} أي في الوقت الذي يجيء فيه ذلك اليوم المعين لا تتكلم نفس من الأنفس الناطقة إلا بإذن الله تعالى لأنه يومه الخاص الذي لا يملك أحد فيه قولا ولا فعلا إلا بإذنه، كما قال: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] وقال: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه: 108، 109] وقال الكفار {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35، 36] وقال: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم} [يس: 65] الخ، وفسرت كلمة [يوم] في الآية بالوقت المطلق، أي غير المحدود؛ لأنه ظرف لليوم المحدود الموصوف بما ذكر، الذي هو فاعل يأتي.
وأراد بعضهم الهرب من جعل يوم ظرفا لليوم، فقالوا: المعنى يوم يأتي جزاؤه، أو هوله، أو الله تعالى، واستشهدوا للأخير بقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} [البقرة: 210]، والشواهد التي أوردناها نص في هذا المقام، ولا حاجة إلى غير جعل يوم بمعنى وقت أو حين. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة [يأت] بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة، وهذا هو الموافق لرسم المصحف الإمام، وهو لغة هذيل، تقول: ما أدر ما تقول. ونفي الكلام في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى يفسر لنا الجمع بين الآيات النافية له مطلقا والمثبتة له مطلقة.
{فمنهم شقي وسعيد} أي فمن الأنفس المكلفة التي تجمع فيه شقي مستحق لوعيد الكافرين بالعذاب الدائم، ومنهم سعيد مستحق لما وعد به المتقون من الثواب الدائم، ولا يدخل في هذا التقسيم غير المكلفين كالأطفال والمجانين، وأما من تستوي حسناتهم وسيئاتهم من المؤمنين، ومن تغلب سيئاتهم منهم، ويعاقبون عليها في النار عقابا موقوتا، ثم يدخلون الجنة، فهم من فريق السعداء، باعتبار الخاتمة في الدنيا والآخرة، فالسعداء درجات، والأشقياء دركات.
روى الترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وأشهر رواة التفسير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزلت {فمنهم شقي وسعيد} قلت: يا رسول الله فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال "بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له "وحديث "كل ميسر لما خلق له" رواه أحمد والشيخان وغيرهما، ولفظ البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قلت: يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" وعن علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض فقال: "ما منكم أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار" قالوا: ألا تتكل؟ قال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". وقرأ: {فأما من أعطى واتقى}. الخ
ومعناه -الذي غفل عنه، أو جهله الكثيرون على ظهوره-: إن الله تعالى يعلم الغيب، وعلمه بأن زيدا يدخل الجنة، أو النار، ليس معناه أنه يدخلها بغير عمل يستحقها به بحسب وعده وحكمته، ولا أنه لا فرق فيما يعمله في الجزاء، وإنما يعلم الله المستقبل كله بجميع أجزائه وأطرافه، ومنه عمل العاملين وما يترتب على كل عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه المنزل وكتابته للمقادير، ولا تناقض ولا تعارض بينهما، ونحن لا نعلم الغيب، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا ما نعلم به ما سيكون في الجملة، وهو أن الجزاء بالعمل، وأن كل إنسان ميسر له، ومسهل عليه ما خلقه الله لأجله من سعادة الجنة وشقاوة النار، وأن ما وهبه للإنسان من العزم والإرادة يكون له من التأثير في تربية النفس ما يوجهها به إلى ما يعتقد أن فيه سعادته.
" يوم يأتي " وقرئ " يوم يأت " لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة ، تقول : لا أدر ، ذكره القشيري . قال النحاس : قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج ، وحذفها في الوقف ، وروي أن أبيا وابن مسعود قرآ " يوم يأتي " بالياء في الوقف والوصل . وقرأ الأعمش وحمزة " يوم يأت " بغير باء في الوقف والوصل ، قال أبو جعفر النحاس : الوجه في هذا ألا يوقف عليه ، وأن يوصل بالياء ، لأن جماعة من النحويين قالوا : لا تحذف الياء ، ولا يجزم الشيء بغير جازم ، فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي ، قال : لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم ، فحذف الياء ، كما تحذف الضمة . وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما : أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء . والحجة الأخرى : أنه حكى أنها لغة هذيل ، تقول : ما أدر ، قال النحاس : أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يرده عليه أكثر العلماء ، قال مالك بن أنس رحمه الله : سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب ، وأما حجته بقولهم : " ما أدر " فلا حجة فيه ؛ لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء ، وذكروا علته ، وأنه لا يقاس عليه . وأنشد الفراء في حذف الياء .
كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ درهما *** جودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّمَا
أي تعطي . وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول : لا أدر ، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة ، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال . قال الزجاج : والأجود في النحو إثبات الياء ، قال : والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء ؛ لأن القراءة سنة ، وقد جاء مثله في كلام العرب . " لا تكلم نفس إلا بإذنه " الأصل تتكلم ، حذفت إحدى التاءين تخفيفا . وفيه إضمار ، أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام ؛ لأنهم ملجوؤون إلى ترك القبيح . وقيل : المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه . وقيل : إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه . وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين . فيقول لم قال : " لا تكلم نفس إلا بإذنه " و " هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون{[8850]} " [ المرسلات : 36 ] . وقال في موضع من ذكر القيامة : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون{[8851]} " [ الصافات : 27 ] . وقال : " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها{[8852]} " [ النحل : 111 ] . وقال : " وقفوهم إنهم مسؤولون{[8853]} " [ الصافات : 24 ] . وقال : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان{[8854]} " [ الرحمن : 39 ] . والجواب ما ذكرناه ، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولوم بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض ، فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا ، وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا ، وخطابه فارغ عن الحجة : ما تكلمت بشيء ، وما نطقت بشيء ، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم . وقال : قوم : ذلك اليوم طويل ، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم الكلام ، فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه . " فمنهم شقي وسعيد " أي من الأنفس ، أو من الناس ، وقد ذكرهم قوله : " يوم مجموع له الناس " . والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة . والسعيد الذي كتبت عليه السعادة ، قال لبيد :
فمنهم سعيدٌ آخذ بنصيبه*** ومنهم شَقِيُّ بالمعيشة قانع
وروى الترمذي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية " فمنهم شقي وسعيد " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا نبي الله فعلام نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه ، أو على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : ( بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له ) . قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر ، وقد تقدم في " الأعراف{[8855]} " .